حين تتغير الوسائل وتبقى المقاصد..
لماذا طوّر شريح القاضي أدوات القضاء مع تغير الناس؟
أورد الذهبي عن سفيان الثَّوْرِي عَنْ
أَبِي هَاشِمٍ: أَنَّ فَقِيْهاً جَاءَ إِلَى شُرَيْحٍ القاضي، فَقَالَ: مَا الَّذِي
أَحْدَثْتَ فِي القَضَاءِ؟ قَالَ: «إِنَّ النَّاسَ أَحْدَثُوا فَأَحْدَثْتُ»(1).
يمثل هذا الأثر لحظة مكثفة من تاريخ
القضاء الإسلامي، إذ يكشف عن طبيعة العلاقة بين ثبات الشريعة وتغير أحوال الناس، فالقاضي
لا يعيش في فراغ نظري، وإنما يعمل داخل مجتمع تتغير فيه الأخلاق والمعاملات وطرق
الخصومة، ولذلك فإن فقه الواقع يصبح جزءًا من حسن تنزيل العدل.
وشُرَيْح بن الحارث الكندي من أشهر قضاة
الإسلام، وقد ارتبط اسمه بالإنصاف ودقة النظر وطول التجربة في القضاء، والموقف
المنقول عنه لا يقدّم لنا مجرد جواب على سؤال فقهي، بل يكشف عن منهج عقلي في إدارة
مؤسسة حساسة: أن الغاية لا تتغير، لكن الوسائل التي تحفظها قد تتغير بحسب تغير
الأحوال.
لماذا يحتاج القاضي لتحديث وسائل كشف الحق؟
كان القضاء في العصور الأولى يعتمد على
قوة الوازع الديني وقرب الناس من المعاني التي تضبط الشهادة والخصومة، لكن توسع
المجتمعات ودخول أنماط جديدة من التعاملات أوجد تحديات مختلفة، وفي بيئة الكوفة
خصوصًا، حيث كثرت الخصومات وتداخلت المصالح، كان القاضي أمام واقع يحتاج إلى مزيد
من التثبت والتحقيق.
ولهذا لم يكن سؤال الفقيه لشريح القاضي مجرد
استفسار عن إجراء جديد، بل كان يحمل ضمنًا سؤالًا أعمق: هل يجوز للقاضي أن يغير
بعض طرق عمله عما اعتاده الناس؟ فجاء جواب شريح القاضي موجزًا لكنه يحمل رؤية كاملة: «إن
الناس أحدثوا فأحدثت».
فهو لم يقل: إن القضاء تغيرت غايته، ولم
يقل: إن الأحكام تتبدل تبعًا للأهواء، وإنما بيّن أن تغير سلوك الناس قد يستدعي
تطوير الوسائل التي تحمي الحق، فالعدل مقصد ثابت، أما الإجراءات التي توصل إليه
فهي من باب الاجتهاد والنظر في المصالح.
ومما يدل على ذلك ما هو ثابت في الفقه
السياسي الإسلامي من وجوب ارتكاز نظام الحكم على العدل والشورى، فهما قاعدتان
أساسيتان لا يمكن التنازل عنهما أو التفريط فيهما، لذلك لابد من الاحتكام إليهما
والسعي إلى تطبيقهما، لكن التطبيق العملي لهما يختلف من زمان إلى زمان ومن مكان
إلى مكان، فقد كان المسلمون في صدر الدولة الإسلامية يجتمعون لإبداء آرائهم في
مكان واحد، لكن هذا الآن مستحيل، لذلك لابد من تغيير آلية أخذ الشورى، من خلال
الوسائل المعاصرة، أما العدل فكان الخصمان يلتقيان أمام القاضي مع وجود الشهود في
المسجد، ثم تحول الأمر بعد ذلك إلى دار القضاء، ثم تطور الأمر مع تطور الأدوات حتى
صارت بعض القضايا تنظر عبر الإنترنت.
ومن هنا، يظهر الفرق بين الجمود الذي
يحفظ الصور ويضيّع المقاصد، وبين الفقه الحي الذي يحفظ المقاصد من خلال فهم
الواقع.
كيف جمع شريح القاضي بين ثبات الشريعة ومرونة التطبيق؟
من أعظم خصائص التفكير الفقهي الناضج أنه
يميز بين الأصول التي لا تتغير والأدوات التي تتبدل بحسب الزمان والمكان، فالصلاة
والزكاة والعدل والصدق مقاصد وأحكام لها ثباتها، أما وسائل الإدارة والتوثيق
والتنظيم والحماية من التلاعب فهي من المجالات التي يدخلها الاجتهاد.
وهذا المعنى ينسجم مع قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا
بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ
النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد: 25)، فالمقصد الأعلى هو قيام الناس بالقسط،
وكل وسيلة معتبرة تحقق كشف الحق وحماية الحقوق تدخل في خدمة هذا المقصد.
وقد كان من هدي الصحابة والتابعين النظر
في النوازل بما يحقق مصالح الناس، ومن ذلك اجتهادات عمر بن الخطاب رضي الله عنه في
تنظيم شؤون الدولة، واتخاذ إجراءات جديدة لم تكن موجودة في العهد الأول حين دعت
الحاجة إليها، كاتخاذ التنظيمات والدواوين وتأسيس التاريخ الهجري وتحديث الإجراءات
الإدارية بناءً على المصلحة العظيمة وثبات مقاصد الشريعة دون الخروج عنها.
وهذا يقود إلى قاعدة مهمة في العمل
المؤسسي: ليس كل جديد مرفوضًا، كما أن ليس كل قديم مقدسًا في الوسائل؛ وإنما
الميزان هو مدى خدمته للحق والعدل.
الشجاعة العلمية في مواجهة الاعتراض على التجديد
يكشف جواب شريح القاضي عن جانب نفسي مهم؛ فالقائد
الذي يعمل في بيئة حساسة غالبًا ما يواجه اعتراضات من أصحاب التصورات التقليدية، وكان
يمكن لشريح أن يدخل في دفاع طويل أو يبرر موقفه بكثرة الكلام، لكنه اختار عبارة
قصيرة تحمل ثقة العالم الذي يعرف لماذا فعل ما فعل.
هذه القدرة على الاختصار ليست مجرد مهارة
لغوية، بل علامة على وضوح الرؤية، فالإنسان حين يضطرب في دوافعه يكثر من التبرير،
أما من يملك تصورًا واضحًا فإنه يستطيع التعبير عن موقفه بأقل الكلمات.
وفي واقع المؤسسات اليوم، يحتاج المسؤول
إلى هذه الملكة؛ فالتطوير الحقيقي لا يأتي دائمًا بإرضاء الجميع، بل يحتاج أحيانًا
إلى مواجهة الاعتراضات التي تنطلق من الاعتياد لا من البرهان.
لكن شجاعة التغيير لا تعني الانفصال عن
التراث، بل تعني فهم روحه، فشريح لم يخرج عن مقصد القضاء، وإنما بحث عن الطريق
الذي يحفظه في واقع جديد.
وقد طبّق أبو بكر الصديق رضي الله عنه
ذلك عند وقوع الردة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
أنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهم: عَلَامَ
تُقَاتِلُ النَّاس؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم:
«أُمرت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاس حتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا منِّي
دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا»؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ
لَوْ مَنَعُونِي
عِنَاقًا، وَفِي رِوَايَةٍ: عِقَالًا
كَانُوا يؤدُّونه إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم
لأقاتلنَّهم عَلَى مَنْعِهَا، إنَّ الزَّكاة حقَّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لأقاتلنَّ مَنْ
فرَّق بَيْنَ الصَّلاة والزَّكاة، قَالَ عُمَرُ: فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ
اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أنَّه الْحَقُّ(2).
القيادة القضائية لشريح القاضي.. وإدارة الأخطار قبل وقوعها
يمكن قراءة موقف شريح القاضي بوصفه نموذجًا
مبكرًا لإدارة المخاطر، فالقاضي لا يتعامل فقط مع الوقائع الظاهرة، بل ينظر إلى
احتمالات التحايل ومحاولات استغلال الثغرات.
عندما تتغير طرق الناس في الخصومة، يجب
أن تتغير درجة الاحتياط في التثبت، وهذا ليس سوء ظن بالمجتمع، بل حماية للحقوق من
أن تضيع بسبب ضعف بعض النفوس.
وترتكز فكرة إدارة الأخطار قبل وقوعها
على التخطيط والاحتياط واتخاذ أدوات التوثيق والحماية قبل الوقوع في الأخطار كما
فعل النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته بالتخفي والتستر واتخاذ الأسباب، واستئجار
عبدالله بن أريقط، وكذلك في حفر الخندق حول المدينة بخبرة سلمان الفارسي رضي الله
عنه للوقاية من أخطار هجوم الأحزاب قبل وصولهم(3).
وكذلك موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه
في قصة «طاعون عمواس» بالرجوع عن الشام وعدم الدخول إليها إدارةً للمخاطر
والاحتياط للرعية قبل السقوط في البلاء(4).
وهذا المعنى حاضر في مؤسسات العصر؛
فالقوانين والأنظمة الإدارية تتطور لأن أساليب المخالفات تتطور، والمؤسسة الناجحة
ليست التي تنتظر وقوع الخلل ثم تعالجه، بل التي تراقب التحولات وتبني أدوات
الوقاية قبل اتساع المشكلة.
ومن هنا، فإن عبارة شريح القاضي تحمل مفهومًا
قياديًا واسعًا؛ فساد الواقع لا يعالج فقط بالمواعظ، بل يحتاج إلى أنظمة عادلة
تحاصر أسباب الانحراف.
فهم النفس الإنسانية شرط للعدالة الناجزة
لا يمكن فهم موقف شريح القاضي بعيدًا عن معرفته
بطبيعة الإنسان، فالقضاء ليس تطبيقًا آليًا للنصوص، بل هو تعامل مع نفوس ودوافع
ومصالح متعارضة.
والقاضي الناجح لا ينظر فقط إلى الكلمات
التي تقال أمامه، بل يدرك احتمالات الخداع والتلاعب، ويوازن بين الظاهر والقرائن
والبينات، ولهذا كان علم القضاء من أدق العلوم؛ لأنه يجمع بين الفقه والفهم العميق
للناس.
ولهذا حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من
التلاعب بالكلام وتحسينه بغرض أن يأخذ الإنسان ما ليس له، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ
بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي نَحْوَ
مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ،
فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ»(5).
وفي هذا يظهر جمال المنهج الإسلامي؛ فهو
لا يبني أحكامه على تصور مثالي للإنسان، بل يعترف بوجود الصالح والطالح، ولذلك شرع
وسائل تحفظ الحقوق عند اختلاف النفوس.
وفي حياتنا المعاصرة، يظهر هذا المعنى في
التربية والتعليم والعمل والإدارة؛ فالأنظمة الناجحة لا تقوم على حسن النية فقط،
بل تجمع بين بناء القيم ووضع الضوابط التي تمنع استغلال الثغرات.
البلاغة القضائية في صياغة القواعد والمبادئ العامة
تميز جواب شريح بجمال بلاغي نادر؛ فقد
قابل بين لفظين متشابهين؛ «أحدثوا» و«أحدثت»، لكن التشابه اللفظي يخفي اختلافًا في
المعنى.
فإحداث الناس كان متعلقًا بتغير في
السلوك أدى إلى ظهور الحاجة، أما إحداث القاضي فكان استجابة إصلاحية لحماية المقصد،
وكأن العبارة تقول: حين تتغير وسائل الإفساد، لا بد أن تتغير وسائل الإصلاح.
وهذه من خصائص الحكم البليغة؛ إذ تختصر
تجربة طويلة في كلمات قليلة، وتترك للقارئ مجالًا للتأمل في العلاقة بين الإنسان
والنظام والواقع.
وفي المجال القضائي جاءت العديد من
العبارات القصيرة في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لكنها تختصر فلسفة كاملة
ومنهجا متكاملا في التعامل مع القضايا الإنسانية، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم
عن العصبية: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ»(6)، وقوله صلى الله عليه
وسلم: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»(7)، فهي قاعدة
مختصرة تؤسس لفلسفة قضائية كاملة في إثبات النسب.
تحديث أدوات القضاء والتربية والدعوة والإدارة مع حفظ الثوابت
في عالم اليوم، حيث تتسارع التغيرات في
التقنية والإدارة والإعلام والعلاقات الاجتماعية، يصبح درس شريح أكثر حضورًا، فالمربي
يحتاج إلى تطوير أدواته مع بقاء قيم التربية، والداعية يحتاج إلى فهم لغة العصر مع
ثبات أصول الدعوة، والمدير يحتاج إلى تحديث أنظمته مع المحافظة على العدل
والشفافية.
المشكلة ليست في التغيير ذاته، وإنما في
غياب الميزان الذي يوجهه، فالتغيير بلا مقصد قد يكون فوضى، والثبات بلا فهم قد
يتحول إلى عجز عن مواجهة الواقع.
ولهذا، فإن فقه شريح يعلم أن الحكمة ليست
في رفض الجديد ولا في اتباعه، بل في معرفة موقعه من الحق والمصلحة.
ويبقى موقف شريح بن الحارث الكندي شاهدًا
على أن القضاء الإسلامي لم يكن مجرد حفظ لإجراءات موروثة، بل كان علمًا حيًا
يتفاعل مع الإنسان والمجتمع، فقد أدرك أن حماية العدل تحتاج إلى عقل يقرأ الواقع،
وأن الوسائل إذا أصبحت عاجزة عن أداء وظيفتها وجب تطويرها بما لا يخالف المقاصد.
إن عبارة «إن الناس أحدثوا فأحدثت» ليست تبريرًا للتغيير المطلق، بل قاعدة في فقه الإدارة والإصلاح: كلما ظهرت تحديات جديدة احتاج أهل المسؤولية إلى اجتهاد جديد يحفظ الثوابت ويطور الأدوات.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (5/ 50).
- 2 البداية والنهاية: ابن كثير (6/ 343).
- 3 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (3/ 117).
- 4 شذرات الذهب في أخبار من ذهب: ابن العماد (1/ 164).
- 5 متفق عليه، أخرجه البخاري (7169)، ومسلم (1713).
- 6 متفق عليه، أخرجه البخاري (4907)، ومسلم (2584).
- 7 متفق عليه، أخرجه البخاري (7182)، ومسلم (1457).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً