كذبة إبريل!

يستقبل بعض الناس أول شهر نيسان أو إبريل بعادة قبيحة لم تنبت في أرضنا ولم تخرج من ديارنا، إنما اقتبست من بيئة غير بيئتنا ومن بلاد غير بلادنا، هذه العادة القبيحة السخيفة هي ما سموه كذبة إبريل أو كذبة أول نيسان.
يكذب الناس بعضهم على بعض في هذا اليوم، يتصل أحدهم بصاحبه أو تتصل إحداهن بصديقتها وتبلغها نبأ لا أصل له، قد يكون نبأ مفرحاً مهماً جداً ثم يظهر أن هذا شيء لا أساس له، وكثيراً ما يكون النبأ مزعجاً مروعاً مفزعاً يجزع الإنسان له ويضطرب له قلبه وفؤاده ثم بعد مدة يتصل الشخص مرة أخرى ويقول لا لم يحدث شيء إنها كذبة إبريل، وكأن هذا أمر سهل هين، أن يكذب الإنسان الكذبة ليروع بها صاحبه ثم يقول هذه كانت مزحة وهزلاً..
وللأسف شاع الكذب في حياتنا كلها، ليس هذا الأمر وحده، هذا الأمر محرم من وجوه عدة محرم لأنه كذب والكذب ليس من أخلاق المؤمنين وإنما هو من أخلاق المنافقين، «آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» وفي حديث آخر «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً» وفي بعض الروايات «وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر» ، المنافقون هم الكذابون، يكذبون في الدنيا ويكذبون في الآخرة، يكذبون على الناس ويكذبون على الله حتى يوم القيامة، {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} (المجادلة:18).
هذا العمل محرم لأنه خلق منافي للإيمان، وفي بعض الأحاديث «سئل النبي صلى الله عليه وسلم، أيكون المؤمن جباناً يا رسول الله، قال نعم، قيل أيكون المؤمن بخيلاً يا رسول الله، قال نعم، قيل أيكون المؤمن كذاب يا رسول الله، قال لا» ، لأن الإنسان قد يكون من طبعه الجبن، فيخاف من خياله وتكون هذه هي طبيعته، وشخص شحيح لا يجود بالمال بسهولة فيمكن أن يكون المؤمن جباناً أو بخيلاً وإن كان هذا كما جاء في الحديث «شر ما في الرجل شح هالع أو جبن خالع» ولكن ليس المؤمن كذاباً، لا يكون كذاباً، الله تعالى يقول {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} (النحل:105).
المؤمن لا يكون كذاباً، وجاء في الحديث «يطبع المؤمن على كل خلة - أي على كل خصلة- غير الخيانة والكذب»؛ ولذلك أقول هذا العمل القبيح (كذبة إبريل) هي حرام لأنها كذب وكذب صريح، ثم أنها تفزع وتروع الإنسان بغير حق والنبي صلى الله عليه وسلم قال «لا يحل لمسلم أن يروع مسلما» ولو كان ذلك بالمزاح والدعابة، جاء في الحديث أن الصحابة كانوا في مسيرة في سفر وكان أحدهم على راحلته فخفق، أي نعس، فلحظ ذلك بعض أصحابه فأخذ سهماً من كنانته حتى يبحث عنه فلا يجده فيفزعه، فانتبه الرجل ففزع ولاحظ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال «لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً» أي يدخل عليه الفزع ولو كان مازحاً معه وهذا وجه آخر من وجوه الحرمة .
ووجه ثالث، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «كبرت خيانة ، كبرت خيانة، أن تحدث أخاك بحديث هو لك مصدق وأنت به مكذب» الرجل الذي يسمعك طيب القلب مسالم يسمع لك أن هذا كلام صحيح ويأخذ الأمر مأخذ الجد وأنت تكذب عليه، أنت تخون صاحبك بهذا فهذا وجه ثالث من أوجه الحرمة في هذه القضية.
وجه رابع هو أن هذه العادة تقليد لغيرنا، تقليد أعمى ننقل عن الغربيين الغث والسمين والهزل والجد والطيب والخبيث وما يليق وما لا يليق، وهذا لا يناسب أمة جعلها الله أمة وسطا وجعلها شهيدة على الناس، بوأها مكان الأستاذية للبشرية، ولذلك جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» لا ينبغي أن يشيع الكذب في الحياة الإسلامية.
الحياة الإسلامية تقوم على الصدق ولا تقوم على الكذب والزيف، المسلم صادق هو صادق في نفسه وصادق مع أهله وصادق مع الناس أجمعين، صادق مع من يسالم وصادق مع من يحارب، هو صادق في كل حالاته، فإن الصدق خصلة من خصال الإيمان..
كان محمد صلى الله عليه وسلم مشهوراً بالصدق في الجاهلية والإسلام وحينما جمع الناس عند الصفا وقال لهم «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالواد تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي» قالوا نعم ما جربنا عليك كذبا، لم يكذب قط، وقال هرقل «ما كان ليدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله» ، الأنبياء من أول أوصافهم الصدق والأمانة، كل الأنبياء صادقون أمناء، وينبغي أن يكون أتباع الأنبياء صادقين، صادقين في أقوالهم وأفعالهم وأمور حياتهم كلها، ولذلك إذا شاع الكذب في الحياة فليست هذه حياة إسلامية..
نحن نرى حياتنا الآن للأسف الشديد تقوم على الكذب في أمور كثيرة، الحياة السياسية تقوم على الكذب وعلى الخداع والزيف، والحياة الاجتماعية تقوم على الكذب والحياة التجارية تقوم على الكذب، انتشر الكذب بين الناس، وأصبحوا يقولون هناك كذب أبيض لا يضر شيء، فيخترع له عذراً من الأعذار وهو غير صحيح ويقول هذا لا يضر، لا، إنه يضر ويضر كثيراً وكثيراً، لا ينبغي أن يلجأ المؤمن إلى الكذب.
الحالات التي يمكن أن يكذب المسلم فيها
الإسلام لم يجز الكذب إلا في حالات معينة، مثل ما ذكره العلماء أن يكون هناك رجل ظالم يبحث عن إنسان بريء يريد أن يقتله بغير حق وجاء واختبأ عندك فلا يجوز لك أن تصدق إذا سألك هذا الظالم أرأيت فلاناً؟ لا تقل له رأيته، لأنك بذلك تتسبب في قتله بغير حق، وروت أم كلثوم بنت عتبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخص في الكذب إلا في أمور ثلاثة، الرجل يريد الإصلاح -أي بين المتخاصمين- والرجل يتحدث في الحرب فإن الحرب خدعة، والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها، في هذه الأمور الثلاثة يجوز الكذب فيها..
في الإصلاح بين الناس لا ينبغي أن ينقل المرء وهو يحاول أن يقرب بين متباعدين أو يصلح بين متخاصمين أن ينقل ما يسمع من الكلام من هذا في حق هذا، بل يكتم ما سمع أو يزوقه، يحذف البعض ويزيد على البعض بحيث يقرب المسافة بينهما، كما جاء في الحديث الآخر «ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيراً أو أنمى خيراً» فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا تحلق الشعر ولكن تحلق الدين فمن أجل هذا أجيز هذا التزيين والتزويق للتقريب بين هذين المتجافين أو المتقاطعين.
والموضع الثاني في الحرب ، فليس معقولاً إذا أخذ الإنسان أسيراً أو نحو ذلك وسأله الأعداء أن يحدثهم بقوة الجيش وبأسلحته وبمواضع الأسلحة ويكشف العورات ويدل على مواطن الضعف في الجبهة الداخلية ويقول أنا قلت الصدق، لا، هذا الصدق يدمر أمة، كذلك علاقة الرجل مع زوجته وعلاقة المرأة مع زوجها، ليس من الضروري أن يصارح الرجل امرأته بحقيقة ما عنده، حتى لو كان ينفر منها، لا يقول لها أنني أنفر منك، بالعكس يحاول أن يتودد لها فتتودد إليه فربما هذا التودد يزيل هذه النفرة..
وذلك حينما جاء رجل إلى سيدنا عمر وأخبره أنه طلق امرأته لأنه سألها هل تبغضه فلم تجب فحلف عليها أن تجيبه فقالت له أنا لا أحبك، فجاءت المرأة إلى سيدنا عمر فكلمها فقالت يا أمير المؤمنين ناشدني الله أفيسعني أن أكذب؟ قال لها «نعم إذا كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك، فإن أقل البيوت ما بني على الحب، وإنما يتعاشر الناس بالإسلام والأحساب» بالدين والأخلاق يتعاشر الناس..
هذه هي المواضع التي رخص فيها الإسلام في الكذب، ذلك لأن هذا الدين دين واقعي، هناك بعض الفلاسفة المثاليين دعاة فلسفة الواجب مثل الفيلسوف الألماني الشهير كانت لا يسمح بالكذب في أي حال من الأحوال ولكن الإسلام دين واقعي يعالج الواقع بما يلزم له، فإنما حرم الكذب لما يترتب عليه من أضرار وخبائث فإذا كان الصدق نفسه يترتب عليه أضرار فالصدق في هذه الحالة ضار ولذلك قالوا هناك صدق قبيح مذموم منه نقل الكلام الذي يسمعه الإنسان وهذه هي النميمة، النميمة أن تنقل الكلام الذي سمعته بالحرف من شخص إلى شخص أو من فئة إلى أخرى لتفسد ما بينهما، هذا صدق مذموم.
ومن الصدق المذموم ثناء المرء على نفسه أن يمدح الإنسان نفسه ويزكيها عند الآخرين والله تعالى يقول {فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} (النجم:32) وذم الله اليهود فقال {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} (النساء:49) وفي الأمثال الناس يقولون «لا يشكر نفسه إلا إبليس» ذلك أن إبليس حينما امتنع عن السجود لآدم وسئل ما الذي منعك أن تسجد لآدم، قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين.
المسلم لا يلجأ للكذب الصريح
الإسلام أباح الكذب في مواضع معينة لضرورات والأصل أن المسلم لا يلجأ إلى الكذب الصريح ما استطاع إلى ذلك سبيلا فقد جاء عن الصحابة رضي الله عنهم «إن في المعاريض لمنذوحة عن الكذب» ومقصود بالمعاريض أن تلوح ولا تصرح وأن توري بالكلام، أن تقول بالكلام تقصد معنى ويفهم السامع معنى آخر والمعنى الذي قصدته صحيح، كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر سأله بعض الناس قابلوه في الطريق وكان النبي لا يريد أن يعرف سألوه من أين جئتم ؟ فقال «من الماء» ففهم الرجل أنهم قادمون من العراق أو من هذه البلاد التي فيها الأنهار والنبي صلى الله عليه وسلم يقصد الآية الكريمة {فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} (الطارق:5-7) ، {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ} (المرسلات:20) وسئل أبو بكر من هذا الذي معك ؟ فقال لهم هذا دليلي، ففهم أنه دليله أي هو الذي يعرف الطريق وأبو بكر يقصد دليلي أي دليلي إلى الله وإلى الجنة وإلى الصراط المستقيم فهذه هي المعاريض.
سأل الأمير زياد بن أبي سفيان أحد التابعين مطرف بن عبدالله سأله ما الذي أخرك عنا صار لك مدة لم نرك؟ فقال له: أيها الأمير والله ما رفعت جنباً منذ فارقتك إلا ما رفعني الله عز وجل، ففهم منه أنه كان مريضاً، ولكن حتى الصحيح لا يرفع جنباً إلا ما رفعه الله، فبمثل هذا ينبغي للإنسان أن يتخلص من المآزق، ولذلك كان بعض السلف إذا جاء أحد ولا يريد أن يقابله لأنه ظالم أو فاسد أو لا يريد لقاءه، فترسم الجارية دائرة وتقول له هو ليس هنا، أي تقصد في هذه الدائرة، وهكذا، كانوا يتخلصون بمثل هذه المعاريض عند الضرورة ولكن الأصل هو الصدق الصحيح.
-------
المصدر: الموقع الشخصي للدكتور القرضاوي على الإنترنت (بتصرف)