لماذا نقف مع فلسطين وغزة؟

المسجد_الأقصى_وقبة_الصخرة_وطفل_فلسطيني_يرفع_علم_بلاده

يتكرر سؤال يستحق أن نناقشه بعيداً عن المزايدات والعواطف: لماذا نقف مع فلسطين وغزة؟ أليست هذه قضيتهم ولدينا في دولنا من القضايا ما هو أولى؟ ثم يضاف إليه: وماذا عن مواقف صدرت من بعض الفلسطينيين أو فصائلهم وأساءت إلى دول عربية وشعوبها؟

أعتقد أن الإجابة تحتاج إلى إعادة ترتيب المفاهيم قبل المواقف؛ لأن القضية أكبر من موقف سياسي عابر، ويمكن اختصارها في النقاط التالية:

1- الخلل يبدأ من ضعف مفهوم «الأمة»: الدولة الوطنية حقيقة سياسية وقانونية يجب احترامها، وللوطن حق خاص علينا في أمنه واستقراره وتنميته ومصالح شعبه، لكن هذا لا يعني أن تتحول الحدود إلى جدران تلغي كل ما وراءها، فقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: 10)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد» (متفق عليه).

ولقد تشكل النظام الإقليمي الحديث عبر عوامل تاريخية متعددة، كان من بينها الاستعمار الأوروبي وترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى، لكن الحدود السياسية، مهما كانت أهميتها، لا تلغي روابط الدين والتاريخ والثقافة واللغة، فالدولة الوطنية لا تلغي الأمة، كما أن الانتماء إلى الأمة لا يلغي الوطن.

2- فلسطين ليست قضية سياسية فقط، بل لها خصوصية إسلامية: من الخطأ اختزال علاقتنا بفلسطين في السياسة المعاصرة، فهي حاضرة في النصوص قبل قيام الدول والتنظيمات السياسية الحديثة، فقال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) (الإسراء: 1)، فهي قضية مرتبطة بالعقيدة والتاريخ الديني، وليس بحدث سياسي طارئ.

3- والقول: إن «المقدس هو المسجد فقط» لا يستقيم مع مجموع النصوص: فالقرآن لم يقل إن البركة محصورة داخل جدران المسجد، بل قال: (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)، وقال: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ) (المائدة: 21)، وقال عن إبراهيم ولوط عليهما السلام: (إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 71).

وفي الصحيحين أن موسى عليه السلام سأل الله عند موته أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، وجاء في الحديث المشهور: «لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين.. ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس» (رواه أحمد والطبراني، وقال الهيثمي عن إسناده: رجاله ثقات).

وهذا كله يدل أننا أمام المسجد الأقصى، وما حوله، والأرض المقدسة، وبيت المقدس وأكنافه، وليس أمام مبنى منفصل عن محيطه!

4- فلسطين قضية مستضعفين أيضاً: فحتى لو جردنا القضية من بعدها الديني والعربي، يبقى السؤال الإنساني، قال تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) (النساء: 75)، فالطفل والمدني والمريض والنازح لا يفقد حقه في الحياة والكرامة لأننا نختلف سياسياً مع حكومة أو فصيل.

5- «ولكن بعض الفلسطينيين أساؤوا إلى دولنا وشعوبنا»: نعم، ومن أساء إلى دولة معينة من دولنا نرفض إساءته بوضوح، ولا نقدس شعباً ولا حزباً ولا فصيلاً، وهذه قاعدة في كل القضية، لكن هل نحمل شعباً كاملاً خطأ بعض أبنائه؟ فقال تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (فاطر: 18)، فبأي عدل يحمل طفل في غزة مسؤولية تصريح سياسي؟! وبأي منطق تفقد أسرة حقها لأن شخصاً من جنسيتها اتخذ موقفاً سيئاً تجاه بلد من البلدان؟

نحن لا نقف مع الفلسطيني لأنه معصوم، نقف معه حين يكون صاحب حق، ونرفض خطأه حين يخطئ، وهذا أدق من المواقف العاطفية في الاتجاهين؛ لأن أيضاً بالمقابل من الخطأ أن يتيقن الفلسطيني مثلاً أو في أي قضية أخرى أن أي إساءة ضدهم تمثل شعباً بعينه.

6- «هذه قضيتهم.. ونحن أولى بقضايانا»: وهذه في رأيي ثنائية غير صحيحة، فنعم الكويت مثلاً أولى بمسؤوليتنا الوطنية المباشرة؛ أمنها وتعليمها واقتصادها وتنميتها وإصلاح مؤسساتها ومصالح شعبها، ولكن من قال: إن إصلاح التعليم في الكويت مثلاً يتعارض مع رفض قتل طفل في غزة؟! ومن قال: إن المطالبة بالإصلاح الداخلي تمنع الإنسان من اتخاذ موقف أخلاقي من قضية خارج حدوده؟ فالوطنية تحدد مسؤوليتنا المباشرة، لكنها لا تلغي مسؤوليتنا الدينية والعربية والإنسانية.

7- فلسطين قضية عربية أيضاً: ففلسطين ليست جزيرة بعيدة عن المنطقة؛ وإنما جزء من تاريخها وجغرافيتها وثقافتها، وتداعيات قضيتها أثرت لعقود في الأمن والسياسة والمجتمع العربي، لذلك فقول: «هذه قضيتهم وحدهم» يتجاهل التاريخ والجغرافيا معاً.

8- والمفارقة أن الغرب نفسه أصبح أكثر تفاعلاً مع القضية: من اللافت أن قطاعات متزايدة في المجتمعات الغربية، وخصوصاً بين الشباب، أصبحت أكثر نقداً للسياسات «الإسرائيلية» وأكثر اهتماماً بحقوق الفلسطينيين.

وأظهرت استطلاعات حديثة لمركز «Pew Research Center» مثلاً في عام 2026م، ارتفاع النظرة السلبية إلى «إسرائيل» في عدد من الدول الغربية؛ فبلغت 60% في الولايات المتحدة، و65% في كندا، و73% في ألمانيا، و78% في إسبانيا والسويد، وفي الولايات المتحدة نفسها ظهرت تحولات لافتة بين الشباب في النظرة إلى الفلسطينيين و«الإسرائيليين».

ولا يعني ذلك أن «الغرب أصبح فلسطينياً»، ولا أن الصهيونية انتهت؛ فهذه مبالغة، لكنه مؤشر على تراجع صورة «إسرائيل» وتراجع فاعلية بعض سرديات الخطاب الصهيوني التقليدي لدى قطاعات معتبرة من الرأي العام الغربي.

وهنا المفارقة: إذا كان شاب في جامعة غربية لا تجمعه بفلسطين رابطة دين أو عروبة يرى القضية جديرة بالدفاع والنقاش، فكيف يقال للمسلم والعربي: وما شأنك بفلسطين؟

9- نحن أمام دوائر انتماء متكاملة لا متصارعة: فيمكن للإنسان أن يكون كويتياً في مسؤوليته الوطنية، وعربياً في انتمائه الثقافي والحضاري، ومسلماً في انتمائه إلى أمته، وإنساناً في موقفه من المظلوم، ولا ينبغي أن نضع هذه الانتماءات في معركة وهمية، فنحن مع وطننا ومصالحه، ومع أمتنا وقضاياها، ومع الإنسان في حقه وكرامته.

وأخيراً، فالقضية ليست «نحن أم هم؟»، بل «أين الحق؟»: لا نقدس الفلسطيني، ولا نبرر أخطاء الفصائل، ولا نقبل الإساءة إلى أوطاننا، ولا نجعل فلسطين بديلاً عن قضايانا الوطنية.

وفي المقابل، لا نحمل شعباً ذنب فرد، ولا طفلاً موقف حزب معين، ولا نسقط حقاً بسبب خصومة سياسية، نحن مع الفلسطيني حين يكون صاحب حق، وضده إذا ظلم غيره، وهكذا مع كل الشعوب بنفس القاعدة، ومع أوطاننا دون أن نتخلى عن أمتنا، ومع أمتنا دون أن نتخلى عن إنسانيتنا.

وهذا هو الميزان الذي يغيب حين تتحول القضايا إلى عصبيات؛ (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8)، ففلسطين ليست اختباراً لمقدار عاطفتنا فقط، وإنما اختبار لمدى اتساقنا مع مفهوم الأمة، ومع العدل، ومع المبادئ التي نطالب بها لأنفسنا.

والله المستعان.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة