لماذا خصَّ الله تعالى الناس بالنداء؟

سعد الحلاج

11 أكتوبر 2026

2

لماذا خص الله الناس بالنداء


نتساءل عن هذا النوع من المخلوقات الذي حاز الشرف ونال تلك المنزلة، إنهم الناس الذين ناداهم الله بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 21).

إنه أول نداءٍ جاء في القرآن الكريم على الإطلاق، وتلاه نداءاتٌ لهم حتى بلغت 20 موضعاً خص الله بها الناس من بين أنواع العبيد في مملكته.

فبالرغم من كثرة عصيانهم، وشدة تمردهم، وكلُ مَن حولهم مِن العبيد يعلن ولاءه وطاعته لسيده؛ فالملائكة: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم: 6)، والسماوات والأرض: (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (فصلت: 11)، وكل شيء يسبح بحمده: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (الإسراء: 44)، وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (الحج: 18).

فأجناس الوجود كلها من جماد، ونبات، وحيوان، انتظمت في سلك الخضوع لله، والسجود له، أما الناس فقد اختلف كثير منهم عما اتفق عليه العبيد في سائر المملكة، ومع ذلك يفضلهم الله ويناديهم!

لماذا خص الله تعالى الناس بالنداء؟ 

وبالرغم من قلة عدد الناس إذا قُورن بغيره من أجناس الوجود؛ فهم حفنة من البشر تسكن جزءاً من كوكب من ملايين المليارات من الكواكب والنجوم في هذا الكون الفسيح، وهم كمجموعة من النمل، في ركن من حجرة، في عمارة شاهقة؛ فهل يدري صاحب العمارة عنها شيئاً؟

ولولا أن الله بكل شيء عليم، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض؛ لضاع الناس في غياهب الكون وما كان لهم من قيمةٍ ولا وزن، ومع ذلك يشرفهم الله ويناديهم!

وبالرغم من أن الفساد لا مكان له في كون الله ومملكته إلا حيث يوجد الناس، قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: 41).

فالفساد محصورٌ (مكاناً) فيما عبثت فيه أيدي الناس من هذه الأرض براً، وبحراً، خلافاً للخلق كله قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ {3} ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ) (الملك)، ومع فساد الناس وعبثهم في مملكة الخالق، فإنه يتجاوز عنهم ويناديهم!

وبالرغم مما بين الخالق والمخلوق والمالك والمملوك من تفاوت في العظمة والقدر، فإن الله يتقرب إلى الناس ويناديهم، إنه يناديهم لا ليتقوّى بهم أو يستطعمهم أو يستسقيهم، قال تعالى: (مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ {57} إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذاريات)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر: 15).

إذن، فلماذا يناديهم؟ إنما يناديهم ليرفعهم إليه بتوحيده والعبودية له مذكراً لهم بنِعَمِه الغامرة، ورحماته المتوالية، محذراً لهم من عدوهم، منذرًا لهم من يوم لا يجزي فيه والد عن ولده، ولا مولود هو جازٍ عن والده شيئاً.

وكان الواجب على الناس بعد هذا الشرف العظيم الكامن في هذه النداءات المتتالية من ربهم أن يسرعوا في الاستجابة لأمره، والاستباق لتنفيذه، والتنافس في إرضائه ولكنهم مع هذا كله؛ اثَّاقلوا في الإقبال عليه، واختلفوا شيعاً وأحزاباً.

أصناف الناس

وقد بين الله لنا الصنف الأول من أصنافهم، فقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ {8} يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ) (البقرة)، وهم أتباع عبدالله بن أُبي بن سلول، ممن يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر إلى يوم القيامة.

وقد تفرع من هذا الصنف فريق برعوا في إجادة المنطق، وحلاوة اللسان، وهم أتباع الأخنس بن شريق، فقد قال الله فيه وأمثاله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) (البقرة: 204).

وفريق ثانٍ؛ وهم أصحاب المنفعة، قال الله فيهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الحج: 11).

والصنف الثاني: وهم المشركون الذين قال الله فيهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) (البقرة: 165).

وتبعهم الذين فضلوا الطرب والغناء، قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ {6} وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (لقمان).

ومنهم المجادلون في الله بغير حجة ولا علم، قال الله فيهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِير) (لقمان: 20).

والصنف الثالث: صنف ضحى بنفسه، وبماله؛ إرضاءً لله، وهم أتباع سيدنا صهيب الرومي رضي الله عنه قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) (البقرة: 207).

والواضح أن الناس منهم من آمن ومنهم من كفر، وكانت النتيجة المؤسفة حقاً أن الذين كفروا أضعاف مَن آمنوا، قال تعالى: (إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَايُؤْمِنُونَ) (هود: 17)، وقال: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً) (الإسراء: 89)، والواقع يشهد بذلك؛ حيث إن سكان العالم الآن 8 مليارات نسمة تقريباً، منهم فقط ملياران تقريباً من المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة