المال والنفوذ في ميزان الأمانة..
كيف تصون العفة استقلال الكلمة؟ طاووس بن كيسان وعطايا الأمراء
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عَنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قال: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بنَ
الزُّبَيْرِ الصَّنْعَانِيَّ يُحَدِّثُ: أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ يُوْسُفَ، أَوْ
أَيُّوْبَ بنَ يَحْيَى بَعَثَ إِلَى طَاوُوْسٍ بِسَبْعِ مائَةِ دِيْنَارٍ، أَوْ
خَمْسِ مائَةٍ، وَقِيْلَ لِلرَّسُوْلِ: إِنْ أَخَذَهَا الشَّيْخُ مِنْكَ، فَإِنَّ
الأَمِيْرَ سَيُحْسِنُ إِلَيْكَ وَيَكْسُوْكَ، فَقَدِمَ بِهَا عَلَى طَاوُوْسٍ
الجَنَد، فَأَرَادَهُ عَلَى أَخْذِهَا، فَأَبَى، فَغَفِلَ طَاوُوْسٌ، فَرَمَى
بِهَا الرَّجُلُ فِي كُوَّةِ البَيْتِ، ثُمَّ ذَهَبَ، وَقَالَ لَهُم: قَدْ
أَخَذَهَا، ثُمَّ بَلَغَهُم عَنْ طَاوُوْسٍ شَيْءٌ يَكْرَهُوْنَهُ، فَقَالَ:
ابْعَثُوا إِلَيْهِ، فَلْيَبْعَثْ إِلَيْنَا بِمَالِنَا، فَجَاءهُ الرَّسُوْلُ،
فَقَالَ: المَالَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الأَمِيْرُ إِلَيْكَ، قَالَ: مَا قَبَضْتُ
مِنْهُ شَيْئاً، فَرَجَعَ الرَّسُوْلُ، وَعَرَفُوا أَنَّهُ صَادِقٌ، فَبَعَثُوا
إِلَيْهِ الرَّجُلَ الأَوَّلَ، فَقَالَ: المَالَ الَّذِي جِئْتُكَ بِهِ يَا أَبَا
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: هَلْ قَبَضْتُ مِنْكَ شَيْئاً؟ قَالَ: لَا، ثُمَّ
نَظَرَ حَيْثُ وَضَعَهُ، فَمَدَّ يَدَهُ، فَإِذَا بِالصُرَّةِ قَدْ بَنَى
العَنْكَبُوْتُ عَلَيْهَا، فَذَهَبَ بِهَا إِلَيْهِم.
وعن أَبي
مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ
لِطَاوُوْسٍ: ارْفَعْ حَاجَتَكَ إِلَى أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ -يَعْنِي:
سُلَيْمَانَ بنَ عَبْدِ المَلِكِ- قَالَ: مَا لِي إِلَيْهِ حَاجَةٌ، فَكَأَنَّ
عُمَرَ عَجِبَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ
سُفْيَانُ: وَحَلَفَ لَنَا إِبْرَاهِيْمُ بنُ مَيْسَرَةَ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ
الكَعْبَةِ: وَرَبِّ هَذِهِ البَنِيَّةِ مَا رَأَيْتُ أَحَداً، الشَّرِيْفُ
وَالوَضِيْعُ عِنْدهَ بِمَنْزِلَةٍ إِلَاّ طَاوُوْساً(1).
تجتمع هذه
الأخبار عند معنى واحد تتعدد وجوهه: نفسٌ لا تستدرجها العطية، ولسانٌ لا يتجاوز
الحقيقة، ومعاملةٌ لا تتبدل بتبدل منزلة المخاطَب، وليس بطل المشهد المال المتروك
وحده، بل الإنسان الذي لا يجعل المال والجاه ميزانًا لاختياره.
كيف تحمي عفة العالم استقلال كلمته؟
تأتي اللحظة
الكاشفة بعد إرسال المال: فقد طُلب استرداده حين بلغهم عن طاووس ما يكرهونه، وهذا
التتابع يسمح بقراءة الموقف من زاوية الخشية من تأثير العطاء في صاحبه؛ كأن يكون
المنتظر من الآخذ سكوتًا أو موافقة، لكنه لا يتيح الجزم بجميع نيات المرسِل، ولا
اختراع مضمون للكلام الذي أثار استياءه.
ومن هنا يمكن
فهم رفض طاووس باعتباره احترازًا يصون استقلاله، لا مجرد زهد في مقدار من المال، فالعطية
التي تجعل صاحبها يتردد في بيان ما يعتقده حقًّا قد تكون كلفتها المعنوية أكبر من
منفعتها المادية.
ولهذا المعنى
شاهد من كلام عمر بن عبد العزيز نفسه: «كَانَتِ الْهَدِيَّةُ فِي زَمَنِ رَسُولِ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةً وَالْيَوْمَ رِشْوَةٌ»(2)،
والمقصود في الاستشهاد التنبه إلى أن اسم الهدية لا يكفي وحده للحكم على حقيقتها؛
فقد يتغير معناها بما يُطلب وراءها.
وليس المطلوب
حمل كل إحسان على سوء القصد، وإنما إدراك الفرق بين عطاء يوسّع قدرة الإنسان على
أداء واجبه، وعطاء يُراد به تضييق حريته في أدائه، وفي واقع التعليم والدعوة، يظهر
هذا الفرق حين يستطيع صاحب العلم أن يشكر المحسن، ثم يخالفه بأمانة إذا اقتضى
الدليل؛ فلا يصبح الشكر تعهدًا بالموافقة، ولا تتحول المنحة إلى حق في توجيه
الكلمة.
كيف تُبدل المصلحة الشخصية وصف الوقائع؟
لم يكن حامل
المال ناقلًا محايدًا؛ فقد وُعد بالإحسان والكسوة إن أخذ طاووس العطية، ثم وقع
الخلل حين وضع المال في البيت بغير قبول الشيخ، وأبلغ مرسليه أنه أخذه، وفي هذا
الجزء من الخبر تظهر المسافة بين إنجاز المهمة حقيقةً، وصناعة خبر يوهم بإنجازها.
لقد غيّر الرسول
وصف الواقعة: ما كان رفضًا أصبح في تقريره قبولًا، ثم أعاد سؤال طاووس الأمر إلى
حدوده: «هل قبضت منك شيئًا؟»؛ فجاء الاعتراف بالنفي، ولم يعد وجود الصرّة في البيت
كافيًا لتصديق الرواية التي قيلت عن أخذها.
وتضيء هذا
الموقف شهادة عمرو بن دينار في طاووس: «ولا تحسبن فينا أحدًا أصدق لهجة من طاووس»(3)،
فهي تجعل صدقه في الخبر متصلًا بخصلة عرفها فيه أهل العلم، لا بحيلة لفظية
استعملها عند المطالبة بالمال.
ومع ذلك، لم
تنتهِ الحكاية إلى الاكتفاء بحسن الظن؛ بل عاد الرسول الأول، وسُئل، واعترف،
ووُجدت الصرّة، وهذا يتيح استخلاص معنى عملي: الثقة بالإنسان لا تمنع التحقق من
الوقائع، كما أن منفعة الناقل من خبرٍ ما تستدعي التثبت، لا اتهامه تلقائيًا.
وفي معاملات
الناس، ينبغي التمييز بين وصول الشيء إلى المكان، وموافقة صاحبه عليه، وما يرويه
الوسيط عن ذلك، أما الأحكام التفصيلية للملكية والقبض والضمان، فلا تُستخرج من هذه
الحكاية وحدها؛ فالعبرة القريبة هنا هي أمانة وصف ما وقع، وعدم صناعة موافقة لم
تصدر.
الفرق بين صدق الزهد والتمثيل الاستعراضي
تختتم واقعة
المال بصورة يصعب نسيانها: تمتد يد الرسول إلى الموضع الذي وضع فيه الصرّة، فيجد
العنكبوت قد بنى عليها، لكن قوة الصورة لا تبيح إضافة مشهد آخر لم يروه الناقل؛
فالنص لا يقول إن طاووس عرف مكانها ثم تعمد تركها ليهين صاحبها، بل يذكر أن الرسول
وضعها حين غفل الشيخ.
لذلك، لا يصح
وصف بقائها بأنه خطة مقصودة للإذلال أو الإعراض الاستعراضي، الدلالة التي يسندها
الخبر أبسط وأرسخ: رفضٌ لم يتبدل إلى قبول، وصرةٌ عادت من موضعها، وانكشافٌ لدعوى
الرسول، وقد دخل المال البيت، لكنه لم يدخل في الاختيار الذي أعلنه طاووس.
ويضبط سفيان
الثوري معنى الزهد بقوله: «الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا لبس
العباء»(4)، فهو يوجّه النظر من صناعة المظهر إلى حقيقة توجه النفس؛
فلا تكفي هيئة التقشف لإثبات التحرر من التعلق بالدنيا.
وعلى هذا، لا
ينبغي أن ينصرف الإعجاب إلى صورة المال المهجور وحدها، ولا إلى تضخيم قيمته
بحسابات لا يثبتها الخبر، فالتردد بين خمسمائة وسبعمائة دينار باقٍ في الرواية،
وليس فيها ما يحدد قوتها الشرائية تفصيلًا.
والأقرب إلى
الاقتداء أن يسأل الإنسان عن صدق اختياره حين يُعرض عليه ما يشتهيه، لا أن يبحث عن
مشهد يثبت به زهده للناس، فالاستقامة لا تحتاج إلى إخراج مسرحي؛ يكفي أن يكون
الرفض صادقًا، وأن يبقى كذلك حين تغيب الأنظار.
رفض طاووس عرض الحاجات للحاكم؟
يحتاج الإعجاب
بهذا الموقف إلى ميزان يمنع الغلو في تفسيره؛ فلا يصبح كل آخذ للمال متهمًا، ولا
يكون رفض العطايا وحده معيار النزاهة، فبين ورع الإنسان في موقف خاص، والحكم على
جميع الناس، مسافة لا يجوز تجاوزها بلا دليل.
وقد روى عمر بن
الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطيه العطاء، فيطلب أن
يُعطاه من هو أفقر منه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءك من هذا المال
شيء، وأنت غير مشرف ولا سائل، فخذه»(5)، فالتوجيه النبوي هنا لا يجعل
الأخذ مناقضًا للعفة، بل ينهى عن تعلق النفس بما لم يُعطَ لها.
وبذلك يُفهم
موقف طاووس دون أن يُحمّل ما ليس فيه: نثني على تعففه، ولا ندّعي أنه أصدر حكمًا
بتحريم كل عطاء سلطاني، ولا نجعل مجرد القبول دليلًا على فساد العالم، فالمعيار
الذي ينبغي بحثه هو حقيقة المعاملة وأثرها في الأمانة، لا صورة الأخذ والترك
مجردة.
وفي واقع العمل
العلمي، لا يكفي أن يقال إن فلانًا يتقاضى أجرًا أو يتلقى دعمًا لإثبات تبعيته؛
كما لا يكفي أن يعلن آخر رفض المال لإثبات سلامة كل مواقفه، السؤال الأدق: هل يحفظ
أمانة البيان؟ وهل يؤدي ما عليه دون محاباة؟
ومن هنا تصبح
العفة حراسة للواجب، لا خصومة مع المال؛ ويظل رفض طاووس موقفًا مضيئًا في بابه، لا
ذريعة لظلم من سلك طريقًا مشروعًا غيره.
عزة النفس في الاستغناء عن الوجهاء
في الخبر الثاني
تُعرض على طاووس فرصة رفع حاجته إلى سليمان بن عبد الملك، فيجيب بأنه لا حاجة له
إليه، وتنبع قوة العبارة من بساطتها: لم يذكر حاجة مصطنعة لاغتنام فرصة القرب، ولم
يحوّل العرض إلى سلسلة من المطالب.
لكن العبارة لا
تعني استغناء الإنسان عن الناس في كل شأن، ولا ذم كل من رفع حاجة مشروعة إلى مسؤول،
إنها جواب عن حاجة طاووس في هذا المقام، لا حكم شامل على حاجات الخلق، كما أن تعجب
عمر، بحسب الرواية، لا يثبت إنكارًا عليه ولا خصومة بينهما.
ومن الشواهد
القريبة موقف حكيم بن حزام رضي الله عنه؛ فقد امتنع عن الأخذ من أبي بكر وعمر، مع
أن عمر كان يعرض عليه حقه من الفيء ويُشهد الناس على ذلك(6)، فقد اجتمع
عرض الحق من الخليفة، واختيار التعفف من صاحبه؛ ولم يكن الامتناع اتهامًا لكل
عطاء.
وهذا يوضح الفرق
بين القناعة والتعالي؛ القناعة تضبط مطالب صاحبها، أما التعالي فيحتقر حاجات
الآخرين، ومن الوفاء لمعنى الاستعفاف ألا نحمّل المحتاج خجلًا من طلب حقه، وألا
نحوّل اختيار الزاهد لنفسه إلى إلزام للناس.
وفي حياة المرء،
تبدأ هذه التربية بمراجعة ما يطلبه؛ أهو احتياج حقيقي، أم رغبة ولّدها مجرد إمكان
الوصول إلى صاحب النفوذ؟ وقد يكون من عزة النفس ألا تختلق حاجة كلما فُتح باب.
أثر الاستغناء المادي على عدالة المعاملة
تبلغ الأخبار
تمام معناها في شهادة إبراهيم بن ميسرة؛ فليس الأمر امتناعًا عن المال فحسب، وإنما
استواء أصحاب المنازل المختلفة في معاملة طاووس، وهذه الشهادة تصرف النظر من موقفه
أمام الأمير إلى خلقه مع الناس عمومًا.
ويمكن قراءة
الصلة بين المعنيين على هذا الوجه: من لم يجعل رجاء المنفعة حاكمًا على معاملته
كان أقدر على ألا يرفع صاحب الجاه فوق حقه، وألا يحط من قدر من لا يرجو عنده منفعة،
وليس المقصود إلغاء الفروق في العلم والمسؤولية، وإنما منعها من أن تصبح ذريعة
للمحاباة والاحتقار.
ويوافق ذلك قول
طاووس: «المسلمون كلهم إخوة»(7)، فالأخوة العامة لا ينبغي أن تضيق حتى
تصبح امتيازًا يمنحه العالم لمن يملك مالًا أو جاهًا أو قربًا خاصًا.
والأصل الجامع
قوله تعالى: (إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً
فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا) (النساء: 135)، وقد بيّن الطبري أن العدل يمنع الميل إلى الغني لغناه،
كما يمنع الميل إلى الفقير لفقره؛ فالحق لا يتغير بتغير حال صاحبه(8).
وفي مجلس
التعليم، يظهر هذا المعنى حين لا يتقدم سؤال صاحب النفوذ لمجرد نفوذه، ولا يُهمَل
من لا وجاهة له، وهنا يكتمل جمال الاستغناء: ألا ينحني الإنسان للطمع، وألا يستبدل
به كبرياء يجرح الضعفاء، فالعفة التي تحرس الكلمة ينبغي أن تحرس معها عدل
المعاملة.
لا تختصر هذه
الأخبار في صرّة علاها العنكبوت؛ وإنما تُقرأ بوصفها معاني متساندة: رفضٌ لا تصنعه
المباهاة، وصدقٌ لا يبدله الضغط، وقناعةٌ لا تحتقر المحتاج، وعدلٌ لا تشتريه
المنزلة.
والاقتداء بطاووس ليس أن نبحث عن عطية نرفضها لنُعرف بالزهد، بل أن نعرف ما الذي يجوز قبوله دون تفريط في الأمانة، وما الذي ينبغي تركه صيانةً لها، فإذا بقي القول أمينًا، والمطلب منضبطًا، والمعاملة عادلة، فقد اقتربنا من المعنى الذي يجعل الاستغناء فضيلة: أن يصون الإنسان نفسه، من غير أن يظلم غيره.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً