حين يصبح العلم أثراً ممتداً

كيف يترك العالم أثراً يبقى؟ سيرة سعيد بن جبير

لوحة فنية ترمز إلى بقاء أثر العالم ورسوخ علمه، تظهر سعيد بن جبير يُقرئ تلاميذه ويورثهم العلم بجوار شجرة راسخة العروق.

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عَنْ عَمْرِو بنِ مَيْمُوْنٍ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ: «لَقَدْ مَاتَ سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ إِلَاّ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى عِلْمِهِ»(1).

يمثل هذا الأثر المختصر صورة بليغة لمكانة العالم حين لا يكون علمه مجرد محفوظات في الذهن، بل حياة ممتدة في الناس، ومرجعية يحتاج إليها المجتمع في دينه وفهمه ووعيه، وقد قيلت هذه الشهادة بعد مقتل الإمام التابعي سعيد بن جبير رحمه الله سنة 95هـ في زمن الدولة الأموية، في مرحلة شهدت توترات سياسية ومواجهات بين السلطة وبعض الشخصيات العلمية التي اختارت مواقفها وفق ما تراه من التزام بالحق والدين.

ولا يمكن قراءة قصة سعيد بن جبير من زاوية الحدث السياسي وحده؛ فالقيمة الكبرى في سيرته تتمثل في كونه أحد كبار علماء التابعين، جمع بين التفسير والحديث والفقه والعبادة، وتلقى العلم عن كبار الصحابة، حتى صار من أعلام مدرسة ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير القرآن، ولذلك فإن أثر رحيله لم يكن فقد شخص فقط، بل فقد طاقة معرفية وتربوية كانت تسد حاجة واسعة في الأمة.

كيف جعلت أمانة العلم من سعيد بن جبير عالما بأمة؟

لم تكن منزلة سعيد بن جبير قائمة على الشهرة أو طلب الصدارة، وإنما على عمق العلم ونفعه، فالعالم الحقيقي لا يقاس بعدد من يعرفونه، بل بعدد من ينتفعون به، ولا يقاس بحضوره الإعلامي أو الاجتماعي، بل بحجم الحاجة التي يتركها غيابه.

ولهذا جاء التعبير: «وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه» بصيغة شاملة تكشف إدراك المعاصرين لقيمة العلم الذي كان يحمله، وهذه ليست مجرد مبالغة أدبية، بل وصف لحقيقة أن العلماء الكبار يمثلون مراكز حفظ وفهم ونقل للمعرفة الشرعية.

وقد ظهر نبوغ كثير من العلماء من خلال ما برعوا فيه من علوم حتى جاءت شهادات الناس في حقهم مؤكدة أنهم أمة في هذا المجال وحدهم.

فعن معمر أن عمر بن عبد العزيز قال لجلسائه: هل تأتون ابن شهاب؟ قالوا: إنا لنفعل قال: فأتوه فإنه لم يبق أحد أعلم ‌بسنة ‌ماضية ‌منه(2).

وهذا سفيان بن عيينة يبين الخسارة العلمية الحضارية بوفاة الإمام ابن شهاب الزهري، فيقول: مَاتَ الزُّهْرِيُّ يَوْمَ مَاتَ وَلَيْسَ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِالسُّنَّةِ مِنْهُ(3).

وقد أشار القرآن إلى رفعة أهل العلم فقال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: 11)، فالعلم في التصور الإسلامي ليس امتيازًا شخصيًا، وإنما مسؤولية ترفع صاحبها بقدر ما ينفع بها عباد الله.

وفي واقع الناس اليوم، تظهر قيمة هذه المعاني في كل مجال يحتاج إلى المرجعيات الراسخة؛ فالمعلم الذي يبني أجيالًا، والمربي الذي يصنع الوعي، والخبير الذي ينقل المعرفة الصحيحة، يترك فراغًا لا يسده مجرد وجود بديل شكلي.

لماذا اشترط العلماء العمل بالعلم لاكتمال أثره؟

تكشف سيرة سعيد بن جبير جانبًا مهمًا من بناء الشخصية المؤمنة: القدرة على الثبات حين تتحول المبادئ إلى اختبار عملي، فالعلم ليس كلمات تحفظ، وإنما مواقف تظهر عند الشدائد، وقد كان علماء السلف يرون أن العالم لا يكتمل أثره بمجرد كثرة معلوماته، بل بصدق حمله للأمانة، ولهذا ارتبطت صورة العالم في التراث الإسلامي بالجمع بين المعرفة والاستقامة، قال أَنَس بْن مَالِكٍ رضي الله عنه: «تَعَلَّمُوا مَا شِئْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَأْجُرُكُمْ ‌عَلَى ‌الْعِلْمِ ‌حَتَّى ‌تَعْمَلُوا بِهِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ هِمَّتُهُمُ الْوِعَايَةُ وَإِنَّ السُّفَهَاءَ هِمَّتُهُمُ الرِّوَايَةُ»(4).

وقال الفضيل بن عياض: لا يزال العالم جاهلاً بما علم حتى يعمل به، فإذا ‌عمل ‌به ‌كان ‌عالماً، وقال أيضاً: إنما يراد من العلم العمل، ‌والعلم ‌دليل ‌العمل(5).

وعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: أَجْهَلُ النَّاسِ مَنْ تَرَكَ مَا يَعْلَمُ، ‌وَأَعْلَمُ ‌النَّاسِ ‌مَنْ ‌عَمِلَ ‌بِمَا ‌يَعْلَمُ، وَأَفْضَلُ النَّاسِ أَخْشَعَهُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ(6).

وقيل في منثور الحكم: لم ينتفع بعلمه من ترك العمل به، وقال بعض العلماء: ثمرة العلم أن يعمل به، وثمرة العمل أن يؤجر عليه، وقال بعض الصلحاء: العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه أقام وإلا ارتحل.

وقال الشافعي: خير العلم ما نفع، وخير القول ما ردع، وقال بعض الأدباء: ثمرة العلوم العمل بالعلوم، وقال بعض البلغاء: من تمام العلم استعماله، ومن تمام العمل استقلاله، فمن استعمل علمه لم يخل من رشاد، ومن استقل عمله لم يقصر عن مراد.

وقال حاتم الطائي:

لَمْ يَحْمَدُوا مِنْ عَالِمٍ غَيْرِ عَامِلٍ        خِلَافًا وَلَا مِنْ عَامِلٍ غَيْرِ عَالِمٍ

رَأَوْا طُرُقَاتِ الْمَجْدِ عِوَجًا قَطِيعَةً   وَأَفْظَعُ عَجْزٍ عِنْدَهُمْ عَجْزُ حَازِمٍ(7)

ومن هنا، يظهر أن القوة النفسية ليست في غياب الخوف أو الألم، وإنما في قدرة الإنسان على تقديم المعنى الأعلى على المصلحة العاجلة، فقد يملك الإنسان العلم، لكنه لا يملك الشجاعة التي تجعل علمه مؤثرًا، وقد يملك الشجاعة، لكنه يفتقد الحكمة التي توجهها؛ أما النماذج الكبرى فتجمع بين العلم والثبات والبصيرة.

وفي عصرنا، يحتاج العاملون في التعليم والدعوة والإصلاح إلى هذا النوع من التوازن؛ فالأثر الحقيقي لا يصنعه كثرة الكلام، وإنما اجتماع المعرفة مع الصبر والصدق.

لماذا يتجاوز أثر ثبات العلماء حدود عصرهم؟

من أبرز الدلالات التي تحملها شهادة عمرو بن ميمون أن قيمة بعض الشخصيات لا تظهر كاملة إلا بعد رحيلها، فهناك أشخاص يكون وجودهم جزءًا من استقرار المجتمع؛ لأنهم يمثلون مرجعية يرجع إليها الناس عند الإشكالات.

وهذا نوع من القيادة لا يعتمد على منصب أو سلطة، بل على الثقة المتراكمة، فالعالم الذي يربي طلابه، ويجيب عن أسئلة الناس، ويحفظ ميزان الفهم الصحيح، يمارس قيادة معرفية لا تحتاج إلى قرار رسمي.

وقد تتعرض بعض الشخصيات العلمية لمواقف يكون ثباتهم وبيانهم أعمق وأهم بكثير من مجرد تمرير الموقف، حيث إنهم يكونون في موضع القدوة، وقد يثبت بسببهم أو يزيغ خلق كثير، فإذا ثبتوا وترتب على ثباتهم التعذيب والتنكيل أو الموت فإن ذلك يكون أفضل من الصمت أو التمرير بلين الكلام، ومن ذلك ما ورد عن أبي جعفر الأنصاري قال: لما حمل أحمد بن ‌حنبل يراد به المأمون اجتزت فعبرت الفرات إليه فإذا هو في الخان فسلمت عليه فقال يا أبا جعفر تعنيت فقلت ليس هذا عناء قال فقلت له يا هذا أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك فوالله إن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن بإجابتك خلق من خلق الله فإن أنت لم تجب ليمتنعن ‌خلق ‌كثير من الناس ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت ولا بد من الموت فاتق الله ولا تجبهم إلى شيء فجعل أحمد يبكي وهو يقول ما شاء الله ما شاء الله(8).

وتمسك الإمام أحمد بموقفه، حتى انتشر ذكره في العالمين، ولم تقتصر معرفته الشخصية ولا أقواله عند حدود بلده أو طلابه، بل كان ابتلاؤه علامة على الثبات، ودليلا على الصلابة والصواب.

كيف يضمن نشر العلم خلود أثر صاحبه؟

العلم النافع هو الذي يتحول إلى أثر في حياة الناس؛ ولذلك قال الله تعالى: (‌فَأَمَّا ‌الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) (الرعد: 17)، وقد كان سعيد بن جبير من العلماء الذين ارتبط اسمهم بخدمة القرآن والعلم، فقد نقلت عنه كتب التراجم مكانته في التفسير والعبادة، وكان من العلماء الذين لم ينظروا إلى العلم باعتباره رصيدًا شخصيًا، وإنما باعتباره أمانة ينبغي أن تصل إلى الناس، ولذلك قال كلمته البليغة: «لَأَنْ أَنْشُرَ عِلْمِي، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَذْهَبَ بِهِ إِلَى قَبْرِي»، وقال أيضًا: «وَدِدْتُ النَّاسَ أَخَذُوا مَا عِنْدِي؛ فَإِنَّهُ مِمَّا يَهُمُّنِي»(9)، وهذا هو سر بقاء العلماء؛ فالعالم قد يغيب شخصه، لكن علمه لا يغيب إذا حمله تلاميذه ونقلوه إلى الناس، ولذلك نُقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: «الْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ، أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ، وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ»(10).

ولعل هذا يفسر لنا كيف امتد أثر ابن عباس رضي الله عنهما بعد وفاته؛ فقد كان سعيد بن جبير من أبرز من أخذوا عنه، ثم أصبح سعيد نفسه إمامًا في العلم والتفسير، وقرأ عليه أبو عمرو بن العلاء وطائفة من أهل العلم(11).

فليست قيمة الإنسان بما يتركه من حضور مؤقت، وإنما بما يتركه من نفع مستمر، وهذا مبدأ يتجاوز المجال الشرعي إلى كل ميادين الحياة؛ فالمعلم، والباحث، والمصلح، وصاحب الخبرة، كلما جعل معرفته متعدية إلى الآخرين كان أثره أطول عمرًا.

البلاغة في وصف قيمة العلماء ومجالسهم

تحمل عبارة «ما على ظهر الأرض أحد» قوة بلاغية ظاهرة؛ لأنها تستخدم أسلوب الاستغراق لتصوير اتساع الحاجة إلى علم سعيد بن جبير، فهي لا تتحدث عن عدد محدد، وإنما ترسم شعورًا عامًا بأن فقد العالم ترك فراغًا شعرت به الجماعة العلمية كلها.

وهذا الأسلوب من البيان يكشف أن التراجم القديمة لم تكن مجرد تسجيل للأحداث، بل كانت قراءة في أثر الأشخاص ومعانيهم، فالعالم عند المؤرخين ليس تاريخ ميلاد ووفاة فقط، وإنما شبكة من التأثيرات التي تركها فيمن حوله، فعن عطاء قال: ‌ما ‌رأيت ‌قط ‌أكرم ‌من ‌مجلس ابن عباس أكثر فقها وأعظم خشية، إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلهم من واد واسع(12).

كيف نحول التراث العلمي إلى واقع حي؟

تذكرنا هذه السيرة بأن بناء العلماء والمربين وأصحاب الخبرة مسؤولية حضارية:

  • فالأمم لا تقوم فقط بالمشروعات والأدوات، بل تقوم بالعقول التي تحفظ المعاني وتوجه الطاقات.
  • وفي الأسرة، يظهر هذا المعنى في أهمية التربية القائمة على العلم والقدوة، وفي التعليم، يظهر في صناعة المعلمين الذين يتركون أثرًا يتجاوز المنهج الدراسي.
  • وفي الدعوة والإعلام، يظهر في ضرورة تقديم المعرفة الموثوقة بدل الاكتفاء بالحضور والصورة.

إن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان ليس كثرة ما يملك، بل مقدار ما يبقى من خيره بعد غيابه، وهذا هو المعنى الذي جسدته شهادة السلف في سعيد بن جبير: عالم غاب جسده، لكن حاجات الناس إلى علمه بقيت شاهدة على قيمة أثره.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (4/ 325).
  • 2 حلية الأولياء (3/ 360).
  • 3 تاريخ دمشق: ابن عساكر (55/ 348).
  • 4 جامع بيان العلم وفضله (1/ 695).
  • 5 اقتضاء العلم العمل: الخطيب البغدادي، ص 37.
  • 6 مسند الدارمي (1/ 355).
  • 7 أدب الدنيا والدين: الماوردي، ص 76.
  • 8 تاريخ دمشق: ابن عساكر (5/ 312).
  • 9 سير أعلام النبلاء (4/ 326).
  • 10 الفقيه والمتفقه: الخطيب البغدادي (1/ 183).
  • 11 سير أعلام النبلاء (6/ 407).
  • 12 معجم الصحابة: البغوي (3/ 490).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة