ماذا يريد الاحتلال للمسجد الأقصى هذه الفترة؟

مجموعات مستوطنين في ساحات المسجد الأقصى المبارك

في اقتحامه التاسع عشر للمسجد الأقصى المبارك الذي سبق موسم أعياد رأس السنة العبرية، حدد وزير الأمن الصهيوني المتطرف إيتمار بن غفير أولوياته في «الأقصى» بـ3 نقاط مرحلية أساسية، ونقطة إستراتيجية نهائية؛ حيث قال: إن أولويته في هذه المرحلة هي: «البوق»، و«التيفلين»، و«السبت»، ثم قال: إن الأولوية الإستراتيجية هي «المعبد»، أي إقامة «المعبد الثالث» المزعوم مكان «الأقصى».

بن غفير ووزارة الأمن القومي

المتكلم هنا ليس ناشطاً اجتماعياً ولا مجرد مؤثر على وسائل التواصل الاجتماعي، وإن كان يلقّب في دولة الاحتلال بلقب «وزير التيك توك» استهزاءً بشعبويته الزائدة عن الحدود، التي لا يوازيها إلا شعبوية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على وسائل التواصل، وإنما هو وزير يقف على رأس واحدة من أهم الوزارات السيادية في دولة الاحتلال، وهي وزارة الأمن القومي التي تتحكم بواحد من أخطر الأجهزة الأمنية في البلاد؛ أي جهاز الشرطة.

وبذلك، فإن كلمة كهذه عندما تصدر عن بن غفير فإنها تعني بالضرورة تحولها إلى سياسة للوزارة التي يقف على رأسها، وذلك لأن عمل الوزارات في نظام دولة الاحتلال يتيح للوزير أن يتحكم إلى حد كبير في اتجاه العمل والإنجاز في وزارته بالشكل الذي يريده وبما يتماشى مع أهدافه الانتخابية، سواء كانت دولة الاحتلال في موسم انتخابات أم لا.

ولهذا، تحرص الأحزاب اليمينية المتشددة، على سبيل المثال، على الحصول على مفاتيح وزارات مركزية مثل وزارة الداخلية التي يرى حزب شاس الحريدي أنها أفضل وسيلة له لخدمة ناخبيه من المتدينين المتشددين، أو وزارة المالية التي أصر عليها سموتريتش ليجعلها مدخلاً لتمويل مشروعات حزبه الصهيونية الدينية في الضفة الغربية.

البوق في المسجد الأقصى

ونحن في خضم هذا الموسم، نرى أن بن غفير عمل بالفعل على تنفيذ وعوده فيما يتعلق بالنقطة الأولى؛ فقد نُفِخَ البوق في «الأقصى» خلال اقتحامات ما يسمى عيد رأس السنة العبرية، يوم الأحد 13 سبتمبر الجاري.

وللأسف الشديد، فقد غابت التغطية الإعلامية العربية عن الحدث مع التشديد الهائل للاحتلال على المسجد ومنع المسلمين من دخوله في ذلك اليوم، حتى اضطررنا للانتظار يومين كاملين حتى انتهاء صيام الإثنين لدى المستوطنين المتدينين حتى نشروا هذه المعلومة وما يؤكدها، وهذا بحد ذاته يكشف إلى أي حد وصلت الأزمة في المسجد الأقصى الذي لم يعد المسلمون قادرين حتى على تغطية ما يجري فيه تحت سيف الإبعاد والطرد والتهديد بالسجن والتعذيب.

ماذا تعني طقوس «التيفلين»؟

وأما «التيفلين»، وهي القطع الجلدية التي يضعها المستوطنون خلال صلواتهم وطقوسهم الدينية، فإن بن غفير سمح بها مبدئياً في الفترات الماضية، وأعطى أوامر للشرطة بتجاهلها في أكثر من موقف، وإن لم يكن بعد قد سمح بها علانية كما فعل من قبل في فكرة الصلاة داخل المسجد نفسها، التي أعلن عام 2024م عن السماح بها علناً وبشكل مفتوح ومكشوف، وقد تم تنفيذها فعلياً خلال اقتحامات ما يسمى «يوم الغفران» في 20 من الشهر الجاري، وإن كان دون إعلان رسمي من قبل سلطات الاحتلال.

فتح «الأقصى» يوم السبت

تبقى قضية فتح المسجد الأقصى يوم السبت، وهي القضية التي ما زالت معلقة، وتعتبرها جماعات المعبد المتطرفة أولويتها الحالية، حيث إنها سبق وأن قدمت استدعاءً عاجلاً للمحكمة العليا في دولة الاحتلال، في 8 سبتمبر الجاري، للسماح بفتح «الأقصى» للاقتحامات يوم السبت (حيث إنه يغلق في وجه المقتحمين يومَي الجمعة والسبت من كل أسبوع)، بحيث يتم تنفيذ التقسيم الزمني لـ«الأقصى» بشكل عملي وتام، فيصبح يوم الجمعة للمسلمين ويوم السبت لليهود، وهو إحدى ركائز فكرة التقسيم الزمني لـ«الأقصى».

لكن النيابة العامة التابعة لوزارة العدل ما زالت تخشى الموضوع، ولذلك طالبت بتأجيل البت في هذا القرار، بالرغم من أن بن غفير أرسل رسالة باسم وزارته إلى المحكمة العليا يطالب فيها بإعلان فتح «الأقصى» للمستوطنين يوم السبت، ربما لتنفيذ وعده أمام جمهوره، وهذا الأمر يكشف لنا مسألتين مهمتين:

أولاهما: أن فكرة تخصيص «الأقصى» لليهود يوم السبت، أي تقاسم المسجد زمنياً بشكل كامل، ليست مرفوضة بحد ذاتها لدى تيارات اليسار واليمين والوسط في دولة الاحتلال، لكن الخلاف بينها هو على التوقيت فقط، فبينما يرى بن غفير وأتباع اليمين أن هذا هو الوقت المناسب لهذا القرار، ما زالت المؤسسة الرسمية العميقة في الدولة متخوفة من رد الفعل الإسلامي، ولذلك تؤثر التريث قليلاً في اتخاذ مثل هذا القرار.

«الأقصى».. والهاجس الأمني

الثاني: أنه بالرغم من هذا الضعف العام في العالم الإسلامي تجاه قضية «الأقصى»، وبالرغم من كل هذا الوهن الذي نعيشه في عالمنا المعاصر، فإن «الأقصى» ما زال يشكل هاجساً أمنياً ووجودياً أمام العقلاء في دولة الاحتلال، الذين يمثلهم اليوم المسيطرون على جهاز القضاء والدولة العميقة المرتبطة به أو تشبهه في تفكيره إلى حد كبير.

وهنا لا بد من القول: إننا أمام فرصة تاريخية لتأكيد هذا التخوف والهاجس عبر إشعار الاحتلال أن قضية المسجد الأقصى لن تمر بسهولة، وأن عليه أن يدفع ثمناً باهظاً جداً لقاء الاعتداء على المسجد، وهذا الثمن لا تستطيع دولة الاحتلال أن تتحمله، وهذه القضية سبق لشعبنا الفلسطيني أن ثبّتها في العقل الصهيوني في عدة مواطن وأحداث كبرى على امتداد السنوات العشر الماضية.

وفي الوقت نفسه، فإن استمرار هذا الوهن والصمت المطبق سيجعل الاحتلال يفهم الأمر على أنه موافقة ضمنية على السيطرة على المسجد أو اقتسامه على الأقل دون أن يخشى دفع ثمن ما لذلك، وهذا ما عبرت عنه رسالة بن غفير للمحكمة العليا، حيث ادعى أن الأحداث الأخيرة أثبتت أن التخوف من ردود الفعل العربية أو الإسلامية محض خيال في نظره!

إذن، فالكرة مرة أخرى تعود للشعوب، التي ينبغي أن تفهم أن خطوطها الدينية الحمراء لا يوجد للدفاع عنها حدود أو محاذير، وذلك لأن الموضوع لا يتعلق هنا بقضية تخص شعباً دون شعب أو عِرقاً دون عِرق أو ثقافة دون ثقافة، فالمسألة بمنتهى الصراحة باتت تخص كل من يؤمن بالقرآن الكريم وبرسول الله صلى الله عليه وسلم، هكذا بكل وضوح.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة