تكامل القيادة وحفظ المبادرات

لماذا لا ينجح القائد وحده؟ موسى بن نصير وطارق بن زياد

رسم تصويري يجسد القائد موسى بن نصير في تعاونه مع القادة والجنود في الفتح الإسلامي

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، أن موسى بن نصير اسْتَعْمَلَ عَلَى أَقْصَى المَغْرِبِ مَوْلَاهُ طَارِقاً، فَبَادَرَ، وَافْتَتَحَ الأَنْدَلُسَ، وَلَحِقَهُ مُوْسَى، فَتَمَّمَ فَتْحَهَا(1).

هذه العبارة القصيرة تتجاور مسؤولية الاختيار، وشجاعة المبادرة، والحاجة إلى استكمال العمل، لم يسرد الذهبي تفاصيل الحملات، ولكنه أبقى أمام القارئ مشهدًا تتوزع فيه الأدوار: موسى بن نصير يستعمل طارقًا، وطارق يبادر، ثم يلحق موسى ليتمم، ومن هذا التتابع تنفتح أسئلة تتجاوز الميدان العسكري: كيف نختار أصحاب المسؤوليات؟ وكيف نجمع بين الثقة والمتابعة؟ وهل نستطيع أن نشارك في نجاح لم نكن أصحاب خطوته الأولى؟

متى بدأ فتح الأندلس؟

وقعت أحداث فتح الأندلس في أواخر القرن الأول الهجري، في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، بعد اتساع نفوذ المسلمين في بلاد المغرب؛ وكان موسى بن نصير يتولى إفريقية والمغرب، وقد أسند إلى طارق بن زياد ولاية طنجة، التي أصبحت منطلقًا للاستعداد للعبور إلى الضفة الأوروبية، وسبق الحملةَ الكبرى تمهيدٌ عسكري، تمثل في إرسال طريف بن مالك في سرية استطلاعية سنة 91هـ/ 710م، ثم عبر طارق المضيق في رجب سنة 92هـ/ 711م، ونزل عند الجبل الذي عُرف باسمه، على رأس جيش كان أكثره من البربر المسلمين، وأمده موسى بن نصير بقوة إضافية حين علم باستعداد لذريق، ملك القوط، لمواجهته.

شروط اختيار القادة بين الكفاءة والأمانة الشرعية

تلفت عبارة «مَوْلَاهُ طَارِقاً» إلى أن صلة الولاء لم تمنع إسناد الولاية إلى طارق، وهذه دلالة معتبرة في حدودها، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات جميع تفاصيل أصله أو تصوير المجتمع يومئذ كتلة واحدة ترفض قيادة الموالي.

أما المعيار الشرعي للاختيار، فيوجزه ابن تيمية بقوله: «وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب»(2)، ثم يربط الولاية بالقوة والأمانة، مستشهدًا بقوله تعالى: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: 26).

فالصلاح للمهمة ليس لقبًا اجتماعيًا، ولا مجرد قرب من المسؤول؛ بل قدرة تناسب العمل وأمانة تصون مقصده، وفي المدرسة والمؤسسة الدعوية والعمل المهني، يمكن تنزيل هذا المعنى بإعلان معايير الاختيار، واختبار القدرة، وإتاحة الفرصة للمؤهل ولو كان أحدث سنًا أو أقل شهرة، ومن الإنصاف ألا نجعل السيرة الذاتية الموروثة بديلًا عن الكفاءة المشاهدة، ولا أن نخلط بين الثقة الشخصية والأهلية العملية.

ضوابط المبادرة القيادية بين الشجاعة وتقدير العواقب

المبادر في عبارة الذهبي هو طارق؛ وهذه ملاحظة تحفظ لكل قائد فعله، لكن النص المختصر لا يبين صيغة الإذن بالعبور ولا حدود الصلاحيات، ولذلك لا يجوز تحويل «فَبَادَرَ» إلى مسوغ عام لتجاوز المسؤوليات، الذي يمكن استلهامه هو قيمة الانتقال من امتلاك القدرة إلى توظيفها في عمل نافع، فعَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، ‌وَاسْتَعِنْ ‌بِاللهِ ‌وَلَا ‌تَعْجِزْ»(3)، ومعناه احرص على ‌طاعة ‌الله ‌تعالى ‌والرغبة ‌فيما ‌عنده واطلب الإعانة من الله تعالى على ذلك ولا تعجز ولا تكسل عن طلب الطاعة ولا عن طلب الإعانة(4).

يجتمع في هذا التوجيه تحديد النافع، وبذل الجهد، والاستعانة بالله؛ فلا يصبح التوكل انتظارًا، ولا تصبح المبادرة افتتانًا بالحركة، وفي واقع العمل، يُترجم ذلك إلى هدف واضح، وصلاحية معلومة، وتقدير للعواقب، والمربي الذي يريد طالبًا مبادرًا لا يكفيه أن يأمره بالشجاعة؛ بل يحتاج إلى أن يمنحه مهمة مناسبة، ويتيح له السؤال والمراجعة، ثم يقوّم اجتهاده بإنصاف.

الفرق بين تفويض السلطة والتخلي عن المسؤولية.. موسى بن نصير أنموذجاً

بعد الاستعمال والمبادرة يأتي قوله: «وَلَحِقَهُ مُوْسَى»، ويمكن أن نقرأ في هذا الانتقال مناسبة للتأمل في الفرق بين تفويض العمل والتخلي عنه؛ فإسناد المهمة إلى غيرك لا يجعل نتائجها خارج مسؤوليتك، فقد عدّ الماوردي من واجبات الإمام: أَنْ يُبَاشِرَ بِنَفْسِهِ ‌مُشَارَفَةَ ‌الْأُمُورِ، ‌وَتَصَفُّحَ ‌الْأَحْوَالِ؛ لِيَنْهَضَ بِسِيَاسَةِ الْأُمَّةِ وَحِرَاسَةِ الْمِلَّةِ، وَلَا يُعَوِّلُ عَلَى التَّفْوِيضِ تَشَاغُلًا بِلَذَّةٍ أَوْ عِبَادَةٍ، فَقَدْ يَخُونُ الْأَمِينُ وَيَغُشُّ النَّاصِحُ.

وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا ‌جَعَلْنَاكَ ‌خَلِيفَةً ‌فِي ‌الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (ص: 26)، فَلَمْ يَقْتَصِرْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى التَّفْوِيضِ دُونَ الْمُبَاشَرَةِ وَلَا عَذَرَهُ فِي الِاتِّبَاعِ حَتَّى وَصَفَهُ بِالضَّلَالِ(5).

وأصل المسؤولية أوسع من الولاية العامة؛ ففي الحديث: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»(6)، ومع اختلاف طبيعة الإمامة عن إدارة مدرسة أو مؤسسة، يبقى معنى الرعاية صالحًا للاعتبار: متابعة تكشف التعثر وتقدم العون، لا مراقبة تصادر كل قرار، فمدير المدرسة يستطيع زيارة الفصول ومناقشة الصعوبات دون إلغاء شخصية المعلم، والأب يستطيع متابعة خطة ابنه دون إنجازها بدلًا منه، وليس المطلوب أن يمسك القائد بكل خيط، وإنما أن يعرف مواضع الحاجة إلى تدخله.

أخلاق نسبة الفضل لأهله في العمل المؤسسي

يفتح الانتقال من المبادرة إلى التتميم سؤالًا تربويًا: هل نرغب في اكتمال الخير، أم في احتكار نسبته إلينا؟ وهذا سؤال نوجهه إلى أنفسنا، لا حكمًا نستخرجه على باطن موسى بن نصير أو طارق بن زياد، قال ابن كثير: وقد كان الشافعي رحمه الله مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِمَعَانِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَأَشَدِّ الناس نزعاً لِلدَّلَائِلِ مِنْهُمَا، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ قَصْدًا وَإِخْلَاصًا، كَانَ يَقُولُ: وَدِدْتُ أَنَّ ‌النَّاسَ ‌تَعَلَّمُوا ‌هذا ‌العلم ولا ينسب إلى شيء منه أبدا فأوجر عَلَيْهِ وَلَا يَحْمَدُونِي(7)، وفيه تقديم لانتفاع الناس على حظ النفس من الذكر.

ويؤصل هذا المعنى ما جاء في الحديث عَنْ ‌أَنَسٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»(8).

وليس المقصود إلغاء الفرح بالإنجاز، ولا مطالبة العامل بالتنازل عن حقوقه؛ بل ألا يصبح نجاح زميله سببًا لتعطيل العمل أو تشويه صاحبه، وفي المؤسسة يظهر هذا الخلق حين ينسب المسؤول الفكرة إلى صاحبها، ويعلن فضل فريقه، ويقبل أن يقود بعض المراحل من هو أقدر منه عليها، فالتواضع اختيار يزكي النفس، وليس ذريعة يمحو بها الآخرون جهد أصحابها.

كيف يحافظ التكامل الجماعي على ثمرات المبادرات؟

لم يكتف النص بذكر الافتتاح، بل أتبعه بالتتميم، ومن هنا تنشأ قيمة عملية: أن نرى العمل النافع سلسلة مسؤوليات، لا مناسبة يتنافس الجميع على افتتاحها ثم يتركون استمرارها، قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: 2)، وفسر القرطبي الأمر بقوله: وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى(9)، فالاجتماع وحده ليس فضيلة ما لم يكن على خير، والتتميم لا يعني الإصرار على الخطأ أو المحافظة على كل ما ورثناه، وإنما يعني حفظ الصالح، وإصلاح الناقص، واستثمار الجهد السابق.

وفي مشروع تعليمي مثلًا، قد يبدأ أحدهم الفكرة، ويضع آخر مادتها، ويتولى ثالث تدريب المعلمين عليها، وليس المتأخر زمنًا أقل قيمة بالضرورة؛ فقد تكون حاجتنا إلى من يحفظ استمرار العمل أشد من حاجتنا إلى افتتاح مشروع جديد.

لماذا لا يكفي اتساع النفوذ لتقويم الإنجاز؟

لا ينبغي أن تقف القراءة التربوية لخبر الفتح عند اتساع الأرض؛ فالسؤال الشرعي يتناول أيضًا ما يصنعه صاحب القدرة بها، وهذه قاعدة لتقويم الأفعال، لا شهادة تفصيلية بأن جميع تصرفات الفاتحين حققت المثال الكامل، قال تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء: 58)، وقال ابن القيم: إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ‌ومصالح ‌كلها، ‌وحكمة ‌كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى البعث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها(10).

ومن هذا المنظور، ينبغي أن يصحب الحديث عن القوة حديثٌ عن الأمانة، وعن المنجز حديثٌ عن حقوق الناس، وفي واقع المؤسسات، لا يكفي التوسع في الفروع أو كثرة المتابعين للحكم على جودة العمل؛ بل يُسأل عن عدالة المعاملة، وصدق الخطاب، وحفظ الحقوق، ونفع المستفيدين، وبهذا يصبح التتميم أعمق من زيادة الحجم: إنه استكمال المعنى الذي يستحق العمل أن يبقى من أجله.

دلالة أفعال النص التاريخي وتوزيع المسؤوليات القيادية

تقوم العبارة على خمسة أفعال: الاستعمال، والمبادرة، والافتتاح، واللحوق، والتتميم، ويمكن أن نلحظ في تتابعها حركة سردية تنقلنا من تعيين المسؤول إلى إنجاز العمل ثم استكماله، مع بقاء دور كل فاعل ظاهرًا.

غير أن الدقة تقتضي ألا نصف حروف العطف كلها بأنها فاءات؛ ففي النص فاء في «فَبَادَرَ» و«فَتَمَّمَ»، وواو في «وَافْتَتَحَ» و«وَلَحِقَهُ»، يقول ابن هشام: «والفاء للترتيب والتعقيب»، ويقيد ذلك بقوله: «وتعقيب كل شيء بحسبه»(11).

فلا تُستخرج من سرعة العبارة مدة زمنية دقيقة للحملات، ولا تعوض بلاغة الإيجاز عن تفاصيل التاريخ، وهنا يلتقي البيان بالأمانة: يستطيع الكاتب أن يمنح قارئه صورة حية دون أن يملأ فراغاتها بالتخمين، وفي خطابنا المعاصر، لعل من أجمل الوفاء لأصحاب الأعمال أن نسمي مساهماتهم بوضوح، فلا نختزل نجاح الجماعة في اسم واحد، ولا نسوي بين أدوار متباينة.

وهكذا يضعنا خبر موسى بن نصير وطارق بن زياد أمام معنى يتجدد في كل عمل نافع: قد تكون مسؤوليتك أن تختار، أو تبادر، أو تتابع، أو تستكمل، وليس من شرط الأثر الكبير أن تبدأ كل شيء بنفسك، بل أن تعرف ما يحتاجه العمل منك، وأن تؤديه بأمانة، وبين تعظيم الأشخاص وتجريدهم من فضلهم، تتسع مساحة الإنصاف: نثبت ما ورد، ونتوقف فيما لم يتبين، ونتعلم كيف يصبح نجاح غيرنا مدخلًا لمزيد من الخير، لا سببًا لإفساده.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (4/ 497).
  • 2 السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ص 16.
  • 3 صحيح مسلم (2664).
  • 4 شرح النووي على مسلم (16/ 215).
  • 5 الأحكام السلطانية: الماوردي، ص 40.
  • 6 متفق عليه، أخرجه البخاري (893)، ومسلم (1829).
  • 7 البداية والنهاية (10/ 276).
  • 8 متفق عليه، أخرجه البخاري (13)، ومسلم (45).
  • 9 تفسير القرطبي (6/ 46).
  • 10 إعلام الموقعين عن رب العالمين (3/ 11).
  • 11 شرح قطر الندى وبل الصدى، ص 302.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة