كيف يواجه المسلم الكوارث العالمية بروح إيمانية وبصيرة شرعية؟
يشهد العالم في
السنوات الأخيرة أزمات متلاحقة، من حروب وصراعات دامية، إلى أوبئة مدمرة وكوارث
طبيعية مفاجئة، وصولًا إلى انهيارات اقتصادية تُثقل كاهل الشعوب.
وقد بات المسلم
اليوم في قلب هذه الأحداث، إما متأثرًا بها أو متابعًا لتداعياتها، وهو يتساءل:
كيف يواجه المؤمن هذه الأزمات؟ وهل في الإسلام فقه خاص يرشده في مثل هذه النوازل؟
إننا بحاجة إلى
قراءة شرعية متجددة تُبرز كيف يوجّه القرآن والسُّنة المسلمَ في لحظات الشدة، لا
ليبقى متفرجًا أو مستسلمًا، بل ليكون عنصرًا فاعلًا يتعامل مع الكارثة بروح
الإيمان، وحسن التوكل، والعمل النافع، والبصيرة العميقة.
الإيمان بالقضاء والقدر أساس الطمأنينة
أول ما يرسخه
الإسلام في قلب المسلم عند وقوع الأزمات الإيمان الراسخ بأن كل ما يجري بقدر الله
وحكمته، قال تعالى: (مَا
أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ
مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحديد: 22).
وهذا الإيمان لا
يُطلب ليقتل في المسلم روح العمل أو يثنيه عن الأخذ بالأسباب، وإنما ليُسكّن قلبه
ويمنحه الصبر والرضا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «واعلم أن ما أخطأك لم
يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك» (رواه الترمذي).
الصبر والاحتساب سلاح المؤمن في البلاء
الأزمات امتحان
لصدق الإيمان وثبات القلوب، وقد جعل الله الصبر مقرونًا بالوعد العظيم: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ {155} الَّذِينَ
إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ
رَاجِعونَ) (البقرة).
وفي الحديث: «ما
يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا
كفّر الله بها من خطاياه» (متفق عليه).
إذن فالمؤمن لا
يرى الأزمة مجرد كارثة، وإنما باب للأجر وميدان لرفع الدرجات وتكفير السيئات.
الأخذ بالأسباب والعمل النافع
الإسلام دين
التوازن بين الإيمان بالغيب والسعي في الأسباب المادية، فقد واجه النبي صلى الله
عليه وسلم أزمات شديدة، لكنه لم يكتف بالدعاء والتضرع، بل أخذ بالأسباب العملية؛
ففي غزوة «الخندق»، حين اجتمعت الأحزاب على المدينة، لم يركن المسلمون إلى
الاستسلام، بل حفروا الخندق ووزعوا الجهود، حتى تحولت الأزمة إلى نصر.
واليوم، فإن
التعامل مع الأوبئة على سبيل المثال يستلزم الجمع بين التوكل على الله واتخاذ
التدابير الصحية والعلمية، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «فر من المجذوم فرارك من
الأسد» (رواه البخاري)؛ وهو توجيه نبوي صريح إلى الإجراءات الوقائية.
التكافل الاجتماعي وإغاثة الملهوف
من أبرز ما
تحتاجه الأمة في الأزمات إحياء قيم التكافل والتراحم، قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ
وَالتَّقْوَى) (المائدة: 2).
وكان صلى الله
عليه وسلم أرحم الناس بالضعفاء، وقال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم
مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (متفق عليه).
وفي لحظات
الأزمات الاقتصادية والفقر والحروب، يتجلى واجب المسلمين في مدّ يد العون لبعضهم
البعض، سواء عبر الصدقات أو المبادرات المجتمعية أو دعم النازحين واللاجئين.
الوعي والبصيرة وعدم الانسياق خلف الشائعات
الأزمات بيئة
خصبة لانتشار الشائعات والأخبار الكاذبة، وقد حذّرنا القرآن من هذا بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ
فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6).
ولذلك على
المسلم أن يكون واعيًا، فلا ينجرف وراء الأخبار المضللة التي قد تزيد الخوف أو
تُحدث فتنة، بل يتحرى الحقيقة، ويبحث عن المصادر الموثوقة، ويزن الأمور بميزان
الشرع والعقل.
الأزمات فرصة للتوبة والعودة إلى الله
الأزمات ليست
كلها شرًا محضًا، بل قد تكون رسائل إلهية توقظ القلوب الغافلة، وتذكّر الناس
بفقرهم وضعفهم أمام قدرة الله، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا
أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) (الأعراف: 94).
ولهذا، فإن
تحويل الأزمة إلى محطة للتوبة والرجوع الصادق إلى الله من أعظم ما يمكن أن يكسبه
المسلم في حياته.
إن فقه الأزمات
ليس مجرد تنظير فكري أو أحكام جامدة، بل هو منهج حياة يعلّم المسلم كيف يكون
ثابتًا عند الشدائد، فاعلًا في ميادين الخير، متوازنًا بين الإيمان بالغيب والعمل
بالأسباب، رحيمًا بالخلق، واعيًا لما يدور حوله، مقبلًا على الله بالتوبة والدعاء.
وبهذا الفقه
يعيش المسلم الأزمة لا ككارثة تُحطم قلبه، بل كابتلاء يُقوي صلته بالله ويجعله
لبنة في بناء أمة متماسكة واعية، قادرة على تحويل المحن إلى منح، والهزائم إلى
دروس، والشدائد إلى فرص للنهضة والإصلاح.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً