ما وراء الإنتاجية والربحية.. منظور إنساني في القيادة والعلاقات المؤسسية

يتضمن التصميم شجرة نمو تنبثق فوق فريق عمل يتناقش

القيادة والعلاقات المؤسسية.. تقيس الإنتاجية والربحية كفاءة المؤسسة في استخدام مواردها وقدرتها على الاستقرار المالي، وهما مؤشّران مهمان لا غنى عنهما في الإدارة الرشيدة، لكنهما لا يقدمان الصورة الكاملة؛ فقد تحقق المؤسسة نتائج مالية قوية، بينما يعاني موظفوها من الإرهاق، أو يتحمل المجتمع أعباءً ناتجة عن قراراتها، أو تتضرر البيئة بسبب أنشطتها، لذلك لا ينبغي أن يتحول التركيز على الأرقام إلى غفلة عن الإنسان الذي يقف خلف الأداء، أو عن الآثار التي لا تظهر مباشرة في التقارير المالية.

قد ينخفض أداء الموظف لأسباب مختلفة، مثل المرض، أو الأعباء الأسرية، أو نقص التدريب، أو غموض التوقعات، أو عدم توافر الأدوات والصلاحيات اللازمة، أو المرور بظروف شخصية صعبة، وليس كل تراجع في الأداء دليلًا على الكسل أو ضعف الالتزام، ومع ذلك، قد تلجأ بعض المؤسسات إلى حل سريع يتمثل في استبدال الموظف الذي لا يحقق المستوى المتوقع.

ورغم أن هذا القرار قد يبدو مريحًا إداريًا، فإنه قد يتجاهل مسؤولية قيادية أساسية: فهم أسباب التعثر قبل إصدار الحكم، والنظر في إمكان تقديم الدعم أو التدريب أو إعادة توزيع المهام، أو نقل الموظف إلى دور يتوافق بصورة أفضل مع قدراته.

ويؤصل الإسلام لهذا الواجب من خلال مبدأ واضح؛ كرامة الإنسان لا تتوقف على مستوى إنتاجيته، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: 70).

ومن هنا، لا تقتصر مهمة القائد على السؤال عما أُنجز، بل تشمل التساؤل عن كيفية إنجاز العمل، ومن تحمل تكلفته، وما إذا كانت النتائج تحققت بصورة عادلة ومسؤولة.

قصور المقاييس الضيقة

لا يرفض الإسلام الربح أو النمو، بل يضعهما في إطار الأمانة والمساءلة، وينشأ الخلل حين يصبح الأداء المالي المقياس الوحيد لنجاح المؤسسة، وتصبح الإنتاجية المعيار الوحيد للحكم على قيمة الأفراد، فقد تخفض شركة تكاليفها من خلال زيادة ساعات العمل أو تقليل عدد الموظفين، فتبدو أكثر ربحية في المدى القصير، لكن هذه القرارات قد تؤدي إلى الإرهاق، وارتفاع الاستقالات، وتراجع جودة العمل، وفقدان الخبرات المتراكمة، وبالمثل، قد يرفع مصنع حجم إنتاجه مع إهمال إدارة النفايات أو استهلاك الموارد، فيحقق مكسبًا ماليًا حاضرًا على حساب البيئة والمجتمع.

إن عدم ظهور هذه الأضرار في الحسابات المالية لا يعني عدم وجودها، ولا يعفي المؤسسة من مسؤوليتها تجاهها، فالتقارير قد تسجل الإيرادات والمصروفات، لكنها لا تقيس دائمًا الضغط النفسي، أو التفكك الأسري، أو الضرر البيئي، أو فقدان الثقة في المؤسسة.

التكاليف الاجتماعية والمسؤولية

يطلق الاقتصاديون على الآثار التي لا تتحمل المؤسسة كلفتها مباشرة اسم العوامل الخارجية، ومن أمثلتها التلوث، والإرهاق الوظيفي، والأعباء الصحية والاجتماعية، والتكاليف التي تنتقل من المؤسسة إلى الموظفين وأسرهم أو إلى المجتمع المحيط بها.

أما في المنظور الإسلامي، فإن قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» تقدم مبدأً حاسمًا؛ أنه لا يجوز للمؤسسة أن تحقق منفعتها الخاصة بفرض ضرر يمكن تجنبه على الآخرين، فزيادة الإنتاجية عبر ساعات عمل مفرطة قد تبدو نجاحًا في الميزانية، لكنها قد تؤدي إلى المرض والإرهاق والتوتر الأسري، وهذه التكاليف لا تختفي، بل تنتقل إلى الموظف وأسرته والمجتمع، وقد تعود في النهاية إلى المؤسسة نفسها في صورة انخفاض الالتزام، وكثرة الغياب، وصعوبة الاحتفاظ بالكفاءات.

لذلك، لا ينبغي أن يقتصر السؤال القيادي على: كم من القيمة خلقنا؟ بل ينبغي أن يشمل بأي ثمن خُلقت هذه القيمة؟ وهل وُزعت المنافع والأعباء بصورة منصفة؟

أين تتراكم التكاليف الخفية؟

1- الإنسان:

قد يؤدي السعي وراء أهداف قاسية أو غير واقعية، من دون مراعاة الراحة والسلامة وتوازن المسؤوليات، إلى إنهاك الموظفين وانفصالهم عن العمل وفقدان المعرفة المؤسسية، والموظفون ليسوا تكلفة ينبغي تقليصها كلما أمكن، بل رأس مال بشري يحتاج إلى التطوير والحماية والاستثمار.

قال الله تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: 31)، ومن صور الإسراف أن تستنزف المؤسسة طاقات موظفيها، أو تهدر خبراتهم، أو تخسرهم بسبب بيئة عمل تفتقر إلى الاحترام والدعم وفرص النمو، إن المحافظة على الإنسان لا تعني تخفيض المعايير، بل تعني بناء بيئة تمكّنه من الوفاء بها.

2- البيئة:

الربحية القائمة على تجاهل الأضرار البيئية تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها تستنزف رصيد المستقبل، فالتلوث، وسوء إدارة النفايات، والاستهلاك غير المسؤول للموارد، كلها تكاليف قد تتحملها الأجيال القادمة والمجتمعات المحلية.

لذلك، ينبغي للقائد أن ينظر إلى حماية البيئة باعتبارها جزءًا من الأمانة في إدارة الموارد، لا مجرد التزام شكلي أو وسيلة لتحسين الصورة العامة للمؤسسة، فالمسؤولية البيئية تعني التفكير في أثر القرارات الحالية على حق الآخرين في بيئة آمنة ومستدامة.

3- المجتمع:

تؤثر قرارات الأجور والتوظيف والتعاقد الخارجي والمشتريات في المجتمع المحيط بالمؤسسة، فقد تؤثر في فرص العمل المحلية، واستقرار الأسر، والمشروعات الصغيرة، وعدالة توزيع الفرص والثروة، ولهذا ينبغي للقائد أن يسأل عند اتخاذ القرارات المهمة:

  • من المستفيد من هذا القرار؟
  • من يتحمل تكلفته أو أخطاره؟
  • هل وُزعت المنافع والأعباء بعدالة؟
  • هل يتوافق القرار مع رسالة المؤسسة ومسؤوليتها الاجتماعية؟

ضعف الأداء.. قضية مهنية وإنسانية

عند انخفاض أداء أحد الموظفين، لا ينبغي أن يكون السؤال الأول: كيف يمكن استبداله بسرعة؟ وإنما ما أسباب هذا التراجع؟وما الذي يمكن فعله بصورة معقولة وعادلة؟

قد يرجع ضعف الأداء إلى نقص التدريب، أو غموض المسؤوليات، أو سوء توزيع العمل، أو نقص الأدوات والموارد، أو ظروف صحية أو أسرية أو نفسية مؤثرة، ولا يعني ذلك تبرير التقصير أو إلغاء معايير الأداء، بل يقتضي التمييز بين عدم الرغبة في أداء المسؤوليات وبين عدم القدرة المؤقتة أو التعثر الناتج عن ظروف حقيقية.

وقبل اتخاذ قرار حاسم، ينبغي للقائد التحقق مما يأتي:

  • هل تلقى الموظف تدريبًا مناسبًا؟
  • هل كانت التوقعات واضحة وواقعية؟
  • هل توافرت الأدوات والموارد والصلاحيات اللازمة؟
  • هل تلقى تغذية راجعة منتظمة ومحددة؟
  • هل توجد ظروف مشروعة أثرت في أدائه؟
  • هل يمكن أن ينجح في دور آخر داخل المؤسسة؟

فالقيادة الجيدة تتحرى وتفهم قبل أن تدين، وتبحث عن الحلول قبل أن تلجأ إلى الإقصاء.

الرحمة مع المساءلة

تظل المؤسسات مسؤولة عن حقوق العملاء والمانحين والزملاء وأصحاب المصلحة، ولذلك لا تعني الرحمة تجاهل ضعف الأداء، كما لا تعني المساءلة القسوة أو الإذلال، القيادة المتوازنة تجمع بين الفهم والدعم والتطوير والمتابعة ثم إعادة التقييم واتخاذ القرار، إذا كان التحسن ممكنًا، ينبغي توفير فرصة حقيقية للتطوير ضمن خطة واضحة ومدد زمنية مناسبة، وإذا لم يكن الموظف مناسبًا لدوره الحالي، فيمكن دراسة نقله إلى وظيفة أكثر ملاءمة لمهاراته، أما إذا أصبح إنهاء الخدمة ضروريًا، فيجب أن يتم بإجراءات عادلة وشفافة، وباحترام يحفظ كرامة الشخص وخصوصيته، من دون تشهير أو إهانة.

إن الإنسان أكبر من وصفه الوظيفي؛ فقد يكون موظفًا وأبًا أو أمًا، أو معيلًا، أو مقدم رعاية، أو طالبًا يسعى إلى تطوير نفسه، أو شخصًا يواجه ظرفًا صحيًا أو اجتماعيًا صعبًا، واحترام هذه الحقيقة لا يلغي المسؤولية المهنية، بل يضعها في إطار العدل والإنصاف.

مبادئ للحياة المؤسسية

تقوم القيادة الإنسانية المسؤولة على أربعة مبادئ مترابطة:

1- العدل: اتخاذ القرارات وفق معايير واضحة وأدلة موثوقة، وتطبيقها بصورة متسقة على الجميع

2- الإحسان: تجاوز الحد الأدنى عندما يكون ذلك ممكنًا، واختيار الحل الذي يحقق نتيجة أفضل بقدر أكبر من الإنسانية

3- الأمانة: النظر إلى السلطة والمال والموظفين بوصفها مسؤوليات يُسأل عنها القائد، لا امتيازات شخصية.

4- الرحمة: ممارسة المساءلة بطريقة تحترم الإنسان، فلا تُفسَّر ظروفه الصعبة تلقائيًا على أنها تقصير أخلاقي؛ قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) (النحل: 90).

الأداء المسؤول والأثر الحقيقي

لا يقتصر هذا المنظور على المؤسسات الربحية؛ فالمؤسسات غير الربحية بدورها لا تُقاس بعدد البرامج المنفذة أو حجم التبرعات وحده، فعدد الورش التدريبية لا يثبت بالضرورة نجاح البرنامج، وعدد المستفيدين المسجلين لا يعني بالضرورة تحسن حياتهم، وحجم التمويل لا يضمن استخدام الموارد بأعلى درجات النزاهة والفعالية.

الأداء المسؤول ينظر إلى أربعة أبعاد؛ الاستدامة الاقتصادية، ورفاه الإنسان وتطويره، والمسؤولية البيئية، والغاية والأثر الحقيقي في المجتمع، فالكفاءة تسأل: «هل نستخدم الموارد بأفضل طريقة؟» أما الفعالية فتسأل: «هل نحقق النتائج الصحيحة؟» وقد تكون المؤسسة كفؤة في تنفيذ نشاط لا يحقق أثرًا حقيقيًا أو يسبب ضررًا أكبر من نفعه.

القيادة والعلاقات المؤسسية.. من إدارة الأرقام إلى أداء الأمانة

الناس ليسوا مجرد موارد بشرية أو أرقام في قوائم التكاليف، فقيمتهم لا تختزل في عدد الساعات، أو حجم المبيعات، أو الوحدات المنتجة، والإسلام لا يعادي الثروة أو النمو أو الكفاءة، لكنه يشترط أن تكون الوسائل في مستوى أهمية الغايات، وأن يتحمل النجاح مسؤوليته تجاه الإنسان والمجتمع والبيئة.

وهذا يقتضي الانتقال من إدارة الأرقام إلى إدارة القيمة، ومن قياس النشاط إلى تقييم الأثر، ومن الحكم السريع إلى الفهم المنصف، ومن النظر إلى القيادة بوصفها سلطة إلى التعامل معها بوصفها أمانة.

فالأداء الحقيقي للمؤسسة لا يتمثل في إنتاج المزيد أو إنفاق الأقل فحسب، بل في خلق قيمة مستدامة، وإدارة الموارد بمسؤولية، وحماية كرامة الإنسان، وتحمل آثار القرارات بعدل ورحمة، والسؤال الأعمق الذي ينبغي أن يواجه القائد ليس فقط: كم كنا ناجحين؟ وإنما هل أدينا الأمانة التي وُضعت بين أيدينا بالعدل والإحسان والمسؤولية؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة