كيف يكتشف القائد طاقات الرجال قبل أن تكشفها الأحداث؟

كيف يقرأ القائد الرجال؟ عمر بن الخطاب ومالك الأشتر النخعي

محمد فوزي أحمد

17 أكتوبر 2026

29

رسم تعبيري يظهر رسمة تاريخية لرجلين (شيخ وقائد محارب)، مع نصوص عربية بعنوان "ميزان التابعين: عمر بن الخطاب ومالك الأشتر النخعي"

كيف يقرأ القائد معادن الرجال؟ 💡 قراءة في الرؤية بين عمر بن الخطاب ومالك الأشتر النخعي ضمن سلسلة "ميزان التابعين".

يذكر الإمام شمس الدِّين الذَّهَبِي في ترجمة مالك بن الحارث الأشتر النخعي أن عمر بن الخطاب «نَظَرَ إِلَى الأَشْتَرِ، فَصَعَّدَ فِيْهِ النَّظَرَ وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ لِلْمُسْلِمِيْنَ مِنْ هَذَا يَوْماً عَصِيْباً»(1).

تبدأ فراسة القيادة في الإسلام من قدرة القائد على فهم الرجال وقراءة خصائصهم قبل أن تكشفهم الأحداث. وتقدم قصة عمر بن الخطاب ومالك الأشتر النخعي نموذجًا لافتًا لهذه القدرة؛ فليست القيادة مجرد اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة، بل تشمل أيضًا ملاحظة السمات المؤثرة، وفهم الطاقات الكامنة، وربط شخصية الإنسان بالمسؤوليات التي قد يحملها مستقبلًا

وليس معنى ذلك أن القائد يمتلك علمًا بالغيب، فالغيب محجوب إلا لله سبحانه؛ قال تعالى: (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) (النمل: 65)، وإنما المقصود أن أصحاب الخبرة بالطبائع والوقائع يمتلكون قدرة على التقاط المؤشرات المبكرة؛ قوة الحضور، وشدة العزم، وطبيعة المزاج، والقدرة على التأثير، ثم يربطون تلك السمات بالسياقات التي قد تتحرك فيها.

والرواية الواردة في كتب التراجم عن هذا الموقف تتطلب التعامل معها بميزان النقد والتحقيق؛ فهي من الأخبار التي تداولها الإخباريون في ترجمة مَالِكٍ الأَشْتَرِ، وليست من النصوص التي تُبنى عليها أحكام شرعية قطعية، فضلاً عن أن بعض طرقها يتكلم فيه أهل الحديث، لكن قيمتها التحليلية تتجلى في تقديم نموذج تراثي يبرز اهتمام القيادة الراشدة بوعي طبائع الرجال وعدم الاكتفاء بالظاهر، ومَالِكٌ الأَشْتَرُ شخصية تاريخية مركبة؛ وصفتها كتب السير بالشجاعة والنفوذ، كما سجلت جوانب أخرى من طبعه، ومن ثم، فإن قراءة هذا الموقف لا تستهدف إصدار حكم نهائي عليه، بل فهم كيفية تعامل القيادة مع أصحاب الطاقات الكبرى، والموازنة بين استثمار القوة والانتباه لمآلاتها.

رؤية النمط الكامن خلف الفعل الظاهر

تختلف نظرة القائد الخبير عن النظرة العابرة؛ فالإنسان العادي يقف عند حدود اللحظة والموقف الظاهر، أما القائد فيسعى إلى فهم «النمط» القابع خلف التصرف.

فقد يرى الناس شخصًا يتحدث بقوة أو يتحرك بثقة كموقف عابر، بينما يقرأ فيه القائد مؤشرًا على شخصية ذات أثر ممتد إذا وُضعت في ظروف معينة؛ فالأحداث لا تصنع الرجال من العدم، بل تكشف خصائصهم الكامنة وتخرجها إلى السطح.

ويتجلى هذا المعنى في الفراسة النبوية حين قرأ النبي صلى الله عليه وسلم طاقات أربعة من رجالات قُرَيْشٍ قبل إسلامهم؛ إذ قال: «إِنَّ بِمَكَّةَ لَأَرْبَعَةَ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ أَرْبَأُ بِهِمْ عَنِ الشِّرْكِ، وَأَرْغَبُ لَهُمْ فِي الإِسْلَامِ؛ عَتَّابُ بنُ أَسِيدٍ، وَجُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو»(2).

وقد أشار القرآن الكريم إلى أهمية الاعتبار بالعلامات والسمات؛ فقال تعالى: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) (الحجر: 75)، وقد بيّن المفسرون أن «المتوسمين» هم الناظرون في العلامات والاعتبارات.

وهذا المعنى لا يعكس معرفة خفية، بل هو ثمرة عمق الملاحظة وحسن الاعتبار.

ومن هنا، يبرز البعد القيادي عند عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ؛ فالقائد لا ينتظر حدوث الأزمة ليبدأ التفكير، بل يستوعب خصائص الشخصيات والبيئات الصانعة للأحداث قبل وقوعها.

وهذا المبدأ هو عماد الإدارة الحديثة؛ فالمؤسسات الناجحة لا تختار قياداتها بناءً على الأداء في الأوقات السهلة فقط، بل تدرس طريقة تفكيرهم، وقدرتهم على تحمل الضغط، وطبيعة علاقتهم بالسلطة، ومدى انسجامهم مع العمل الجماعي؛ لأن الشخصية الصالحة لمرحلة الاستقرار قد لا تلائم بالضرورة مرحلة الأزمات.

بين الفراسة والعدل.. القراءة بلا ظلم

من المفاهيم التي تستدعي الضبط مفهوم «الفراسة»؛ إذ يظن البعض أنها إطلاع على خفايا النفوس، وهو تصور يخالف التوجيه القرآني المنحصر في أن الغيب لله وحده، ولكن الذي يميز القائد عن غيره ما هو تراكم الخبرة، وحسن الملاحظة، وربط الأسباب بالمسببات! فرؤية عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ لشخصية مَالِكٍ الأَشْتَرِ –إن صحت الرواية– تنبع من تجربة قائد خبر الرجال وعرف الطبائع والتحولات السياسية والاجتماعية.

لكن الملاحظة الثاقبة تفرض التزامًا أخلاقيًا؛ فالانطباع الأولي يحتاج إلى اختبار متواصل عبر الأفعال والمواقف، لأن النفس البشرية متغيرة وليست قالباً جامداً، ولهذا قام المنهج الإسلامي على العدل المطلق؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ) (المائدة: 8).

ويظهر هذا الميزان في التعامل النبوي مع حَاطِبِ بنِ أَبِي بَلْتَعَةَ حين أفشى سر الزحف إلى مَكَّةَ؛ فلم يستعجل صلى الله عليه وسلم بحكم ظالم، بل سأله موضحاً: «يَا حَاطِبُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟»، ولما تبينت نيته قال لأصحابه: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ.. لَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا»(3).

إنه الدرس الإداري والأخلاقي الأعمق؛ عدم إهمال الإشارات المبكرة، وعدم تحويلها في الوقت ذاته إلى أحكام جائرة تصادر الطاقات.

الشخصيات القوية.. توجيه واستثمار لا إقصاء

تسلط قصة عُمَرُ وَالأَشْتَرُ الضوء على قضية متجددة؛ كيف تتعامل المجتمعات والمؤسسات مع الشخصيات ذات الحضور القوي؟ فهذه الشخصيات تمتلك مهارة المبادرة، وسرعة القرار، والثقة بالذات، وهي صفات تشكل رصيد بناء عظيم إذا صُرفت في مسارها الصحيح، لكنها قد تصبح مصدر اضطراب إذا انفصلت عن الانضباط المؤسسي والتوجيه.

ولم يكن التعامل مع أصحاب القدرات العالية عبر التاريخ قائمًا على إلغائهم، بل على توظيفهم في المواقع الملائمة وتأطير حركتهم.

ويتجلى ذلك في موقفه صلى الله عليه وسلم مع خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ؛ فعلى الرغم من خطأ خَالِدٍ في سرية بني جذيمة وتبرؤ النبي صلى الله عليه وسلم من فعله بقوله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ»(4)، فإنه لم يعزله أو يقصه، بل استمر في إمرته ووجه طاقته العسكرية.

وفي الواقع المؤسسي اليوم، يقع الخطأ غالبًا بين إفراط وتفريط؛ إما الإعجاب المطلق بالشخصية القوية حتى تخرج عن نطاق المراجعة، أو الخوف منها حتى تُشل طاقتها.

والمنهج الصواب يكمن في إدارتها بوعي استثمار قوتها، ومراجعة قراراتها، وربطها بالمنظومة لا بالأفراد.

تحويل قراءة الرجال إلى صناعة للمستقبل

لا تتوقف قيمة القيادة عند اكتشاف القدرات، بل تمتد إلى بناء البيئة الكفيلة بتوجيه هذه القدرات، ويوضح ذلك توظيف النبي صلى الله عليه وسلم لمهارة المشرك عَبْدِاللهِ بنِ أُرَيْقِطَ في الهجرة؛ حيث اسْتَأْجَرَه رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَبُو بَكْرٍ، هَادِيًا خِرِّيتًا وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ(5)، فاستثمر كفاءته وخبرته لصناعة مستقبل الهجرة.

وهنا تبرز مسؤولية التنشئة والأنظمة المؤسسية ففي البيئة الأسرية مثلاً، قد يُظهر أحد الأبناء حدة أو قدرة عالية على الإقناع؛ والخطأ ينحصر في التعامل معه كأزمة أو تركه بلا توجيه، والأصح هو بناء التوازن عبر غرس المسؤولية وترسيخ قيم النفع، والمفهوم نفسه ينطبق على مجالات التعليم والدعوة والإدارة؛ فالقوة بلا توجيه، والتأثير بلا مسؤولية، والطموح بلا ميزان، كلها موارد للخلل الذاتي والمؤسسي.

رؤية الإنسان خلف الوظيفة

إن اختزال الإنسان في المسمى الوظيفي أو الدرجة العلمية من أعظم معوقات البناء البشري! فالقيادة الراشدة تبحث عن الإنسان الممتد خلف موقع عمله وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدرك خصائص أصحابه ويرتب مهامهم بناءً عليها؛ إذ قال: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وأَشَدُّهَا فِي دِينِ اللهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً عُثْمَانُ، وأَعْلَمُهَا بِالحَلَالِ والحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ»(6)، فليس هذا مجرد ثناء، بل تشخيص دقيق يضع كل طاقة في محلها.

ويتأكد هذا التشخيص الدقيق في تجنيب الأمة الصراعات الداخلية؛ كما ظهر في السياسة النبوية عند وأد الفتنة التي أشعلها عَبْدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ بين المهاجرين والأنصار، حيث أمر صلى الله عليه وسلم بالارتحال الفوري ومتابعة السير حتى الإعياء؛ ليصرف الناس عن العصبية المنتنة بجهد أبدانهم واستيعاب طاقاتهم.

وهذا ما يفسر عناية الخلفاء الراشدين بانتخاب الرجال؛ إذ كانت الدولة في مرحلة التأسيس، والمهام تتطلب مطابقة الخصائص للمسؤوليات فالإدارة الناضجة لا تكتفي بجمع الكفاءات، بل تدرك حدود كل قدرة والبيئة التي تزدهر فيها.

الموازنة بين الكفاءة والقيادة

تغفل كثير من المؤسسات عن البنية الأخلاقية والنفسية الصانعة للإنجاز، فتكتفي بالنتائج الظاهرة غير أن سؤال القيادة الأهم: كيف يتصرف المنجز تحت الضغط أو عند الاختلاف؟

وقد جمع القرآن الكريم بين القدرة والنزاهة في قوله تعالى: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: 26)؛ فالقوة تحقق الإنجاز، والأمانة تضمن سلامة الاتجاه.

ويظهر تطبيق هذا المعنى في تقديم النبي صلى الله عليه وسلم لـ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ في القيادة العسكرية بناءً على كفاءته الأخلاقية والقيادية رغم كونه مولى؛ فقد روت عَائِشَةُ رضي الله عنها: «مَا بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فِي جَيْشٍ قَطُّ إِلَّا أَمَّرَهُ عَلَيْهِمْ»(7)، فقراءة الإنسان أعمق من سيرته الذاتية التي تعرض ماضيه ولا تكفل التنبؤ بسلوكه أمام الاختبارات الجديدة.

بين قوة الفرد ورصانة النظام

تظل المجتمعات والمؤسسات التي تعتمد على الأشخاص أضعف من مواجهة التحولات؛ لأن الفرد مهما عظمت قدراته يظل محاطاً بظروفه وبشريته.

أما المؤسسات الراشدة فهي التي تستفيد من الطاقات الاستثنائية ضمن أطر تنظيمية تحفظ التوازن، فالقوة الفردية تكون مصدر بناء حين تعمل داخل النظام، وتتحول إلى مصدر اضطراب إذا أصبحت مركزاً مستقلاً لا يخضع للمراجعة.

كما أن صيانة الإنسان تقتضي عدم اختزاله في حكم دائم أو تصنيف جامد بناءً على ظنون مرسلة؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (الحجرات: 12)، فالوعي بالطبائع لا يعني سوء الظن، بل يستلزم الفهم الواقعي والتطوير المستمر، وقد تجلى ذلك حين ذكّر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بمكانة حَاطِبِ بنِ أَبِي بَلْتَعَةَ السابقة ولم يختزل تاريخه في خطأ واحد، فقال: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»(8).

إن إدراك هذا البعد يضع أيدي القيادات المعاصرة في التربية والعمل والدعوة على حقيقة ثابتة: إن بناء الرجال يسبق إدارة الأحداث، فالمؤسسات التي تعتني بالتكوين البشري تصبح أكثر ثباتاً عند الأزمات؛ فالإنسان هو الرقم الأهم في أي مشروع حضاري، وفهمه يسبق إدارة أعماله.

تظل قراءة عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ لشخصية مَالِكٍ الأَشْتَرِ درساً ممتداً في قراءة الإنسان قبل الحدث، فالقائد السطحي يرى التصرف المجرد، والقائد الخبير يدرك الدافع والنمط، والأحداث الكبرى لا تنشأ لحظة ظهورها للعلن، بل تنمو عبر سنوات من التشكيل النفسي والتربوي، ومتى أحسن المجتمع صناعة أفراده وتوجيه طاقاتهم، استحالت القوة عمرانًا، والتأثير إصلاحاً، وبات العنصر البشري الحصن الحصين لبناء الأمة واستقرارها.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء، ج4، ص34.
  • 2 تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ج7، ص182.
  • 3 صحيح البخاري (6259).
  • 4 صحيح البخاري (7189).
  • 5 صحيح البخاري (2264).
  • 6 سنن الترمذي (3790).
  • 7 سنن النسائي، ج5، ص52.
  • 8 صحيح البخاري (4274).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة