ماذا تخفي أرقام المقتحمين في المسجد الأقصى؟

مجموعة من المقتحمين اليهود في ساحات المسجد الأقصى

بعد أقل من أسبوعين على انتهاء موسم الأعياد اليهودية، شرعت جماعات المعبد المتطرفة تحت حماية سلطات الاحتلال في توسيع مدخل ممر المستوطنين إلى المسجد الأقصى المبارك من خارج باب المغاربة، وهو الباب الذي ما زال الاحتلال يحتفظ بمفاتيحه منذ احتلال شرقي القدس عام 1967، ويُدخِل منه المستوطنين إلى المسجد منذ عام 2003م.

هذا ليس خبراً عابراً ولا يصح أن يكون كذلك، فأول ما يتبادر إلى الذهن عند سماع خبرٍ كهذا أن المقصود استيعاب أعداد أكبر من المقتحمين في المواسم القادمة، وهذا الاعتبار صحيحٌ جزئياً، فقد سجّل «عيد العُرُش» هذا العام أعلى عدد من المقتحمين في هذا العيد حتى الآن، إذ تجاوز 9 آلاف مستوطن، مقابل نحو 7 آلاف في العام الماضي، وارتفع العدد خلال رأس السنة العبرية و«يوم الغفران» و«العُرُش» معاً إلى أكثر من 11400 مستوطن، حسب ما ورد في المصادر.

لكن هذه الأرقام -على أهميتها بالطبع- لا تقول لنا كل شيء، بل نزعم أن الوقوف عندها وحدها، كما يحدث في كثير من التغطيات الإعلامية لما يجري في المسجد، يخفي الجانب الأخطر في هذا الموسم، وهو ما فعله هؤلاء المقتحمون بعد أن دخلوا المسجد، لا عددهم.

اقتحامات المسجد الأقصى.. الطقوس تتجاوز أعداد المستوطنين

المقتحمون هذا العام لم ينتظروا الوصول إلى المنطقة الشرقية من المسجد، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى محطتهم الرئيسة، وإنما بدؤوا صلواتهم الجماعية العلنية منذ اللحظات الأولى لدخولهم، وانتشرت صلواتهم وجلساتهم على طول مسار الاقتحام والمصاطب حتى محيط مصلى باب الرحمة، وأقاموا حلقات الرقص والغناء، ودخلوا المسجد بكتب الصلاة والملابس الدينية والقمصان التي تحمل شعارات المعبد، وأدخلوا «التفلين»، بل تركوا «القرابين النباتية» الخاصة بـ«العُرُش» موضوعة على حجارة المسجد في المنطقة الشرقية، أما البوق فقد نُفخ داخل المسجد 30 مرة، في 13 سبتمبر الماضي وحده!

ولنا أن نتخيل حجم الاستفزاز في مشهدٍ كهذا، يؤدي فيه المستوطنون شعائر عيدهم كاملة وعلناً داخل المسجد كأنهم في معبد قائم بالفعل، حتى باتت المنطقة الشرقية من الأقصى أقرب إلى كنيس غير معلن، وهذه بالضبط الأولويات التي أعلنها وزير الأمن القومي إيتمار بنغفير قبل بدء الموسم حين حددها بالبوق، والتيفلين، وفتح المسجد للمقتحمين يوم السبت، وجعل المعبد غايتها النهائية، وقد تحقق له منها اثنتان هما البوق والتيفلين في هذا الموسم وحده.

وجماعات المعبد المتطرفة تفهم ذلك جيداً وتعتبره انتصاراً حقيقياً لها، وهو ما عبّر عنه بوضوح أليشع وولفسون، الذي نصّب نفسه حاخاماً لما يسمى «مدرسة جبل المعبد الدينية» التي تتخذ من المسجد الأقصى مقراً لها، حين خرج قبل أيام في مقطع مصور يقول فيه: إن الانتصار الحقيقي إنما يكون في المسجد الأقصى عبر بناء المعبد وإقامة كنيس فيه، وهو الرجل نفسه الذي تباهى قبل نحو 3 أشهر بأن المكان صار يشهد الأغاني والصلوات والسجود، بعد أن كانت الصلاة الصامتة فيه قبل 6 سنوات كافية لاحتجاز صاحبها!

والحقيقة أن هذا الكلام يكشف طريقة تفكير هذه الجماعات، فهي لا تُهمل الأعداد بالتأكيد، وقد سبق أن أشرنا إلى أن تكثيف وجودة المستوطنين في المسجد يحمل في رؤيتها الدينية معنى «الإشارة» إلى الرب كي يحقق وعوده، لكن الأعداد عندها وسيلة لملء المسجد بالطقوس، والطقوس وسيلة للتعامل مع «الأقصى» باعتباره معبداً قائماً الآن قبل أن يُبنى المعبد على الأرض؛ أي أن المطلوب في هذه المرحلة هو التأسيس المعنوي للمعبد، وهنا منبع الخطورة.

باب المغاربة.. لماذا يجري توسيع مدخل المقتحمين؟

ومن هذه الزاوية تحديداً ينبغي قراءة توسيع مدخل الممر عند باب المغاربة، فعيد «العُرُش» واحد من أعياد الحج الثلاثة المرتبطة بالمعبد في الرواية التوراتية، و«المعبد» الذي يُراد فرضه معنوياً اليوم يحتاج إلى حجاج يصلون إليه بلا عوائق، وليس من قبيل المصادفة أن نعلم أن هذه الجماعات كانت قد وضعت هذه النقطة في أجندتها منذ عام 2022م على الأقل، حين أعلنت أنها ناقشت مع مسؤولين في حكومة الاحتلال إزالة التلة الترابية والجسر الخشبي عند باب المغاربة، وبناء جسر ثابت واسع مكانهما يتناسب مع حجم اقتحاماتها.

وهنا تأتي مشكلة الإعلام الذي ما زال في معظمه يقرأ ما يجري في المسجد من خلال عدّاد الأرقام اليومي، وهي قراءة تخدم –دون قصد– الرواية التي تريدها جماعات المعبد، فالرقم يرتفع وينخفض، وقد يأتي يوم ينخفض فيه عدد المقتحمين فيظن الناس أن الخطر تراجع، في حين تكون الطقوس قد استقرت في أماكنها داخل المسجد، ويزيد الأمرَ تعقيداً أن الاحتلال احتكر الصورة في هذا الموسم بعد منع الصحفيين والناشطين من دخول المسجد، فصارت الأرقام وما ينشره المستوطنون أنفسهم أكثر ما يخرج من مرابطي المسجد الأقصى ودائرة الأوقاف وغيرها من المؤسسات الفلسطينية التي لم تعد تستطيع رصد ما يجري.

المسجد الأقصى والمقدسيون.. التضييق يتجاوز الاقتحامات

أما حكومة الاحتلال فتسير في الاتجاه نفسه من زاوية أخرى، إذ تعمل على تكييف حياة المقدسيين مع هذا الواقع الجديد الذي تريد فرضه تدريجياً وبالقوة، وقد رأينا ذلك بوضوح، الأحد 11 أكتوبر الجاري، حين منعت سلطات الاحتلال عائلة الشاب المقدسي إبراهيم حسن شلبي الذي توفي في حادث سير، من الصلاة عليه في المسجد الأقصى، واشترطت أن تقام صلاة الجنازة في مسجد آخر، فتقرر نقلها إلى مسجد شومان في بيت حنينا، على أن يُدفن بعدها في مقبرة باب الرحمة الملاصقة لسور المسجد! وهذه سابقة سيكون لها ما بعدها إن مرَّت ببساطة كما يريد الاحتلال.

قد يبدو هذا الحدث تفصيلاً صغيراً أمام آلاف المقتحمين وأخبار الطقوس وغيرها مما يجري في المسجد، لكنه لا يقل خطورة عنهم، فالمسجد الأقصى المبارك بمساحته الكاملة البالغة 144 دونماً بما فيها الجامع القبلي وقبة الصخرة وجميع الساحات، كان دائماً مركز الحياة الاجتماعية والروحية للمقدسيين، فيه يصلّون ويتعلمون، ومنه يودّعون موتاهم، والاحتلال حين يسحب منه الجنازة، بعد أن أفرغه من حلقات العلم والمرابطين، إنما يريد أن يحوّله إلى مجرد مكان لأداء الصلاة باعتبارها طقوساً دينية مجردة وفي الأوقات التي يسمح بها هو فقط.

ولا ننسى هنا أن شرطة الاحتلال طلبت من بعض المصلين في موسم الأعياد بعد صلاة الفجر ألا يعودوا قبل الثالثة والنصف عصراً، وحددت لمن سُمح له بالدخول أماكن جلوسه داخل المصليات المسقوفة فقط، بينما بقيت الساحات مفتوحة للمقتحمين.

والنتيجة التي تريدها دولة الاحتلال من ذلك كله واضحة؛ مسجد يدخله المسلمون للصلاة في ساعات محددة فقط، ويدخله المستوطنون في ساعات أخرى ليؤدوا فيه شعائرهم كاملة؛ أي مقدّس مشترك بحكم الأمر الواقع، ريثما تتمكن من السيطرة عليه بالكامل، تماماً كما جرى في المسجد الإبراهيمي في الخليل، والنتيجة معروفة.

وجماعات المعبد تعرف جيداً أن العبرة هي بما يتركه المقتحمون خلفهم في المسجد حين يخرجون منه، لا بعدد من دخلوه في يوم واحد، وهي تعمل على هذا الأساس، فهل يعي إعلامنا وتعي أمتنا ذلك قبل أن نستيقظ يوماً على كارثةِ معبدٍ قائم داخل المسجد الأقصى المبارك؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة