أخطار النميمة..
كيف تحوّل الوشاية الكلام إلى تهمة؟ خبر رجاء بن حيوة
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، أن صَفْوَان بن صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ
كَثِيْرٍ الدِّمَشْقِيُّ القَارِئُ، عن عَبْدالرَّحْمَنِ بن يَزِيْدَ بنِ جَابِرٍ،
قَالَ: كُنَّا مَعَ رَجَاءِ بنِ حَيْوَةَ، فَتَذَاكَرْنَا شُكْرَ النِّعَمِ،
فَقَالَ: مَا أَحَدٌ يَقُوْمُ بِشُكْرِ نِعْمَةٍ، وَخَلْفَنَا رَجُلٌ عَلَى
رَأْسِهِ كِسَاءٌ، فَقَالَ: وَلَا أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ؟ فَقُلْنَا: وَمَا
ذِكْرُ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ هُنَا! وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ، قَالَ:
فَغَفَلْنَا عَنْهُ، فَالْتَفَتَ رَجَاءٌ، فَلَمْ يَرَهُ، فَقَالَ: أُتِيْتُم مِنْ
صَاحِبِ الكِسَاءِ، فَإِنْ دُعِيْتُم فَاسْتُحْلِفْتُم، فَاحْلِفُوا، قَالَ: فَمَا
عِلْمُنَا إِلَاّ بِحَرَسِيٍّ قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ، قَالَ: هِيْهِ يَا رَجَاءُ،
يُذْكَرُ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ، فَلَا تَحْتَجُّ لَهُ؟!
قَالَ:
فَقُلْتُ: وَمَا ذَاكَ يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ؟ قَالَ: ذَكَرْتُم شُكْرَ
النِّعَمِ، فَقُلْتُم: مَا أَحَدٌ يَقُوْمُ بِشُكْرِ نِعْمَةٍ، قِيْلَ لَكُم:
وَلَا أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ؟ فَقُلْتَ: أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ رَجُلٌ مِنَ
النَّاسِ، فَقُلْتُ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، قَالَ: آللهِ؟ قُلْتُ: آللهِ، قَالَ:
فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ السَّاعِي، فَضُرِبَ سَبْعِيْنَ سَوْطاً، فَخَرَجْتُ
وَهُوَ مُتَلَوِّثٌ بِدَمِهِ، فَقَالَ: هَذَا وَأَنْتَ رَجَاءُ بنُ حَيْوَةَ؟
قُلْتُ: سَبْعِيْنَ سَوْطاً فِي ظَهْرِكَ، خَيْرٌ مِنْ دَمِ مُؤْمِنٍ، قَالَ ابْنُ
جَابِرٍ: فَكَانَ رَجَاءُ بنُ حَيْوَةَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ
يَقُوْلُ، وَيَتَلَفَّتُ: احْذَرُوا صَاحِبَ الكِسَاءِ(1).
بين مجلس يتذاكر
شكر النعمة، ومجلس يُسأل فيه صاحبه عن موقفه من الخليفة، تقف كلمة نقلها ساعٍ،
فتبدّل بها معنى الحديث ومصيره، ولرجاء بن حيوة منزلة معروفة عند سليمان بن عبد
الملك وعمر بن عبد العزيز، ذكرها الذهبي في ترجمته؛ غير أن هذه الرواية لا تسمّي
الخليفة، ولا تحدد مكان المجلس، ولا يورد الذهبي معها حكمًا صريحًا على إسنادها، لذلك
تُقرأ بوصفها خبرًا تاريخيًا، وتُعرض المعاني المستنبطة منها على الأدلة المستقلة،
دون الجزم بما أضافته بعض القراءات من تشخيصات نفسية أو خطط اغتيال أو تفاصيل
سياسية لا يذكرها النص.
هل تمنح السلطة صاحبها حصانة من التقصير؟
بدأ المجلس من
معنى تعبدي، لا من خصومة سياسية: عجز الإنسان عن استيفاء شكر نعم الله، قال تعالى:
(وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ
اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) (النحل: 18)، قال ابن كثير في تفسيرها: ولو طالبكم
بشكر جميع نعمه لعجزتم عن القيام بذلك(2)، فالمعنى اعتراف بسعة الإنعام
وقصور العبد، وليس دعوة إلى ترك الشكر أو التسوية بين الشاكر والجحود، وإدخال
الخليفة في عموم الناس، في هذا السياق، تقرير لبشريته وافتقاره، لا يلزم منه
انتقاصه.
وقد جسّد
الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه هذه المحاسبة حين قُدّم إليه
الطعام وهو صائم، فتذكّر مصعب بن عمير رضي الله عنه وقلة ما وُجد لتكفينه، ثم خاف
أن يكون بسط الدنيا تعجيلًا للحسنات، وبكى حتى ترك الطعام(3)، فلم
تتحول النعمة عنده إلى شهادة تفوق على السابقين، بل إلى سؤال عن الوفاء بحقها.
ومن هنا يمكن أن
تبدأ تربية المسؤول وصاحب المال والعلم؛ فليست النعمة حصانة من المراجعة، وإنما
سبب لزيادة المسؤولية، وحين يبقى هذا المعنى حاضرًا، لا يعود تذكير الكبير ببشريته
إهانة، ولا يصبح مدحه طريقًا إلى إعفائه من واجباته.
ما الفرق بين النميمة المحرمة والشكوى المشروعة؟
لم يذكر الخبر
أن صاحب الكساء اختلق جميع الألفاظ؛ وإنما تبدو خطورة سعايته في تحويل حديث عن
الشكر إلى مساءلة عن تعظيم الخليفة، وهنا تتضح دقة تعريف النووي للنميمة بأنها:
نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد(4)، فالعبرة ليست بصحة الألفاظ
وحدها، بل بطريقة حملها، وسياق عرضها، والمقصد من إيصالها.
ومن المواقف
الثابتة أن حذيفة رضي الله عنه قيل له إن رجلًا يرفع الحديث إلى عثمان رضي الله
عنه، فذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة قتات»(5)، فقد
استحضر حذيفة الوعيد النبوي عند الحديث عن هذا المسلك، فنبّه إلى مسؤولية من يجعل
أخبار المجالس مادة للإفساد.
ومع ذلك، لا
يجوز جعل التحذير من الوشاية وسيلة لإسكات المظلوم؛ فقد قيّد الإمام النووي النهي
عن نقل الكلام إلى ولاة الأمور بعدم وجود حاجة، كدفع مفسدة(6)، والفرق
مهم في الأسرة والمؤسسة؛ إبلاغ الجهة المختصة باعتداء حقيقي طلبًا للإنصاف ليس
كتتبع العبارات لإسقاط أصحابها، والمطلوب حماية الناس من التقارير الكيدية، مع
إبقاء باب الشكوى الصادقة مفتوحًا.
ضوابط التثبت الشرعي قبل محاكمة غياب المتهمين
الساعي لا يصنع
الضرر وحده؛ فهو يحتاج إلى من يقبل تفسيره قبل سماع الطرف الآخر، ولهذا تبدأ
مقاومة الوشاية بإبطاء الحكم، والتمييز بين العبارة وما ألصقه بها ناقلها من
اتهام.
وفي ترجمة رجاء بن حيوة نفسها درس نقدي بليغ؛ فقد علّق الذهبي على ما وقع بينه وبين مكحول بقوله:
«ومكحول ورجاء إمامان، فلا يلتفت إلى قول أحد منهما في الآخر»(7)، لم
يترك الذهبي الخصومة تحسم التقدير العلمي للرجلين، وليس المقصود إسقاط النقد،
وإنما ألّا تُغني مكانة المتكلم عن فحص حجته، ولا تُنسى ملابسات كلامه.
ومن التطبيق
العملي لذلك موقف معاذ بن جبل رضي الله عنه حين عاب رجلٌ كعبَ بن مالك، وهو غائب
عن مجلس النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك؛ فردّ معاذ: «والله يا رسول الله ما
علمنا عليه إلا خيرًا»(8)، دافع عما يعلمه، ولم يدّع معرفة ما غاب عنه؛
فكانت شهادته المنضبطة حاجزًا أمام تفسير جارح لدوافع الغائب.
وفي واقعنا،
ينبغي أن تسبق العقوبةَ أسئلةٌ عادلة: ما النص الكامل؟ وما سياقه؟ وهل سُمع جواب
صاحبه؟ فصورة مقتطعة من محادثة، أو تسجيل مبتور، لا ينبغي أن يصبح وحده حكمًا على
أمانة إنسان أو دينه.
دور المستشار الأمين في كبح غضب الحاكم
تبدو يقظة رجاء
بن حيوة، كما يصورها الخبر، في انتباهه إلى غياب الرجل وتحذيره أصحابه قبل وصول
الاستدعاء، ويمكن قراءة ذلك بوصفه إدراكًا لعواقب الكلام، دون الحاجة إلى افتراض
تفاصيل عن انفعالاته لا يصفها الراوي، والقيمة القيادية الأوسع أن صاحب الخبرة لا
يكتفي بفهم الخطر، بل يسعى إلى حماية من حوله.
غير أن الحماية
لا تكون بالحيلة وحدها؛ فقد يكون أعظمها كفّ غضب القادر، قال القرطبي في تفسير
قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ
وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: 199)، إن
مما يدخل فيها صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين(9).
وقد غضب أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين خاطبه عيينة بن حصن بكلام جاف واتهمه في
العطاء والحكم، فذكّره الحُرّ بن قيس بهذه الآية، فتوقف عمر عندها؛ ووصفه ابن عباس
بأنه كان وقافًا عند كتاب الله(10).
وهنا تظهر قيمة
المستشار الصالح: لا يقيس قربه من المسؤول بقدرته على تأجيج غضبه، وإنما بقدرته
على إعادته إلى العدل، وفي الإدارة والتعليم، قد تكون كلمة تهدئة موثقة، أو طلب
مهلة للتحقق، أنفع من سلسلة قرارات متعجلة يصعب إصلاح آثارها.
متى تصبح التورية باليمين واجبًا لحفظ الأرواح؟ موقف رجاء بن حيوة
أدق ما في الخبر
يمين رجاء بن حيوة؛ إذ لا يجوز جعلها مسوّغًا عامًا للكذب، كما لا يصح تجاهل كلامه
عن الخوف على دم المؤمن، والتحرير هنا أن الرواية لا تبيّن نيته التفصيلية في
اليمين، فلا نجزم بأنه قصد تورية بعينها.
أما الأصل
الفقهي المستقل، فقد بيّنه الإمام النووي، حيث ذكر حالة اختفاء مسلم من ظالم يريد
قتله، ووجوب إخفائه عنه، ثم قال: والأحوط في هذا كله أن يوري(11)، وبيّن
أن المقصود المحمود متى أمكن تحصيله دون الكذب لم يجز الكذب لأجله، فالكلام هنا عن
دفع ظلم حقيقي بضوابطه، لا عن التخلص من كل مساءلة.
ومن الشواهد
الثابتة موقف سويد بن حنظلة رضي الله عنه: خرج مع وائل بن حجر، فأخذ وائلًا عدوّ
له، فحلف سويد أنه أخوه، فأطلقه؛ ولما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صدقت،
المسلم أخو المسلم»(12)، فهو مثال واضح لاستعمال معنى صحيح يحتمله
اللفظ في تخليص مسلم من احتجاز عدوّه.
وعلاقة هذا
الأصل بخبر رجاء بن حيوة علاقة تفسير محتمل، لا شهادة باستيفاء كل شروطه في واقعة
لم تصلنا جميع ملابساتها، ومن هنا يلزم التفريق بين حماية المظلوم وبين إخفاء
اعتداء أو إبطال حق ثابت؛ فليست كل منفعة تُطلب ضرورة، ولا كل حيلة تُسمّى فقهًا.
إنكار السعاية لا يبيح الانتقام وتجاوز العدالة
قول رجاء بن
حيوة عن السبعين سوطًا ودم المؤمن يكشف عن المفسدة التي كان يخشاها، لكنه لا يثبت
أن قتل الجالسين كان نتيجة محتومة، ولا أن هذه العقوبة بعينها صارت حكمًا شرعيًا
مقررًا للنميمة، والأمر بالجلد صدر في الرواية من الخليفة، لا من رجاء بن حيوة؛
فحكاية وقوع الفعل غير إقامة الدليل على مشروعية جميع تفاصيله.
والميزان الذي
ينبغي أن يحكم القراءة هو قوله تعالى: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8)، فالخصومة لا
تمنح صاحبها حق تعطيل العدل، وإنكار السعاية لا يستلزم تزكية كل عقوبة نزلت
بصاحبها.
ومن المواقف
المربية خبر أبي مسعود البدري رضي الله عنه، حين كان يضرب غلامًا له بالسوط،
فذكّره النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام»؛ فألقى
السوط، وعزم ألّا يضرب مملوكًا بعده(13)، أعاده التذكير بقدرة الله من
الانفعال إلى المحاسبة.
ولهذا لا ينبغي
تحويل خبر صاحب الكساء إلى احتفاء بالألم أو دعوة إلى الانتقام، والأقرب إلى
التربية بالعدل أن تُحمى سمعة المتَّهَم، وتُفحص السعاية، وتكون المحاسبة بإجراءات
منضبطة، لا بإهدار حرمة شخص لأنه أخطأ.
كيف نحفظ أمانة المجالس دون الوقوع في التجسس؟
ختم الراوي
الخبر بتكرار رجاء بن حيوة للتحذير في مجالسه، وللعبارة قوة تذكيرية؛ فهي تستدعي
موقفًا كاملًا بكلمات قليلة، لكن فائدتها التربوية لا تكتمل حين تُزرع الريبة في
كل حاضر، بل حين تتحول التجربة إلى وعي بأمانة الكلام وحدود نقله.
وقد قيل لابن
مسعود رضي الله عنه: إن فلانًا تقطر لحيته خمرًا، فقال: «إنا قد نهينا عن التجسس،
ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به»(14)، فقد جمع موقفه بين رفض التفتيش عن
المستور وعدم تعطيل التعامل مع ما يظهر بدليله.
وفي المجالس
التعليمية ومجموعات العمل، يمكن ترجمة ذلك إلى احترام الخصوصية، وعدم إخراج الكلام
من سياقه، وتحديد طرق واضحة لمعالجة الشكاوى، فلا نحمي المجلس بتحويله إلى ساحة
خوف، ولا نحفظ الثقة بإلغاء المساءلة؛ وإنما نحفظهما بأمانة النقل وعدالة
الاستماع.
إن القيمة الباقية في خبر رجاء بن حيوة ليست براعة الإفلات من موقف حرج فحسب، بل الأسئلة التي يضعها أمام قارئه: كيف تُحمل الكلمة؟ وكيف يُحمى المظلوم؟ وكيف يبقى العدل حاضرًا حتى مع المخطئ؟ وحين تُقرأ أخبار العلماء على ضوء القرآن والسنة، لا تتحول إلى تفويض مفتوح لتقليد كل تصرف، بل تصبح مجالًا لتربية البصيرة: شكرٌ بلا غرور، وحذرٌ بلا تجسس، ونصرةٌ بلا عدوان.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (4/ 561).
- 2 تفسير ابن كثير (4/ 484)
- 3 صحيح البخاري (1275).
- 4 رياض الصالحين، ص 434.
- 5 متفق عليه، أخرجه البخاري (6056)، ومسلم (105).
- 6 شرح النووي على مسلم (2/ 113).
- 7 سير أعلام النبلاء (4/ 558).
- 8 صحيح البخاري (4418).
- 9 تفسير القرطبي (7/ 344).
- 10 صحيح البخاري (4642).
- 11 الأذكار: النووي، ص 598.
- 12 سنن أبي داود، بسند صحيح (3256).
- 13 صحيح مسلم (1659).
- 14 سنن أبي داود، بسند صحيح (4890).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً