كيف نواجه الفتوى بغير علم؟ محمد بن سيرين يرفض التكلف

عبدالله السيد

28 أكتوبر 2026

26

كتاب تراثي مفتوح بجوار دفتر ملاحظات وقلم

روى الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، في ترجمة محمد بن سيرين(1) عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: «إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: من يعلم ما نسخ من القرآن»، وذكر عمر، أو أميرًا لا يجد بدًّا، أو أحمق متكلفًا، ثم قال ابن سيرين: «ولست بواحد من هذين، ولا أحب أن أكون الثالث»(2).

ليست هذه الكلمات مجرد تعبير عن تواضع عالم من علماء التابعين، وإنما تكشف عن تصور كامل للعلم والفتوى والمسؤولية، فمحمد بن سيرين، الإمام البصري لم يكن مجهول القدر حتى يحمل كلامه على ضعف الثقة بالنفس، بل كان من وجوه العلم في عصره؛ ولذلك تكتسب عبارته دلالة أعمق: كلما اتسعت معرفة العالم، ازداد إدراكه للمسافة بين أن يعرف مسألة، وبين أن يتصدر للناس في دينهم.

الفرق بين أمانة البلاغ وحب الظهور

الفتوى في التصور الإسلامي ليست مجرد مشاركة في النقاش، ولا رأيًا شخصيًا يملكه صاحبه ثم يعرضه على الجمهور، وإنما إخبار عن حكم الشرع بحسب ما بلغه المفتي من العلم والاجتهاد، ولهذا كان الكلام في الحلال والحرام محاطًا بسياج شديد من التثبت.

يقول الله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) (النحل: 116)، ويقول سبحانه: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء: 36)؛ هاتان الآيتان تنقلان القضية من دائرة المهارة الذهنية إلى دائرة الأمانة الدينية، فالمشكلة ليست فقط أن يخطئ الإنسان في معلومة، بل أن يتكلم في أمر الله بما لا يعلم، ومن هنا نفهم لماذا لم يكن خوف محمد بن سيرين من السؤال نفسه، وإنما من أن يدفعه السؤال إلى تجاوز مقدار علمه.

فالإنسان قد يجيب أحيانًا لأنه يعلم، وقد يجيب لأنه لا يحتمل أن يراه الناس عاجزًا عن الجواب، والفارق بين الدافعين دقيق لكنه حاسم، الأول خدمة للعلم، والثاني قد يتحول إلى خدمة خفية للذات؛ ولهذا كان الصمت في موضع الجهل عند العلماء لونًا من العلم نفسه، لأنه يدل على معرفة حدود المعرفة.

لماذا يعد ادعاء المعرفة أشد من الجهل؟

اختار حذيفة رضي الله عنه تعبيرًا شديدًا: «أحمق متكلف»، ولم يقل فقط: جاهل؛ فالجاهل قد يعرف أنه لا يعلم فيسأل أو يسكت، أما المتكلف فإنه يدخل فيما لم يحسنه، ويحاول صناعة صورة معرفية أكبر من معرفته الحقيقية، ومن هنا تلتقي في الكلمة آفتان: قصور العلم، وعدم إدراك هذا القصور.

وهذه من أخطر الصور النفسية في ميدان المعرفة؛ لأن الإنسان إذا عرف نقصه أمكنه أن يتعلم، أما إذا جهل ثم توهم أنه يعلم فقد أغلق على نفسه باب التصحيح.

هنا تظهر قوة محمد بن سيرين النفسية، فهو لا يواجه نقصًا في المكانة يريد تعويضه، بل يواجه مكانة قائمة بالفعل ويمنعها من أن تدفعه إلى ما وراء علمه.

وفي زمن المنصات الرقمية تزداد قيمة هذا المعنى، فالمتكلم اليوم لا يواجه مجلسًا محدودًا، بل يستطيع أن يلقي حكمًا أو فتوى في دقائق إلى آلاف أو ملايين المتابعين، وإذا كانت زلة المفتي قديمًا تنتقل بين مجلسين، فإنها اليوم قد تتحول إلى مقطع متداول لا يعرف أحد أين ينتهي أثره؛ ولهذا أصبحت فضيلة «لا أعلم» أكثر حاجة، لا أقل.

شروط الفتوى عند الصحابة وأدوات فهم النص

لا ينبغي قراءة العبارة قراءة سطحية توحي بأن معرفة باب واحد من علوم القرآن تكفي وحدها لصناعة المفتي؛ فالمقصود إبراز رسوخ العالم وإحاطته بمراتب النصوص وأحكامها ودلالاتها.

وقد كان استعمال السلف لمصطلح «الناسخ والمنسوخ» أوسع أحيانًا من الاصطلاح الأصولي الذي استقر بعد ذلك؛ فقد يدخل في كلامهم بعض صور التخصيص والتقييد والبيان ورفع ظاهر دلالة بنص آخر، وهو ما نبه إليه عدد من علماء الأصول عند تفسير استعمالات المتقدمين.

ومن هنا جاء ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فحين سئل حذيفة: ومن يعلم ذلك؟ قال: «عمر»، وهذا يعيد تعريف الكفاءة العلمية: ليست كثرة محفوظات متناثرة، وإنما امتلاك آلة منهجية تمنع صاحبها من وضع النص في غير موضعه، أو أخذ حكم مبتور عن سياقه، أو بناء نتيجة كبيرة على معرفة صغيرة.

وما أحوج الخطاب المعاصر إلى هذا الميزان، في زمن يسهل فيه الوصول إلى النص ويصعب أحيانًا امتلاك أدوات فهمه، فمحرك البحث يستطيع أن يستخرج آية أو حديثًا في ثوانٍ، لكنه لا يمنح صاحبه تلقائيًا فقه الجمع بين الأدلة ولا معرفة درجاتها ولا طرائق العلماء في تنزيلها.

حين يصبح اتخاذ القرار واجباً لا امتيازًا

الصنف الثاني في كلام حذيفة هو «أمير لا يجد بدًا»؛ وهذه العبارة تحتاج إلى قراءة منضبطة؛ فلا يصح تحويلها إلى قاعدة تمنح صاحب السلطة حق الفتوى بلا علم، كما لا يلزم من الأثر أن كل من لم يكن عالمًا في رتبة عمر أو أميرًا صار داخلًا حتمًا في الصنف الثالث.

لكن الإشارة إلى الأمير تكشف معنى مهمًا؛ هناك فرق بين من يقتحم المسؤولية اختيارًا طلبًا للظهور، وبين من وُضعت عليه مسؤولية عامة لا يستطيع ترك الناس معها بلا فصل ولا تدبير.

فالسلطة بطبيعتها تواجه نوازل لا يمكن تعليقها إلى الأبد، والقاضي لا يستطيع أن يغلق مجلس القضاء كلما تشعبت الخصومة، وصاحب المسؤولية الإدارية لا يملك دائمًا رفاهية الامتناع عن القرار؛ وهنا يظهر أحد الفروق المهمة في القيادة: القرار ليس امتيازًا، بل عبء.

وكلما ارتفعت مسؤولية الإنسان، زادت حاجته إلى أهل الخبرة وأصحاب الاختصاص، لأن اضطراره إلى اتخاذ القرار لا يعني استغناءه عن العلم، بل يعني أن طلب العلم والاستشارة يصبحان في حقه أشد ضرورة.

وهذا المعنى يتجاوز المجال السياسي إلى المؤسسة والأسرة والعمل، فالأب ومدير المؤسسة والمعلم والطبيب وكل صاحب مسؤولية قد يضطر إلى الحسم، لكن القيادة الرشيدة لا تعني ادعاء المعرفة بكل شيء؛ بل معرفة متى يحسم، ومتى يستشير، ومتى يحيل المسألة إلى من هو أعلم بها.

منهج محمد بن سيرين في إدراك حدود الكفاءة

في عبارة محمد بن سيرين توازن بالغ الدقة؛ لم يقل: أنا جاهل، ولم يقل: أنا لا أصلح لشيء، ولم ينتقص من علمه ولا من مكانته، إنما حدد موقعه أمام مسؤولية معينة.

وهذا فرق كبير بين التواضع الحقيقي واحتقار الذات، فالتواضع العلمي لا يعني أن ينكر الإنسان ما يحسن، وإنما يعني ألا يدعي ما لا يحسن؛ إنها معرفة دقيقة بحدود الكفاءة.

ومن هنا كانت عبارته: «ولست بواحد من هذين، ولا أحب أن أكون الثالث»؛ جملة قصيرة، لكنها ترسم آلية كاملة لاتخاذ القرار: عرّف المراتب، ثم حدد موقعك منها، ثم ارفض الدور الذي لا تملك شروطه.

وكثير من أخطاء الناس في العمل والتعليم والدعوة تبدأ حين تنعكس هذه العملية: يختار الإنسان أولًا الدور الذي يرغب فيه، ثم يبحث بعد ذلك عن مبررات تثبت أنه أهل له.

ثقافة قول: «لا أدري».. من التعليم إلى المؤسسات

ينقل الدارمي في الباب نفسه آثارًا شديدة الدلالة في هذا المعنى، منها قول ابن مسعود رضي الله عنه: «من علم منكم علمًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل لما لا يعلم: الله أعلم»، مستشهدًا بقوله تعالى: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) (ص: 86).

وهكذا يصبح عدم التكلف جزءًا من أخلاق المعرفة، وهذه قاعدة تربوية تستحق أن تبدأ من المدرسة؛ فالطالب الذي تربى على أن الخطأ عار، وأن عدم معرفة الجواب فضيحة، قد يتعلم مبكرًا أن يخفي جهله بالتخمين، ثم ينتقل هذا السلوك معه إلى الجامعة والعمل والحياة العامة، أما حين يتعلم أن يقول: لا أعرف، وسأبحث، فقد وضع قدمه على أول طريق المعرفة الصحيحة.

والأمر نفسه في المؤسسات، فالبيئة التي تعاقب الموظف معنويًا كلما اعترف بأنه لا يعلم، تصنع أشخاصًا يتظاهرون بالسيطرة حتى تقع الأخطاء، أما البيئة التي تسمح باعتراف مهني منضبط بحدود المعرفة فتكتشف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات.

بصيرة التمييز بين لزوم الصراط وتعدد السبل

يتميز الأثر ببناء بلاغي شديد الاقتصاد؛ يبدأ حذيفة بثلاثة أصناف؛ الأول: يبلغ الغاية في الرسوخ العلمي، والثاني: تحمله ضرورة المسؤولية، والثالث: يقتحم الباب بلا أهلية.

ثم يأتي محمد بن سيرين فلا يحتاج إلى شرح طويل؛ إذ يكفيه أن يستبعد الصنفين الأولين من نفسه، ثم يعلن خوفه من الثالث.

وهنا تكمن قوة الجملة: «ولست بواحد من هذين، ولا أحب أن أكون الثالث»؛ فهو لا يقول صراحة: لذلك لن أتكلف، لكن النتيجة تنشأ في ذهن السامع بنفسها، وهذا من جمال البيان حين يكون الفكر واضحًا؛ فكلما استقام المعنى، قل احتياجه إلى الزينة اللفظية.

والتعبير بـ«لا أحب» كذلك يحمل معنى أعمق من مجرد الحساب العقلي، فالقضية ليست أن الصنف الثالث غير مربح اجتماعيًا، وإنما أن النفس المؤمنة ينبغي أن تنفر أصلًا من التكلف؛ أي أن الانضباط العلمي عند محمد بن سيرين لم يعد قانونًا خارجيًا يضبطه، بل صار ذوقًا أخلاقيًا داخليًا: لا يحب أن يكون ذلك الرجل.

وهذه هي المرحلة العليا في التربية؛ أن ينتقل الإنسان من ترك الخطأ خوفًا من صورته أمام الناس إلى كراهية الخطأ نفسه.

ويقرّب هذا المعنى حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في تصوير النبي صلى الله عليه وسلم للصراط المستقيم والسبل المتفرقة، حين خطَّ خطًّا وقال: «هذا سبيل الله»، ثم خطَّ خطوطًا عن يمينه وشماله، وقال: «هذه سبل -قال يزيد: متفرقة- على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه»(3)، ثم قرأ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام: 153)، فكما نفر ابن سيرين من أن يتكلف ما ليس من أهله، تقتضي الاستقامة أن يعرف المرء طريقه، وألا ينساق وراء كل دعوة؛ فليست سلامة المسار في كثرة الخيارات، بل في لزوم الحق عن بصيرة.

درس ربيعة الرأي في مواجهة ضغط الجماهير

لقد اتسع مجال الكلام اليوم اتساعًا لم تعرفه المجالس القديمة؛ فيمكن لأي شخص أن يتحدث في دقائق عن الشريعة والطب والاقتصاد والتربية والسياسة، ثم ينتقل من مجال إلى آخر من غير أن يشعر بالحاجة إلى إعادة تعريف نفسه أو حدود اختصاصه.

وهنا لا تكمن المشكلة في إتاحة التعبير؛ فتيسير تداول المعرفة من نعم العصر، وإنما تكمن في اختفاء المسافة أحيانًا بين «امتلاك رأي» و«امتلاك أهلية».

وقد كان محمد بن سيرين يعيش في البصرة، إحدى أهم حواضر العلم في عصره، في بيئة تتعدد فيها الأسئلة والمدارس والاتجاهات، ومع ذلك لم تحمله كثرة الحاجة الاجتماعية إلى أن يجعل نفسه جوابًا لكل سؤال، وهذا يضع قاعدة ثمينة للعصر الحديث؛ أن كثرة الطلب عليك لا توسع اختصاصك.

وتتجلى خطورة الاستجابة لضغط الجمهور في موقف ربيعة بن أبي عبد الرحمن، المعروف بربيعة الرأي؛ إذ قال لمالك: «إن سمعت أني حدثتهم شيئًا أو أفتيتهم فلا تعدني شيئًا»(4)، ولزم بيته ممتنعًا عن الفتوى، فمع كثرة الطلب، لم يجعل إقبال الناس عليه سببًا للاستمرار فيما آثر تركه؛ إذ لا تمنح الحاجة إلى الجواب أهليةً له، ولا تجعل كثرة السائلين المرء مسؤولًا عن الإجابة فيما لا يريد التصدي له.

وهنا يصبح الورع العلمي مهارة حضارية أيضًا، فالمجتمع الذي تتضح فيه حدود التخصص أقل تعرضًا للشائعات، وأقدر على اتخاذ القرارات، وأكثر احترامًا للمعرفة المتراكمة.

الهوامش
  • 1 محمد بن سيرين الإمام شيخ الإسلام أبو بكر الأنصاري، الأنسي البصري، مولى أنس بن مالك، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص612.
  • 3 نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، ج2، ص22.
  • 4 صفة الصفوة، ج2، ص151.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة