كيف نعالج الخوف الجماعي؟

يعتبر الاهتمام بالأسر واستقرارها المعيشي، حسّاً ومعنى، من أبرز الاهتمامات في الدول والمجتمعات، كون ذلك رمزاً للاستقرار، وقدرة على الصمود أمام التحديات خلال الحروب والأزمات.

«المجتمع» تواصلت مع عدد من خبراء المجتمع والسلوك، في محاولة لصياغة روشتة مجتمعية، تعالج الخوف الجماعي خلال أوقات الأزمات.

الشخصية المتزنة صمام أمان للأسرة

الإعلامي الأردني والباحث في السلوك الاجتماعي عبدالقدوس القضاة أكد، في حديثه لـ«المجتمع»، أن القاعدة العامة لدى المسلم، أن الله هو من يصرف البلاء، ولو رجع أي منا إلى مواقف من حياته سيلمس ويتحدث عن الكثير من مواقف اللطف الرباني به في ظروف مختلفة.

وبيّن القضاة أن تعزيز الثقة بالله وإشاعة هذه الثقافة واجب الفرد الواعي، وعلامة فارقة بين صاحب الشخصية المؤثرة في محيطها وغيره.

وتابع قائلاً: هذا الموقف الواعي الذي يأبى المبالغات السمجة، ويتعالى عن تناقل الإشاعات، ويتنزه عن أن يكون ناقلاً لعدوى الهلع غير المبرر، هو الذي يوصف في العلوم النفسية بالمتزن، وصاحب النفسية المستقرة، وهذا ما يعبر عنه بالشجاعة الفاعلة، لا سيما أن نقل الخوف الجماعي هدف من أهداف مختلف الجهات المتصارعة، والوعي الحقيقي يتجلى بنشر رد فعل مضادة ومخيبة لهذه المساعي الذميمة.

وتابع: من المعروف أن المشاعر السلبية مثل الهلع تنتشر في الجماعات على شكل عدوى سريعة، لا سيما في مواقف النوازل مثل الحروب؛ ولذلك نجد القرآن الكريم يحفزنا بدلاً أن تفترسنا مشاعر ناتجة عن تخويف وتهويل مبالغ فيه في معظم الأحيان أن نكون نحن الأفراد الآخذين بزمام المبادرة.

وطالب أن نكون سداً منيعاً أمام الاختراق الاجتماعي الذي تحققه الإشاعات بما لا تحققه المعارك، ومن ذلك:

1- ظن الخير بالله وأنه الذي يكشف السوء.

2- ذم الذين إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به؛ صاروا يخدمون أصحاب الشائعات بنشرها.

3- يرد الأمر لأهل الاختصاص والذين يستنبطون الرأي المحكم، وفي الظرف العسكري هم أصحاب الدراية العسكرية والسياسية.

4- المعلوم في مثل هذه الظروف التي تمر بها بعض بلادنا أن حجم ما يشاع ويذاع أضعاف الحقيقة.

اتزان القائد مصدر الطمأنينة للمجتمع

بينما أكد الباحث العراقي والاختصاصي في طب المجتمع عمر الأيوبي، أن الخوف يعد في وقت الأزمات والحروبِ استجابة طبيعية وفطرية لدى الإنسان تساعده على الاستعداد للتعامل مع المواقف الصعبة واتخاذ القرارات السريعة لحماية النفس والآخرين.

لكنه حذر من أن الخوف يمكن أن يصبح مشكلة نفسية إذا ما ازداد بشكل مفرط أو استمر لفترة طويلة، فقد يؤدّي إلى انتشارِ الذعر الجماعي، الذي يصعب السيطرة عليه فيصبح عبئاً مضافاً على عبء الأزمة أو الظروف الصعبة.

ويحسن بمسؤولي إدارة الأزمات اتخاذ مجموعة من التدابير الكفيلة بالإحاطة بهذه المشاعر وتوجيهها بالاتجاه النافع وذلك من خلال التدابير التالية:

1- المصداقية: المجتمع الذي يواجه أزمة معينة يحتاج أولاً لمعرفة الحقيقة من خلال قنوات إعلامية ذات مصداقية تكتسب ثقة المستمع وتمتلك أدوات توجيهه.

2- اتزان القائد: كلما ظهر مسؤول إدارة الأزمة بمظهر القائد الواثق من نفسه والمتّزن في قراراته؛ انعكس ذلك على هدوء أفراد المجتمع وتحجيم الأخطار في نفوسهم.

3- توزيع الأدوار: يحسن بمسؤول إدارة الأزمة أن يمنح أفراد المجتمع أدواراً -وإن كانت بسيطة- لإشراكهم في جهود مواجهة الأزمة، فإن هذه الأدوار تساهم في تخفيف مشاعر الخوف وتوجيهها بالاتجاه النافع.

4- الفئات الضعيفة: ينبغي لمن يتصدّى لإدارة الأزمات أن لا يغفل عن الفئات الضعيفة في المجتمع، التي يمكن أن يسبب لها الخوف المفرط أثراً صحياً ونفسياً خطيراً، كالأطفال مثلاً، إذ ينبغي مراعاة عدم اطلاعهم على التحذيرات أو التوجيهات أو الأخبار التي يمكن أن تنعكس بصورة مؤثرة ومؤذية.

وفي ختام حديثه لـ«المجتمع»، نبه الأيوبي إلى أن إدارة المشاعر العامة تتطلب تكاملاً بين التواصل الفعال والقيادة المسؤولة والدعم النفسي والاجتماعي.

الاستقرار النفسي يكون بين الوعي والتوكل

ويقدم د. إبراهيم عبدالمحسن حجاج، أستاذ تنمية المجتمع والدراسات البيئية بجامعة الأزهر، حزمة من النصائح في مثل هذه الحالات، ومن أهمها:

أولًا: اضبط جرعة الأخبار، فالمتابعة المستمرة تُضخّم القلق.

ثانيًا: فرّق بين ما تملكه وما لا تملكه، فهناك أحداث خارج سيطرتك، فسلّمها لله، وركّز على ما تستطيع فعله؛ رعاية نفسك، ودعم أسرتك، والقيام بواجبك اليومي.

ويوضح لـ«المجتمع» أنه في ظل ما تشهده المنطقة من توترات وأحداث متسارعة، يعيش كثير من الناس حالة من القلق والترقّب، وهو شعور إنساني مفهوم في أوقات الغموض، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في الحدث ذاته، بقدر ما يكمن في كيفية تعاملنا معه نفسيًا واجتماعيًا.

وتابع قائلاً: المجتمع بطبيعته يتأثر بسرعة بتدفّق الأخبار، ومع انتشار وسائل التواصل، تتضاعف مشاعر الخوف نتيجة التكرار والمبالغة أحيانًا، وهنا تظهر الحاجة إلى وعي جماعي يُعيد التوازن، فلا نُسرف في التهويل ولا نغفل عن الواقع.

كما أن للبيئة الاجتماعية دورًا مهمًا في احتواء القلق؛ فالحوار داخل الأسرة، وتبادل الطمأنينة بين الأصدقاء، يُسهمان في تخفيف حدة التوتر، فالكلمة الطيبة، والمساندة النفسية، تصنع فارقًا كبيرًا في مثل هذه الأوقات.

وأشار حجاج إلى أن الانشغال بالحياة اليومية والعمل والإنتاج يعد وسيلة فعّالة لاستعادة الإحساس بالسيطرة، بدل الاستسلام لمشاعر العجز، فالحياة لا تتوقف، بل تحتاج منا أن نُحسن إدارتها حتى في أصعب الظروف.

واختتم حديثه بالقول: الطمأنينة لا تعني إنكار الواقع، بل تعني التوازن في النظر إليه، فعلينا أن نُدرك أن ما يجري خارج إرادتنا لا ينبغي أن يسلبنا سلامنا الداخلي، وأنه بين الوعي والتوكل، وبين الأخذ بالأسباب والثقة بالله، يستطيع الإنسان أن يحافظ على استقراره النفسي، وأن يظل عنصرًا إيجابيًا في مجتمعه، مهما اشتدت الأحداث.



اقرأ أيضاً:

التربية في زمن القلق.. تحديات وحلول

وسائل التواصل الاجتماعي.. وصناعة القلق الجمعي!

كيف نبني ملاجئ نفسية لأطفالنا وسط شظايا القلق الإقليمي؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة