لماذا يغضب البعض حين تنجح؟

5 مظاهر جديدة للحسد على المواقع الرقمية

عزة مختار

05 أكتوبر 2026

34

لوحة مائية فيه صورة فتاتين، ومتكوب بها 5 مظاهر جديدة للحسد

تسلّط منصات التواصل الاجتماعي الضوء على مفارقة إنسانية لافتة؛ ففي الوقت الذي تتلاشى فيه الفواصل الزمانية لنشر أخبار النجاح من وظيفة جديدة أو درجة علمية أو جائزة، تتفاوت ردود الفعل بين احتفاء صادق، وصمت غريب، وتعليقات ساخرة، تتساءل هذه المادة عن حقيقة هذا الصمت والغياب، وهل يتجاوز الأمر مجرد انشغال عابر إلى مظاهر جديدة للحسد تلك الآفة قديمة، وهي الحسد في الفضاء الرقمي؟

التأصيل الشرعي والتربوي لمفهوم الحسد

الحسد آفة حذرت منها الشريعة الإسلامية، عرفه ابن القيم بأنه: «بغض نعمة الله على المحسود وتمني زوالها»(1)، وقد علمنا الله تعالى الاستعاذة من شره: (وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) (الفلق: 5).

ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآفة بقوله: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً» (رواه البخاري، ومسلم)، وبيّن ابن مسعود خطورة هذه الخصلة بقوله: لا تعادوا نعم الله عز وجل، قيل: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله(2).

ويصف ابن القيم الحاسد بأنه صاحب نفس ذميمة ساقطة، دفعه عجزه ومهانته إلى تمني زوال خير غيره ليساويه في العدم(3)، بينما يجمل الماوردي سوء هذا الخلق بكونه يتوجه غالباً نحو الأكفاء والأقارب والمخالطين، فيضر صاحبه بالهم والغم دون أن ينال شيئاً من المحسود(4).

5 مظاهر جديدة للحسد في العصر الرقمي

رغم قدم هذه الظاهرة، فإن العصر الرقمي أتاح لها أدوات جديدة للتعبير والتخفي، منها:

1- الانسحاب الصامت عند النجاح:

امتناع غير معتاد عن التعليق أو المباشرة بالتهنئة، ومع ذلك، لا يُعدّ كل صمت حسداً؛ فقد يعود لانشغال، أو تفضيل للتهنئة المباشرة، أو جهل بأسلوب التعبير، وحين يرى الإنسان فضلاً لدى غيره، فالمشروع له أن يسأل الله من فضله: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) (النساء: 32).

2- تصغير النجاح والتقليل منه:

يلجأ الحاسد إلى التقليل من قيمة الإنجاز بتعليقات باردة، مثل: «الدورة سهلة ومتاحة للجميع»، «النشر أصبح بلا ضوابط»، «الجوائز تُشترى».. هذا السلوك ليس نقداً موضوعياً، بل محاولة لكسر فرحة الناجح، وهو مصداق قوله تعالى: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا) (آل عمران: 120).

3- النميمة والهمز خلف الشاشات:

تحول الحسد من ضيق قلبي مكتوم إلى تشويه علني لسمعة الناجح للتشكيك في استحقاقه، وقد كشفت دراسة حديثة على مستخدمي «إنستجرام» عن وجود ارتباط وثيق بين استخدام المنصة والميل للنميمة لدى الأفراد الذين يتملكهم الحسد الخبيث بدفع من الرغبة في إحباط المتفوقين(5).

4- تحويل المنشورات إلى حرب تعليقات:

استغلال السحر الرقمي والأسماء المستعارة لإطلاق تعليقات ساخرة تُربك المتابعين وتستفز صاحب الإنجاز؛ ما يحول مساحة الاحتفاء إلى ساحة مهاترات تفتقر لأخلاقيات النقد البناء.

5- المراقبة التربصية الصامتة:

متابعة دقيقة للمنشورات والصور وعدد المتابعين، لا بدافع الحب، بل بحثاً عن زلة أو تعليق سلبي يخفف ما في النفس من غل.

الضوابط والموازين

لا ينبغي تفسير كل متابعة أو صمت على أنه حسد؛ فالمتابعة قد تكون تقديراً واستلهاماً، والمنافسة الشريفة محمودة شرعاً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار» (رواه البخاري، ومسلم)، وهو ما ينسجم مع التوجيه القرآني: (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) (آل عمران: 133).

وفرت الشاشات منافذ جديدة لأمراض النفوس، إلا أن الحكمة تقتضي ألا يرهن الإنسان فرحته ببنك التعليقات والإعجابات، فالقيمة الحقيقية للنجاح تكمن في أثره وقربه من الله، لا في تصفيق الآخرين.

الهوامش
  • 1 ابن القيم، بدائع الفوائد (2/ 233).
  • 2 ابن عبد البر، بهجة المجالس وأنس المجالس (1/ 407).
  • 3 ابن القيم، الروح، ص 252.
  • 4 الماوردي، أدب الدنيا والدين (1/ 269-270).
  • 5 نيلز فان دي فين، دراسة: الارتقاء بالذات مقابل إحباط الآخر: تجارب الحسد الحميد والخبيث، دورية الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة