كيف تتعامل الإنسانية مع الكوارث الطبيعية؟!

عز الدين جلولي

21 سبتمبر 2026

15

عمليات إنقاذ وإغاثة متضرري فيضان وكارثة طبيعية

العلاجات الفرنسية لاحتواء الحرائق الهائلة علاجات موضعية وغير جذرية، والإعلام لا يذهب أبعد من توصيف الحالة الكارثية ونشر تقارير تبدي إمكانيات الدولة الفرنسية القوية، ولكنها تكشف مدى هشاشة الخطط وضعف الإجراءات المجندة ولو كانت عسكرية.

الكوارث الطبيعية.. هل تكفي الحلول المناخية لمواجهتها؟

إن ما قاله رئيس المجلس الأعلى للمناخ الفرنسي جان فرانسوا سوسانا، من أن حل هذه المشكلة يبدأ بإعادة النظر في كل شيء، لأن كل شيء وضع لمناخ غير هذا المناخ، هو نصف الحقيقة، ونصفها الثاني موجود في طبيعة الكون كله، وكيف خلق، ومن خلق، وبماذا أمر؟

لا أقصد ما يقصده السياسيون في الحكومة الفرنسية حينما يتكئون على حجة المناخ ليبرروا تقصيرهم في دعم المتضررين وإغاثتهم، ما قصدته أن من أفسد المناخ حتى أصبحت الكوارث تتكرر في كل عام هو نفسه من يبذل الجهد غير الكافي لمواجهة المشكلة، كالذي يطارد ذيله في حركة دائرية لا تنتهي بنتيجة، إنهم ينفقون على الشامبانيا في الإليزيه أكثر مما ينفقون على وسائل الإطفاء.

صراع الإنسان مع قوى الطبيعة من بقايا الوثنية، التي لا تزال جذورها مشتعلة في الثقافة الغربية وتنبعث منها أدخنة تشوه حضارة عصر التنوير، الطبيعة بكل ما فيها مخلوق من مخلوقات الله، ويسري عليها ما يسري على الإنسان من قوانين كونية مقدرة من قبل الله تعالى، لهذا على الإنسان ألا يجهل، وعليه أن يدرس سلوك القوى المودعة في الكون، فهي تغضب بغضب الله وترضى برضاه، ولا ينبغي أن يتعامل الإنسان مع غضبها من البشر الذين أفسدوا جمالها الأخاذ وعطاءها الخير بلغة الحروب، فلربما كانت هدأتها في شهادة ينطق بها الإنسان الغافل أو سجدة يسجدها توبة إلى الله وطلبا للصفح منه.

الأكاديمية الملكية الإسبانية للهندسة يدعون الناس إلى التعايش مع الجحيم المستعر وصحفيون يرددون هذه الهراء، إذ كيف يتعايش الإنسان مع جهنم؟ أليست النار والإنسان متناقضين ولا يمكنهما أن يجتمعا؟ وما هذا التسطيح في القول بأن النزوح من الريف إلى المدينة هو من سبب كثافة النباتات وسهل اشتعال النيران، فلماذا نزح الناس إذن عن أراضيهم مصدر رزقهم وبيئة عيشهم الطبيعية ويمموا شطر المدن الحديثة المكتظة بالسكان؟ أليست الأنظمة الرأسمالية هي من فعلت هذا بهم؟ فلتعدهم إلى وضعهم الطبيعي إذن؟ وليسألوا رب العزة عن النار لماذا يرسلها عليهم في كل عام؟

أيعقل أن تعمل الحسناء الأوروبية وهي بهذا الضعف الأنثوي في عمل بهذا الجهد العضلي؟! المرأة من حقها أن تحظى ببيت وأطفال وتبعد عن كل ما يؤذي ويضر، والرجال هم الأجدر بتولي هذه المهام الصعبة، فلنتأمل ثقافة الجندر وفكرة المساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما في الغرب إلى أين أودت بهم؟ فما أحكم النبوة الشريفة حين توصي بالنساء خيرا: ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم.

التغير المناخي ليس هو الخطر، إنه نتيجة لخطر آخر هو انبعاث الغازات الدفيئة، والتي سببها جشع الإنسان الغافل عن ربه ونبيه، التغير المناخي ردة فعل متوقعة من الطبيعة، لأنها لم تك تفعل هذا بالإنسانية من قبل، والميثاق الوطني لحماية المناخ الذي دعا رئيس الحكومة الإسبانية شعبه لتبنيه لا يحل مشكلة عالمية، الأوروبيون هم من بدؤوا العبث بالكون باسم التقدم، وتبعهم الأمريكيون ثم الصينيون، على الجميع أن يتوقف ويسأل: أين المفر؟

كل الناس تعلم أسباب الحرائق والإعلاميون في الطليعة، خاصة أولئك الذين يعملون في قنوات فضائية تابعة لدول صناعية ساهمت بقوة في الاحتباس الحراري، نحن في شمال إفريقيا ندفع أثمان إفسادهم في الأرض لأننا نحن من باعهم المحروقات كما يدفعون هم أيضا، وندفع علاوة على ذلك أثمان توانينا عن الامتثال لأوامر الله وما أكبر تقصيرنا!

الكوارث الطبيعية.. بين مسؤولية الإنسان والبحث عن الحلول

الجزائر الجديدة هي القديمة لم يتغير منها شيء، وتصريح الرئيس تبون من مستشفى الحروق باللغة الفرنسية يبدو أنه موجه للرأي العام الفرنسي لا الجزائري، لأنني ظننت بأن اللغة الفرنسية قد طويت صفحتها في هذه البلاد كما يطوى الكتاب، ولكن ما زالت دار لقمان على حالها لم تتبدل، ثم إن فاجعة الأيتام الحرقى وهم بعهدة السلطة في دار الطفولة المسعفة بالمحمدية تشبه الحافلة الغارقة في وادي الحراش، وكلتا الفاجعتين تضربان بعمق في الضمير الجزائري، الذي أصبح بتحسس بشدة غياب القيادة القادرة والمقتدرة على الإبحار بالبلاد إلى بر الأمان، واقع الصحة في الجزائر لا يختلف عما في دار الطفولة المسعفة من إهمال مجتمعي ووظيفي، ولا أدل على ذلك من الطبابة التي أصبحت تتاجر بأرواح الناس، ولا هم لها إلا المال، والمال فقط، قد تعرّى الأطباء في معظمهم من الشفقة بقومهم وكأنهم ليسوا من هذا المجتمع الذي يدين لله بالإسلام.

غريب أن تتوقف درجة الحرارة دائماً عند (49) لا تتعداها! وهي عندنا في الظل فاقت (50)، فلماذا تطمس الوقائع هكذا؟ رجال الإطفاء بإمكانياتهم البسيطة لا يستطيعون فعل الكثير، والحرائق تعاود الاشتعال في كل عام، والسلطة عاجزة عن تحمل مسؤولياتها وتدعي بأنها قوة ضاربة، على الشعب أن يقلع الأشواك بأظفاره، وأولها أن يتقي الله ويعيد الانتشار في الأرض، ويبحث عن سلطة أخرى عادلة تطفئ غضب الرب بصلاحها.

ما تفعل طائرة إطفاء حمولتها دلو خفيف أو بضعة آلاف من اللترات تتبخر مياهها قبل أن تصل إلى اللهب، ثم تعاود هذه الطائرة الرجوع إلى البحر لتتزود بالمياه والنيران التي خلفتها في ازدياد؟ إنه عمل استعراضي قليل الجدوى، وإطفاء النيران يبدأ من نهي السباحين العراة الذين لا يتقون الله في الشواطئ، وفي العلاقات المحرمة، وفي تاركي الصلاة، وآكلي الربا، وشاربي الخمور.. ثم نسعى إلى الله بالطاعات وأعمال الخير وتطبيق أحكامه في الحياة كافة؛ وساعتئذ سيحمينا الله بلا ريب من الأسباب التي تجلب لنا هذه العذابات، قال تعالى: (مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً) (النساء: 147).

لا أدري أية غفلة هذه؟ فكرة التكيف التي تلقفها بعضنا من الضفة الأخرى للمتوسط ويريد للناس أن تبتلعها مخادعة للغاية ولا تنم عن وعي بالكون، هل يستطيع الإنسان أن يتكيف مع اللهب؟ لا بد من التفكير عميقا في جذور المشكلة، والمرتبطة تحديدا بعلاقة الناس بربهم الذي أرسل إليهم المياه في الشتاء والنيران في الصيف؛ فالمزارعون في الجزائر إلا قليلا لديهم تجاوزات إيمانية تتعلق بحرصهم الشديد على الربح السريع، إلى درجة أثروا فيها على نمو الثمار بالكيمياويات حتى فسدت الصحة العامة بفساد الأطعمة، وكذلك الشأن في القروض الربوية التي تأذن بحرب من الله ورسوله.

والحل ليس في التكيف كما يفتي بعض الناس للناس، بل في التوبة إلى الله وامتثال تعاليم الإسلام في المزارعة وهي أحكام كثيرة في قمة الحكمة والأمان لو يطلع عليها الفلاحون والصحفيون على حد سواء علهم ينورون الرأي العام بها، ولنا في النبي نوح عليه السلام خير وصية لذريته إلى يوم القيامة: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً {10}‏ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً {11} وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً) (نوح).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة