ماذا بعد إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين؟

يثير القانون الجديد المتعلق بإعدام الأسرى الفلسطينيين سؤالاً محورياً حول مدى قدرة دولة الاحتلال على تطبيقه عملياً، فحتى الآن، كان الفلسطيني الذي يُدان بقتل «إسرائيليين» يُحكم عليه بالسجن المؤبد المتعدد، ويوجد الآن في سجون الاحتلال ما يصل إلى حوالي 200 أسير ينطبق عليهم هذا الأمر، وبما أن القانون لم يُقرّ بأثر رجعي، فإن تنفيذه على هذه الفئة لن يكون ممكناً.

واقع التطبيق القانوني ومصير أسرى غزة

غير أن الإشكال الأكبر يتعلق بنحو 1200 أسير من قطاع غزة اعتقلتهم «إسرائيل» بعد السابع من أكتوبر وصنّفتهم «مقاتلين غير شرعيين» دون محاكمات؛ ما يجعلهم الهدف الأبرز لأي تطبيق مستقبلي للقانون عبر محاكمات عسكرية قد تُفضي إلى أحكام بالإعدام، هذا مع العلم بأن المفترض، حسب خبراء القانون، أن هؤلاء الأسرى من قطاع غزة سيسن لهم قانون خاص، ولا يمكن تطبيق القانون الجديد عليهم.

لكن إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي «الإسرائيلي»، يبدو متحمساً لفكرة إعدامهم سواء بهذا القانون أو بقانون خاص، وذلك باعتبار أن إقرار قانون الإعدام يعد سابقة في تثبيت فكرة الإعدام نفسها في قوانين الاحتلال.

الخلفيات السياسية للقانون والمواقف الداخلية للاحتلال

لا بد من أن نفهم واقع هذا القانون كي نستوعب أبعاده، حيث يأتي القانون الذي أقرّه «الكنيست» بالقراءتين الثانية والثالثة، ليشكّل تحولاً نوعياً في منظومة القضاء العسكري لدى الاحتلال، فبعد أن كان الحكم بالإعدام مشروطاً بإجماع القضاة وطلب النيابة العامة، أصبح يكفي صدوره بأغلبية، دون الحاجة إلى طلب من النيابة.

كما أُلغيت صلاحية قائد الجيش في منح العفو أو تخفيف الحكم، وأُدخل تعديل يمنع الحكومة من الإفراج عن أي مدان أو مشتبه أو متهم بجريمة عقوبتها الإعدام، بما يقطع الطريق على أي صفقات تبادل مستقبلية، كذلك حُددت مهلة تنفيذ الحكم بتسعين يوماً قابلة للتمديد لمرة واحدة بقرار من رئيس الوزراء.

ولا يقتصر أثر القانون على إجراءاته، بل يتجلى أيضاً في طبيعته التمييزية؛ إذ يطبّق على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، دون أن يشمل اليهود الخاضعين للقانون المدني في دولة الاحتلال، ما يجعله امتداداً لمنظومة قضائية مزدوجة تقوم على أساس عرقي واضح.

ورغم أن بن غفير كان قد طرح هذا القانون ضمن برنامجه الانتخابي عام 2022م، فإن إقراره النهائي لم يكن كاملاً وفق رؤيته الأصلية؛ إذ لم يتمكن من فرض إلزامية الحكم بالإعدام على القضاة، وبقي لدى القضاة فرصة عدم الحكم بالإعدام، كما فشل في تمرير بند تطبيق القانون بأثر رجعي، وهو ما كان يصرخ بالمطالبة به في كل وقت خلال الأعوام الأربعة الماضي، ويرتبط ذلك بضغوط مارسها نتنياهو، الذي سعى إلى الاحتفاظ بهامش مناورة أمام الانتقادات الأوروبية، رغم حضوره شخصياً جلسة التصويت لضمان تمرير القانون، مستنداً إلى دعم واسع في الرأي العام «الإسرائيلي».

أما على مستوى المعارضة الداخلية في دولة الاحتلال، فقد جاءت المعارضة من زوايا مختلفة، فاليسار في دولة الاحتلال، ممثلاً بالمنظمات الحقوقية، اعتبر أن القانون يضر بصورة دولة الاحتلال في العالم، ولجأ إلى المحكمة العليا للطعن في القانون بوصفه تمييزياً، غير أن هذا المسار يصطدم بواقع صراع حاد بين الحكومة والجهاز القضائي؛ ما يضعف فرص إلغائه، بل قد يحوّله إلى أداة ضمن معركة أوسع للسيطرة على القضاء، إلا لو رأى اليسار أن هذه فرصته لضرب قدرة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على السيطرة على الجهاز القضائي، وهي معركة قديمة بدأت منذ نشأة هذه الحكومة عام 2022م ولم تنته بعد.

أما الجيش، فقد عبّر عن تخوفات أمنية من تداعيات انتقامية محتملة لدى الفلسطينيين، وهو موقف سبق أن تبنّته مرجعيات دينية حريدية قبل أن تغيّره لاحقاً في سياق صفقات سياسية مرتبطة بالميزانية.

وفي ضوء ذلك كله، يبدو أن القانون لا يقتصر على كونه إجراءً قانونياً، بل يمثل تحولاً في طبيعة التعامل مع الأسرى الفلسطينيين، خاصة في ظل ما سُجل من تصاعد رهيب في التعذيب داخل السجون واستشهاد عدد من الأسرى منذ السابع من أكتوبر 2023م.

ومع أن بن غفير، وسيده نتنياهو، يتغنيان بأن هذا القانون سيؤدي إلى ردع الفلسطينيين، فإن تأثيره في الحقيقة قد يسير في اتجاه مغاير، إذ إن الفلسطيني الذي لم يعد يرى ما يخسره قد لا يتعامل معه كأداة تهديد، بل كعامل إضافي لتجاوز الخوف من الاعتقال.


اقرأ أيضاً:

قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.. ما خطورته؟ وكيف يمكن مواجهته؟

الأسرى في السجون الصهيونية.. بين القانون الدولي والانتهاكات الفاضحة!


الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة