طمأنينة القلب أمام الأخطار..
كيف يصغر الخوف بتعظيم الله؟ موقف عامر بن عبد قيس
تصوير فني رمزي لعامر بن عبد قيس في مشهد يعكس الثبات والطمأنينة أمام الخطر، مع حضور رمزي للأسد ومعاني الإيمان واليقين.
قال الذهبي، في سيرة
عَامِرُ بنُ عَبْدِ قَيْسٍ التَّمِيْمِيُّ العَنْبَرِيُّ البَصْرِيُّ، في «سير
أعلام النبلاء»: «قِيْلَ لِعَامِرِ بنِ عَبْدِ قَيْسٍ: إِنَّكَ تَبِيْتُ خَارِجاً،
أَمَا تَخَافُ الأَسَدَ؟! قَالَ: إِنِّي لأَسْتَحِيِي مِنْ رَبِّي أَنْ أَخَافَ
شَيْئاً دُوْنَهُ»(1).
تختصر هذه
الإجابة القصيرة مقاماً من مقامات اليقين؛ فهي لا تتحدث عن شجاعة مجردة، ولا عن
إنسان فقد الإحساس بالخطر، وإنما تكشف عن قلب أعاد ترتيب مخاوفه، فأصبح يرى
الأشياء جميعًا تحت سلطان الله وتقديره.
ولم تكن كلمة
عامر مجرد جواب عن أسد في موضع خطر، بل كانت تعبيرًا عن رؤية إيمانية تتجاوز
المشهد الظاهر إلى ما وراءه؛ فالمخلوقات، مهما عظمت في أعين الناس، تبقى داخلة في
تدبير الخالق سبحانه، ومن ثم يتحدد أثرها في القلب بحسب ما تستحقه من الاعتبار، لا
بحسب ما قد يحيط بها من مظاهر القوة.
ولقد كان عامر
من أولئك الذين جعلوا علاقتهم بالله محور حياتهم، فانعكس ذلك على نظرتهم إلى
المخاوف والملذات والاختبارات، ولم يكن خروجه أو مبيته خارج العمران بحثًا عن
الخطر، وإنما كان ضمن نمط حياة اختاره في العبادة والتجرد.
كيف يضبط تعظيم الخالق مخاوف الإنسان الطبيعية؟
سؤال الناس
لعامر: «أما تخاف الأسد؟» يعكس الفطرة الطبيعية للإنسان؛ فالخوف من الضرر غريزة
أودعها الله في البشر لحفظ الحياة، ودفعهم إلى الاحتراز من أسباب الهلاك.
والقرآن نفسه لا
يقدم الخوف بوصفه انفعالًا غريبًا عن طبيعة الإنسان؛ فقد ذكر عن موسى عليه السلام
قوله تعالى: (فَأَوْجَسَ فِي
نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ) (طه: 67)، كما وصف خروجه من مصر بقوله: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا
يَتَرَقَّبُ) (القصص: 21)، ومن ثَمَّ لا يكون المقصود من موقف عامر نفي
الخوف الطبيعي، وإنما بيان موقع هذا الخوف في سلم الأولويات القلبية؛ فهو لم ينكر
خطر الأسد، وإنما كشف عن أن تعظيم الله في قلبه كان أعظم من أن يستولي عليه خوف
مخلوق.
وهذا المعنى
يتصل بأصل قرآني عظيم، قال تعالى: (فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (آل عمران: 175)،
فالآية لا تنفي إدراك الخطر، وإنما توجه القلب إلى ألا يتحول خوف المخلوق إلى خوف
يزاحم تعظيم الله أو يصد عن طاعته، وقد فسر البغوي الآية: «بأن الشيطان يعظم
أولياءه في صدور المؤمنين ليخافوهم، (فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ) فِي تَرْكِ أَمْرِي (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
مُصَدِّقِينَ بِوَعْدِي فَإِنِّي مُتَكَفِّلٌ لَكُمْ بِالنُّصْرَةِ وَالظَّفَرِ»(2).
ويتجلى هذا
المعنى في موقف أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عقب إسلامه؛ إذ خرج إلى المسجد الحرام
فنادى بشهادة التوحيد أمام قريش، فعرض نفسه لأذاهم، فضربوه حتى أضجعوه، ثم عاد من
الغد وفعل مثل ذلك(3)، ويكشف هذا الموقف عن تغير موازين الخوف في قلبه؛
فلم يمنعه الخوف من أذى المخلوق من إعلان ما استقر في قلبه من تعظيم الله والثبات
على التوحيد، فكان تعظيم الخالق أقوى من سلطان الخوف من المخلوق، وبذلك يتضح أن
القضية ليست في وجود الخوف من عدمه، وإنما في الجهة التي يستقر فيها التعظيم،
والمقدار الذي يمنحه القلب لهذا الخوف في مقابل تعظيمه لله تعالى.
فالخوف من الله
ليس مجرد انفعال، بل هو مقام يضبط بقية المخاوف ويضعها في مواضعها الصحيحة، وقد
بيّن القرآن ثمرة هذا الخوف وآثاره في مآل العبد، فقال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ
جَنَّتَانِ) (الرحمن: 46)، فخوف مقام الله لا يقف عند حدود الشعور، وإنما
يظهر أثره في سلوك العبد واستقامته، ويكون جزاؤه ما وعد الله به من الكرامة.
سر الانتقال من خشية العقوبة إلى مقام الحياء
لم يقل عامر:
«لا أخاف الأسد»، وإنما قال: «أستحيي من ربي أن أخاف شيئًا دونه»، وتكشف صيغة
الجواب نفسها عن انتقال المعنى من مجرد الخوف إلى مقام أعمق هو الحياء من الله؛
ولذلك كان التعبير بالاستحياء أدق من مجرد نفي الخوف.
وهنا يظهر معنى
دقيق؛ فالحياء يحمل في داخله معنى التعظيم والمراقبة، فهو ليس مجرد خشية من
العقوبة، وإنما شعور بمقام الله في القلب يمنع الإنسان من أن يقدم غيره عليه في
الاعتقاد والسلوك.
ويتجلى هذا
المعنى في موقف سالم بن عبدالله حين دخل هشام بن عبدالملك الكعبة، فقال له: يا
سالم، سلني حاجة، فقال سالم: إني لأستحيي من الله أن أسأل في بيت الله غير الله، ثم
لما خرج من الكعبة، عرض عليه هشام أن يسأله حاجة من حوائج الدنيا، فقال سالم: ما
سألتُ من يملكها فكيف أسأل من لا يملكها(4)، ويكشف هذا الموقف عن أن
الحياء من الله لم يكن عند سالم معنى مجردًا، وإنما كان مقامًا استقر في قلبه
فأثمر توجيه السؤال والرجاء إلى الله وحده، وعدم تقديم المخلوق في موضع يكون فيه
التعلق بالخالق أولى.
فالعبد حين
يستحضر نظر الله إليه، تتغير دوافعه؛ فلا يصبح ضبط النفس مجرد مقاومة للخوف، بل
وفاءً لمقام العبودية.
كيف يجمع المؤمن بين الحذر وطمأنينة التوكل؟
قد يُفهم هذا
الأثر خطأ إذا قُرئ بمعزل عن منهج الشريعة في الأخذ بالأسباب؛ فالإسلام لا يدعو
الإنسان إلى تعريض نفسه للهلاك، ولا يجعل التوكل تركًا للحذر.
وهذا القيد مهم
في قراءة موقف عامر؛ لأن دلالة الأثر تتعلق بترتيب الخوف في القلب، لا بإلغاء
الوسائل المشروعة لدفع الضرر.
لكن مقام عامر
هنا يتحدث عن حالة قلبية؛ كيف ينظر الإنسان إلى الخطر بعد أن يستقر في قلبه أن
الأمر كله لله، فالإنسان المؤمن يجمع بين الأخذ بالأسباب والاعتماد على مسببها؛
يحذر من الضرر، لكنه لا يجعل الخوف من المخلوق يطغى على خوفه من الله.
ويؤكد القرآن
هذا الجمع في قوله تعالى: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) (النساء: 71)، بما يدل على
مشروعية الحذر مع بقاء الاعتماد على الله.
ويتجلى هذا
المعنى في موقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين خرج إلى الشام،
فبلغه وقوع الطاعون بها، فامتنع عن دخولها ورجع عنها، مع يقينه بقضاء الله وقدره(5)،
ويكشف هذا الموقف عن أن الأخذ بأسباب الوقاية لا يناقض التسليم للقدر، بل يجتمع
معه؛ فالاحتراز من الخطر لا يعني ضعف اليقين، كما أن الإيمان بالقدر لا يعني إهمال
الأسباب المشروعة.
ويتأكد هذا
التوازن في السيرة النبوية، حيث اقترن التوكل على الله بإحكام التدبير والأخذ
بالأسباب، كما يظهر في موقف الهجرة؛ فقد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه
أسباب الاختفاء، واستعانا بالدليل، وسلكا طريقًا غير معتاد، ومع ذلك ظل القلب
مطمئنًا إلى معية الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ
مَعَنَا) (التوبة: 40)(6)، فجمع الموقف بين إحكام الأسباب
وطمأنينة القلب.
وهذا هو الفرق
بين التوكل الحقيقي والاستسلام للهلع؛ فاليقين لا يطلب من الإنسان أن يتجاهل
الخطر، وإنما يحرره من أن يصبح الخطر هو المرجع الذي يحدد موقفه أو يستولي على
قلبه، وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن «الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله»(7)،
ومن ثم، يكون الخوف المحمود باعثًا على الاستقامة والعمل، لا عائقًا عن مواجهة
الواقع والتعامل معه.
أثر المرجعية الداخلية في ثبات القائد أمام الضغوط
تكشف هذه القصة
عن جانب قيادي مهم؛ فالإنسان الذي لا تسيطر عليه المخاوف يستطيع أن يتخذ قراراته
بوضوح أكبر؛ فكثير من الأزمات لا تُضعف الإنسان بسبب حجمها فقط، بل بسبب الطريقة
التي يستقبلها بها، فإذا تضخم الخوف في النفس أصبح الإنسان أسيرًا له، أما إذا
وضعه في حجمه الحقيقي استطاع التعامل معه بحكمة.
ولهذا كان أصحاب
المبادئ الثابتة أكثر قدرة على الثبات في الظروف الصعبة؛ لأن مرجعيتهم ليست متغيرة
بتغير الظروف.
ويتجلى أثر ثبات
المرجعية الداخلية في المواقف القيادية التي تتطلب وضوحًا في القرار تحت ضغط
الأزمة، كما ظهر في موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه في مواجهة المرتدين، حين
عارضه بعض الصحابة في قتال مانعي الزكاة، فلم يتردد في موقفه، وقال: «والله
لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة»(8)، ويكشف هذا الموقف أن الثبات
القيادي لا يقوم على غياب المعارضة أو سهولة القرار، وإنما على وضوح المرجعية التي
يستند إليها القائد وقدرته على التمسك بها عند اشتداد الضغوط.
وفي واقع الناس
اليوم، تظهر هذه القاعدة في مواجهة ضغوط العمل، والقلق على المستقبل، والخوف من
أحكام الآخرين؛ فكلما كان للإنسان مركز ثابت يعود إليه، قلَّ اضطرابه أمام
المتغيرات.
وعليه، فإن
الثبات الذي يكشفه موقف عامر يمكن النظر إليه بوصفه ثمرةً لاستقرار المرجعية
الداخلية، لا مجرد جرأة في مواجهة موقف خارجي.
كيف يعالج التوحيد اضطراب الوعي والخوف الجماعي؟
كشف سؤال من حول
عامر عن طبيعة بشرية عامة؛ فالناس غالبًا ينظرون إلى الخطر من زاوية ظاهره، فيرون
الأسد قوة مخيفة، ويرون الليل والوحدة أسبابًا للقلق.
أما أصحاب
اليقين فيضيفون إلى هذه الصورة بعدًا آخر: من الذي يملك هذا الأسد؟ ومن الذي يدبر
الليل والنهار؟
وهنا تتضح
الوظيفة التربوية للموقف؛ إذ لم تكن إجابة عامر مجرد رد على سؤال شخصي، وإنما يمكن
أن تُفهم بوصفها إعادة توجيه للنظر من السبب الظاهر إلى مسبب الأسباب، لا لإنكار
الواقع، وإنما لفهمه ضمن إطار أوسع من الاعتقاد بسلطان الله وتقديره.
ويتجلى هذا
المعنى في موقف النبي صلى الله عليه وسلم حين كسفت الشمس يوم وفاة ابنه إبراهيم،
فظن بعض الناس أن كسوفها كان بسبب وفاته، فصحح النبي صلى الله عليه وسلم هذا الربط
بين الظاهرة وسببها، وقال: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ
اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا
رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللهَ»(9)، ويكشف هذا الموقف عن وظيفة
تربوية تتجاوز تصحيح الاعتقاد الفردي إلى تصحيح الوعي الجماعي؛ إذ نقل النبي صلى
الله عليه وسلم نظر الناس من تفسير الظاهرة بأسباب بشرية مرتبطة بالحدث إلى
إدراكها في إطار آيات الله وسننه الكونية، مع توجيههم إلى العبادة والعمل الصالح.
وبذلك يتضح أن
الخوف الجماعي قد ينشأ من تفسير مضطرب للواقع، وأن تصحيح هذا التفسير وإعادته إلى
إطار التوحيد والسنن الإلهية يسهم في تهدئة الوعي وتوجيه السلوك.
كيف يبني الإيمان سكينة أمام الأخطار الخارجية؟
تحمل كلمة عامر
مفارقة بلاغية عميقة؛ فهناك أسد يمثل أقصى صور القوة في عالم الحيوان، وهناك قلب
مطمئن يستند إلى أعظم مصدر للقوة.
فالخوف في
الظاهر مرتبط بالمشهد الخارجي، لكن السكينة مرتبطة بالمشهد الداخلي، ومن هنا ينتقل
أثر الموقف من مجرد الحديث عن الخوف إلى بيان أثر الإيمان في بناء السكينة؛
فالمشهد الخارجي لم يتغير، وإنما تغيرت علاقة القلب به.
ويتجلى هذا
المعنى في موقف عبدالله بن حذافة السهمي رضي الله عنه حين أُلقي أمامه أسيران
مسلمَان في قدر يغلي، فلما قُدِّم ليُلقى فيها بكى، فظن الطاغية أن بكاءه ناشئ عن
الخوف والجزع، غير أن عبد الله كشف عن معنى مختلف تمامًا حين قال: «قلت: هي نفس
واحدة تلقى الساعة فتذهب، فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعري أنفس تلقى في النار في
الله»(10).
ويكشف هذا
الموقف عن سكينة داخلية لم تستمد من غياب الخطر، وإنما من استعلاء معنى الإيمان في
القلب على هول المشهد الخارجي، وهو ما ينسجم مع المفارقة التي يكشفها موقف عامر؛
خطر ظاهر في الخارج، يقابله ثبات وطمأنينة في الداخل، وهذا من أسرار الإيمان؛ أن
الإنسان قد يكون في ظرف صعب، لكنه يحمل في داخله معنى يمنحه الثبات والطمأنينة، وقد
ربط القرآن طمأنينة القلب بذكر الله فقال تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد:
28).
وهذا المعنى
ينسجم مع موقف عامر؛ فالطمأنينة لا تستمد من غياب أسباب الخوف، وإنما من رسوخ
المعنى الذي يمنح القلب قدرةً على التعامل معها دون أن تستولي عليه.
كيف يُحَجِّمُ السعي لرضا الله مخاوفنا المعاصرة؟
لا يعيش الإنسان
المعاصر بين السباع غالبًا، لكنه يعيش بين مخاوف متعددة؛ الخوف من الفشل، ومن
المستقبل، ومن فقدان المكانة، ومن نظرة الناس.
ولا يكون العلاج
بإلغاء هذه المخاوف تمامًا، فهي جزء من طبيعة الإنسان، وإنما بإعادة وضعها في
ميزانها الصحيح، فحين يكون رضا الله الغاية العليا؛ تصبح بقية المخاوف أصغر حجمًا،
ويصبح الإنسان أكثر قدرة على الاختيار بثبات.
ومن ثَمَّ، لا
تكمن القيمة المعاصرة لهذا الموقف في نقل صورته الظاهرة إلى واقع مختلف، وإنما في
استحضار المبدأ الذي يكشفه؛ إعادة ترتيب المخاوف وفق المرجعية التي يؤمن بها
الإنسان.
ويتجلى هذا
المعنى في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد إسلامه؛ إذ أعاد ترتيب مخاوفه، فلم
يعد يخشى نظرة المجتمع أو أذى قريش أمام غايته العليا، فقال للنبي صلى الله عليه
وسلم: «ما يجلسك بأبي أنت وأمي فوالله ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا
أظهرت فيه الإيمان غير هائب ولا خائف»»(11)، ويكشف هذا الموقف عن تحول
في مركز الخوف؛ فلم يختفِ إدراك عمر لما يمكن أن يترتب على إعلان إسلامه، وإنما
أصبح الخوف من المخلوق أضعف من أن يحول بينه وبين ما استقر في قلبه من الإيمان.
وبذلك تتضح
القيمة المعاصرة لموقف عامر؛ أن الإنسان يحتاج إلى مرجعية عليا تعيد تحديد حجم
المخاوف، وتمنعها من أن تتحول إلى قوة موجهة لقراراته.
تكشف كلمة عامر
بن عبد قيس عن قلب تربى على تعظيم الله حتى تغيرت مقاييس الخوف لديه، فلم يكن
الأسد في نظره أعظم من أن يُخشى، وإنما كان يرى أن أعظم ما ينبغي أن يستقر في
القلب تعظيم الله والخضوع له.
وهكذا بقي هذا
الموقف شاهدًا على أن قوة الإنسان الحقيقية لا تكمن فقط في قدرته على مواجهة
الخطر، بل في قدرته على أن يحفظ قلبه ثابتًا حين تضطرب الأشياء من حوله، ولا يعني
ذلك إلغاء الخوف أو ترك الأسباب، وإنما وضع كل منهما في موضعه الصحيح؛ يُؤخذ
بالحذر، وتُستعمل الأسباب، ويظل القلب معتمدًا على الله، مستحضرًا قدرته وتقديره.
ومن ثم، فإن القيمة الأعمق في موقف عامر لا تكمن في صورة مواجهة الأسد، وإنما في الدلالة التي تكشفها كلمته عن طبيعة اليقين؛ إذ يستطيع القلب، حين يستقر تعظيم الله فيه، أن يتعامل مع الأخطار دون أن يمنحها من السيطرة ما يزاحم مقام الله في القلب، وهذا هو الثبات الذي يجمع بين وعي الواقع وطمأنينة القلب، وبين الأخذ بالأسباب وحسن التوكل، وبين الخوف الطبيعي وتعظيم الخالق.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 17).
- 2 تفسير البغوي (2/ 139).
- 3 البداية والنهاية: ابن كثير (4/ 86).
- 4 صفة الصفوة: ابن الجوزي (2/ 91).
- 5 متفق عليه، رواه البخاري (7/ 130/ 5729)، ومسلم (4/ 1740/ 2219).
- 6 متفق عليه، رواه البخاري (4/ 201/ 3615)، ومسلم (4/ 2309/ 2009).
- 7 مدارج السالكين: ابن القيم (1/ 511).
- 8 متفق عليه، رواه البخاري (2/ 105/ 1399)، ومسلم (1/ 38/ 20).
- 9 أخرجه البخاري (2/ 37/ 1052) واللفظ له، ومسلم (2/ 619/ 901).
- 10 سير أعلام النبلاء: الذهبي (2/ 14).
- 11 تاريخ دمشق: ابن عساكر (30/ 48).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً