أخلاق العلماء بين السلوك وثقة الناس
كيف يصنع الصدق الثقة؟ شهادة الزهري في طاووس بن كيسان
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عَنِ ابْن شِهَابٍ قَالَ: لَوْ رَأَيْتَ طَاوُوْساً،
عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَكْذِبُ(1).
تختصر هذه
الشهادة معنى جليلًا؛ أن يبلغ الصدق من صاحبه مبلغًا يصبح معه وصفًا معروفًا له،
لا فضيلة يدّعيها لنفسه، وصاحبها طاووس بن كيسان اليماني، أحد كبار أصحاب ابن
عباس، المتوفى سنة 106هـ؛ فالكلام متصل برجل عُرف بالعلم، ونقلت كتب التراجم
شهادات معاصريه في أمانته وفضله(2).
وليس المقصود أن
نتعلم كيف نستخرج أخلاق الناس من ملامحهم، بل أن نتأمل كيف تصير الاستقامة سيرةً
يعرفها المخالطون، ثم تختصرها عبارة بليغة كهذه، وبين قوة الشهادة وحدود دلالتها
تتضح ستة معانٍ، يفسر بعضها بعضًا.
حين تسبق معرفة السلوك إطلاق أحكام العدالة
من المهم أن
نقرأ العبارة في سياقها العلمي، لا أن نعزلها في صورة انطباع بصري مجرد، فقد أخرج
ابن أبي خيثمة كلام الزهري مسبوقًا بقوله: «حدثني طاووس»، ثم ذكر شهادته بأنه لا
يكذب، وهذه الزيادة تثبت صلة الرواية بينهما؛ فالزهري يتحدث عن رجل تلقى عنه، لا
عن اسم مجهول استحسن صورته(3).
ولم ينفرد
الزهري بهذا التقدير؛ فقد قال عمرو بن دينار: «ولا تحسبن فينا أحدًا أصدق لهجة من
طاووس»(4).
حين تُقرأ
الشهادتان معًا، تصبح عبارة الزهري أقرب إلى تلخيص خصلة عُرف بها طاووس بين أهل
العلم، وهذه قراءة تستند إلى اجتماع الشواهد، لا إلى افتراض أن الرؤية تمنح كل
إنسان قدرة على كشف السرائر.
وهنا يتبين
الفرق بين أن يصنع المرء لنفسه خطابًا عن النزاهة، وأن يشهد بها من سمعوا كلامه
وعرفوا معاملته، وفي التربية والتعليم ينبغي تقديم هذا الميزان؛ فليست الأمانة
فيما يقوله الإنسان عن نفسه، بل فيما يصدّق دعواه من سلوك، فليس المطلوب أن يكثر
المرء من تأكيد صدقه، وإنما أن يقلّ في كلامه ما يحتاج إلى الاعتذار عنه.
لماذا لا تكفي ملامح الوقار لإثبات الصدق؟
في قول الزهري
انتقال بليغ من الرؤية إلى العلم؛ كأن صدق طاووس، في تقديره، من الوضوح بحيث يشهد
له حضوره، لكن قوة التعبير لا تحوّل هذه الشهادة الخاصة إلى قانون عام للحكم على
الوجوه، ولا تجعل صاحبها معصومًا من الخطأ.
ويضبط عمر بن
الخطاب رضي الله عنه هذا الباب بقوله: «وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من
أعمالكم»، ثم يبين أن حساب السرائر إلى الله(5).
واللفظة الفاصلة
هنا هي: الأعمال؛ فالظاهر الذي يُبنى عليه التعامل ليس مجرد هيئة مريحة أو عبارة
مؤثرة، بل ما يظهر من الإنسان في قوله وتصرفه، ولذلك يمكن فهم شهادة الزهري بوصفها
اطمئنانًا قويًا إلى طاووس، دون تحميلها دعوى أن السكينة الظاهرة برهان قاطع على
الصدق.
ومن الوفاء لهذه
الشهادة ألا نجعلها بابًا للاغترار بالمظهر، أو لظلم من لا تحسن هيئتهم التعبير عن
أنفسهم، فالاقتداء بطاووس ليس تدريب الوجه على هيئة الوقار، بل إصلاح القول والعمل
حتى يستحق صاحبهما الثقة، وفي اختيار المربي أو قبول الخبر، ينبغي أن يصاحب حسن
الانطباع سؤالٌ عن الأمانة المعروفة، لا أن يحل محله.
حين يصبح الامتناع عن الجواب برهان الصدق.. طاووس بن كيسان نموذجاً
من أبلغ الشواهد
المفسرة لشهادة الزهري قول حنظلة بن أبي سفيان: «ما رأيت عالمًا قط يقول: لا أدري،
أكثر من طاووس»(6).
هنا يخرج الصدق
من دائرة الثناء إلى سلوك يمكن إدراكه: عالم لا يمنعه مقامه من التصريح بحدود
معرفته، وفي هذا القول شهادة على موقف متكرر، لا على جواب عارض؛ إذ كان حنظلة يلحظ
منه كثرة التوقف.
وقد يصعب على
الإنسان الاعتراف بأنه لا يعلم حين يظن أن منزلته مرتبطة بقدرته على الإجابة عن كل
سؤال، أما المعنى التربوي الذي نستخرجه من موقف طاووس، فهو تقديم أمانة الجواب على
المحافظة على صورة العالم الذي لا يعجزه شيء، فالسائل لا يستحق كلامًا يملأ
الفراغ، بل جوابًا يُؤتمن عليه.
وليس التوقف
فضيلة لذاته في كل موضع؛ وإنما فضيلته هنا أنه يمنع ادعاء ما لم يتحقق منه صاحبه، ومن
ثم لا تناقض بين رسوخ العلم وكثرة الاعتراف بحدوده: قد تكون أمانة العالم فيما
يمتنع عن الجزم به، كما تكون فيما يحسن بيانه.
ولهذا، حين يقول
المعلم أو المربي إنه يحتاج إلى مراجعة مسألة، فليس من العدل أن نطالبه ببديل
متعجل يصون مظهره ويضيّع الحقيقة، إن تعليم الصدق يبدأ أيضًا بإعطاء الاعتراف
بالجهل مكانه المحترم.
كيف يحرر التعفف لسان العالم من التبديل؟
ويتصل بأمانة
الجواب ثباتُ المعاملة؛ فقد شهد إبراهيم بن ميسرة لطاووس بقوله: «ما رأيت أحدًا،
الشريف والوضيع عنده بمنزلة، إلا طاووسًا»(7).
وأورد ابن أبي
خيثمة عن عمرو بن دينار أنه قال: ما رأيت من الناس أحدًا أعفّ عمَّا في أيدي الناس
من طاووس لم ير أحدًا أشد تعففًا عما في أيدي الناس من طاووس(8).
والذي يخدم
موضوع الصدق من هاتين الشهادتين هو استقلال الموقف: ألا تصبح منزلة المخاطَب سببًا
لتبديل الحقيقة، وألا يحمل انتظار المنفعة صاحبه على قول ما لا يعتقده.
ولا يلزم من ذلك
الجزم بزوال كل رغبة أو رهبة من نفس طاووس؛ فالشواهد تصف ما ظهر من تعففه وثبات
معاملته، ولا تتيح لنا الإحاطة بكل ما في باطنه.
وبهذا المعنى
يمكن أن نفهم جانبًا من الاطمئنان الذي عبّر عنه الزهري؛ الثقة بمن لا يجعل قيمة
كلامه تابعة لقيمة ما ينتظره من سامعه.
وفي واقع
التعامل، يضع هذا المعنى سؤالًا دقيقًا أمام الإنسان: هل يتغير وصفي للواقعة حين
يكون صاحبها قريبًا أو ذا نفوذ؟ وهل أستر العيب نفسه عند من أرجو نفعه، ثم أضخمه
عند غيره؟ ليس المطلوب خشونة الخطاب، بل ثبات الحقيقة مع إحسان أدائها؛ فصدق طاووس
الذي نتأمله أمانة، لا مجرد جرأة.
الثقة بالصادق لا تعطل التثبت من الخبر
ومن تمام قراءة
شهادة الزهري أن نضم إليها منهج طاووس نفسه في تلقي الروايات، فقد ذكر سليمان بن
موسى أنه عرض عليه خبرًا عن رجل، فقال طاووس: «إن كان صاحبك مليًّا فخذ عنه»(9).
فطاووس، الذي
شهد له الزهري بالصدق، لم يجعل قبول الأخبار قائمًا على مجرد سماعها؛ بل ربط الأخذ
بأهلية ناقلها والثقة به، ويزيد هذا المعنى وضوحًا تفريق مسلم، في مقدمته، بين
رواة يشملهم الصدق، مع تفاوتهم في الحفظ والإتقان، فصدق القصد لا يستلزم انتفاء
الوهم في النقل.
ومن هنا ينبغي
التمييز بين أمرين؛ الثقة بأن الرجل لا يتعمد الكذب، والحكم بصحة كل خبر ينقله، الأول
يتعلق بأمانته، والثاني يحتاج كذلك إلى النظر في حفظه ومصدره وطريقة نقله، ولا
ينتقص هذا التمييز من قدر الصادق، بل يصون صدقه من أن يُحمّل ما لم يضمنه.
وعند تداول
الأقوال المنسوبة إلى السلف، يكون الاقتداء بطاووس في التثبت، لا في الاكتفاء بأن
ناقلها رجل نحسن الظن به، فطلب المصدر ليس اتهامًا للنيات، وتصحيح النقل ليس إساءة
إلى صاحبه، وأولى ما تُحفظ به مكانة الصادق أن يُعان على ألا ينسب إلى غيره ما لم
يثبت عنه.
متى يتفوق القول النافع على التزام الصمت؟
قد تحمل عبارة
الزهري بعض القراء على المبالغة في تمجيد الصمت، كأن حضور الصالح يغني دائمًا عن
قوله، غير أن لطاووس نفسه كلمة تمنع هذا الاختزال؛ فقد قال لأبي نجيح: «من قال
واتقى الله خير ممن صمت واتقى الله»(10).
فالميزان في هذه
الكلمة ليس الكلام في مقابل الصمت بإطلاق، بل التقوى المصاحبة لهما، ويمكن أن
نقرأها مع كثرة قوله إنه لا يدري: يتوقف حين لا يعلم، ولا يجعل التوقف عادة تحرمه
من نفع الناس بما يعلم، وبذلك يلتقي صدق الامتناع عن الادعاء مع صدق أداء الأمانة.
وهذه الموازنة
مهمة لفهم السمت الذي أثنى عليه الزهري؛ فلا ينبغي تصوره مظهرًا جامدًا من قلة
الكلام، بل أخلاقًا تحكم الكلام والسكوت معًا، وليس من الاقتداء أن يتحرى الإنسان
هيئة الوقار ثم يترك تصحيح خطأ يعرفه، أو يحتفظ بمعلومة يحتاج إليها من يسأله.
وفي التربية،
يكون المعنى حاضرًا حين يسمع المتعلم من معلمه بيانًا واضحًا فيما يعرف، وتوقفًا
صريحًا فيما يجهل، ورجوعًا أمينًا إذا تبين له خطؤه، تلك صورة عملية للصدق أجدى من
مطالبة الناس بأن يثقوا بسمت لا تسنده الممارسة.
وهكذا تعود
شهادة الزهري إلى معناها الأخصب؛ فليست دعوة إلى صناعة مظهر يُصدَّق، وإنما إلى
إقامة سيرة تستحق التصديق، وقد كشف الشهود على طاووس بعض ملامح هذه السيرة: أمانة
اللهجة، والتوقف عن القول بغير علم، والتعفف، وثبات المعاملة، والتثبت من الرواية.
ويجمع أصل هذا
الطريق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ
يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا
يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ
صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى
الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ
يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»(11).
فالمطلوب ليس استعجال شهادة الناس، بل تحري الصدق في مواضعه؛ في جواب قد يرفع صاحبه أو يحرجه، وفي خبر يستطيع نشره أو التوقف عنه، وفي كلمة يقولها لمن يرجو نفعه كما يقولها لغيره، عندئذ يصبح الثناء ثمرةً للعمل، لا غايةً تُطلب بتزيين الصورة؛ ويغدو الاقتداء بطاووس إصلاحًا للسيرة قبل العناية بالسمت.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (5/ 43).
- 2 الطبقات الكبرى (6/ 66)، وصفة الصفوة (1/ 452).
- 3 التاريخ الكبير: ابن أبي خيثمة (1/ 307).
- 4 تهذيب الكمال في أسماء الرجال (13/ 359).
- 5 صحيح البخاري (2641).
- 6 سير أعلام النبلاء (5/ 43).
- 7 حلية الأولياء (4/ 16)، وتهذيب الكمال (13/ 371).
- 8 التاريخ الكبير: ابن أبي خيثمة (1/ 306).
- 9 صحيح مسلم (1/ 11).
- 10 تهذيب الكمال في أسماء الرجال (13/ 363).
- 11 صحيح مسلم (2607).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً