كيف حدَّثنا القرآن عن فضائح «إبستين»؟

ليست كل الفضيحة حكاية تُروى، ولا كل الانحراف واقعة تُسجَّل، فبعض الفضائح أعمق من الأسماء، وأقدم من الوثائق، وأخطر من أن تُحصر في زمن أو مكان.

القرآن، على غير عادة كتب الأخبار، لم يكن معنيًا بتوثيق الوقائع فيما يتعلق بالقوانين الإنسانية العامة، بل عني أكثر بتشريح النفس التي تُنتجها.

ولهذا لم يحتج إلى أن يذكر أسماء، ولا أن يسرد تفاصيل، لكنه كان يضع القوانين التي تستطيع من خلالها رؤية وقائع كثيرة، حدثت، أو لم تحدث بعد.

وفيما يخص ما يثار الآن حول فضائح جيفري إبستين، قال جملة واحدة، كأنها نبوءة لها ولكل ما شابهها تاريخياً حتى التي لم نرها بعد، قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى {6} أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) (العلق).

ليست آية عن المال فقط، ولا عن الغنى وحده، بل عن لحظة نفسية خطيرة؛ لحظة أن يرى الإنسان نفسه مستغنيًا، مستغنيًا عن الله، عن القانون، عن المجتمع، عن الحساب.

فالطغيان لا يبدأ بالرغبة، بل بسقوط الحدّ، النفس البشرية، في أصلها كائن محدود، تحكمه فطرة، يوقفه الشبع، يكبحه الحياء، يحدّه الخوف.

لكن ماذا يحدث حين تسقط فكرة الحدّ، حين لا يعود هناك رادع، ولا مراقبة، ولا محاسبة؟

هنا لا تتحرّك الشهوة وحدها، بل يتحرّك شيء أعمق، نزوع إلى الطغيان، رغبة محمومة في الخروج عن المألوف، محاولات مستميتة للبحث عن شيء مختلف، متعة لم تجرب، ولو لم تكن متعة، فالاستمتاع ليس مقصوداً، بل المقصود هو الشعور بتجاوز ما لا يمكن تجاوزه!

القرآن لم يقل: إن الإنسان يطغى إذا اشتهى، ولا إذا أحب، ولا إذا ضعف.. أبداً، بل قال: (أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى)؛ أي حين توهّم الاكتفاء المطلق، وحين شعر أن يده مطلقة، وأن لا أحد يسأله: لماذا؟ وكيف؟ وإلى متى؟

من اللذة إلى القهر

التحوّل الأخطر في النفس البشرية لا يكون من الفضيلة إلى الرذيلة، بل من اللذة إلى لذة القهر.. في البداية، يطلب الإنسان الإشباع، ثم يملّ الإشباع، ثم يبحث عن شيء آخر؛ إثبات القدرة، وهذا لا يعني أن يفعل، بل أن يفعل ما لا يجوز.

ليس أن يشبع، بل أن يكسر منطق الشبع نفسه، وهنا يولد التوحّش، ليس بوصفه انحرافًا عارضًا، بل بوصفه تحررًا زائفًا من كل قيد.

السادية.. فلسفة لا شذوذ

السادية، في جوهرها، ليست شهوة ألم، ولا اضطرابًا جنسيًا كما يُختزل الحديث عنها.

إنها فكرة فلسفية مظلمة: فكرة أن الإنسان، حين يمتلك السلطة والمال والحصانة، يريد أن يجرّب حدود قدرته القصوى.

أن يرى إلى أي مدى يمكنه أن ينتهك؟ وما الذي يمكن كسره دون أن يُكسر هو؟ ولذلك كانت فكرة «العزلة» حاضرة دائمًا، الجزيرة المنعزلة، الغرفة المغلقة، المجتمع المصغّر بلا قانون.

حين تُغلق الدائرة على السلطة، ويغيب الشاهد، ويُرفع السقف، يتحوّل الإنسان إلى إله صغير، لكن فاسد.

لماذا البراءة دائمًا في مرمى الطغيان؟

في كل لحظات التوحّش الكبرى، يظهر نمط متكرّر؛ انتهاك البراءة، ليس لأن البراءة مغرية، بل لأنها الحدّ الأخير.

الطفل، في الوعي الإنساني، ليس مجرد جسد ضعيف، بل فكرة مفادها أن هناك ما لا يُمس، ما لا يُقهر، ما لا يُستباح.

وحين تُنتهك البراءة، لا يكون الهدف اللذة، بل إسقاط هذه الفكرة نفسها، أن يثبت الطاغية، لنفسه أولًا، أنه لا يوجد شيء محصّن من جبروته.

قهر الفطرة.. المرحلة الأخيرة

في أقصى درجات التوحّش، لا يعود الصراع مع المجتمع، ولا مع الأخلاق، بل مع الطبيعة نفسها.

أن يأكل الإنسان بلا جوع، أن يتخلّص من الطعام ليعود للأكل، أن يتجاوز منطق الجسد، لا ليعيش، بل ليختبر شعور السيطرة المطلقة.

هنا لا يعود الإنسان عبد شهوة، بل عبد وهْم؛ وهْم أنه تحرّر من كل قانون، حتى قوانين جسده، وهذا هو الاستغناء الكامل الذي حذّر منه القرآن.

لماذا لم يحتج القرآن إلى فضائح؟

لأن القرآن لا يعالج العرض، بل الجذر، لا يهتم بالواقعة، بل بالبنية النفسية التي ستنتجها مرة بعد مرة.

ولهذا ستجد أن ما نراه اليوم قد رآه القرآن منذ قرون، لا بوصفه حادثة، بل بوصفه قانونًا إنسانيًا.

كلما اجتمع مال بلا ضابط، وسلطة بلا مساءلة، ونفس بلا تزكية، فانتظر الطغيان؛ ليس لأن الزمن فسد، بل لأن الإنسان هو الإنسان.

القرآن كمنظومة منع.. لا فضح

الإعجاز الحقيقي ليس أن القرآن تنبأ بوقائع، بل أنه وضع منظومة تمنع حدوثها؛ فالصلاة كسر لوهم الاستغناء، والزكاة كسر لاحتكار المال، والحياء حارس داخلي لا تناله القوانين، والحدود تذكير بأن هناك خطوطًا لا تُتجاوز.

كلها ليست أوامر معزولة، بل شبكة أمان نفسية وأخلاقية، تمنع الإنسان من أن يصل إلى تلك اللحظة؛ لحظة أن يرى نفسه فوق الحساب.

إننا هنا نؤكد أن أخطر لحظة في التاريخ ليست لحظة سقوط القناع، بل لحظة اقتناع الإنسان أنه لم يعد بحاجة إلى قناع أصلًا، وحينها، لا نكون أمام فضيحة عابرة، بل أمام نفس بشرية صدّقَت الوهم القديم أنها حين امتلكت استغنت.

والقرآن، كان أول من قال لنا: احذروا هذه اللحظة.



اقرأ أيضاً:

قراءة الغزالي في فضيحة «إبستاين»

ماذا لو كان «إبستين» مسلماً؟! في فضح ازدواجية المعايير

لا تنخدعوا.. ملايين من ملفات جيفري إبستين ما زالت غير منشورة!

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة