الطريق إلى الإبداع..

مشروب ساخن على طاولة المبدعين (4).. اكتُب لنفسك أولًا

عواء الذئاب

سألوا الأديب الأرجنتيني خورخي بورخيس (ت 1989م) لماذا تكتب؟ أجاب ببساطة: "أكتب لنفسي".

بشكل شخصي، لا أميل إلى الدغدغة العاطفية التي تمارسها بعض مُخرجات التنمية البشرية في إطار التحفيز حول الذات والأنا والشغف والحماس، والمبالغات في هذا السياق. لكن هناك قواعد روحية مستقرة يدركها أهل التجربة وأصحاب الخبرات القديمة، ونقرأها في كتاباتهم، تؤكد أن الإبداع بشكل خاص يحتاج نوعًا من الأنانية بمعناها الإيجابي، وهي أن يُبدع الشخص ليُمتع نفسه أولًا، ليُشبع شيئًا في روحه، ليطفئ ظمأً طارئًا، ثم بعد ذلك لا بأس من مطاوعة الأمزجة الجماهيرية بقليل من المرونة لفتح الباب أمام الانتشار والتلقي. لكن للمبدع أن يبني إبداعه على إشباع رغبة عنده مع تقييدها بالالتزام الاجتماعي، هذا كل شيء.

في كتاب "الرواية والفلسفة" يقول الروائي الأردني قاسم أمين: "لا أدري كيف يكون الكاتب كاتبًا، أو لماذا يكتب؟ لكنني بتجربتي المتواضعة الخاصة أعرف أن الكتابة هي حالة بوح بصوت عالٍ، هي حالة صخب يشبه إلى حد بعيد عواء الذئاب". ثم يقول في موضع آخر: "كل مرة أكتب فيها أزداد يقينًا بأنني أكتب لنفسي، وكأن نفسي هذه ليست شيئًا متمثلًا بشخصي الفرد أو بثالوث (أناي)، بل هي كل النفوس المحيطة بي، فأنا أكتب لنفسي الجمعية؛ كل البشر، إن المؤلف لا يكتب لأحد؛ بل يكتب لنفسه".

الشيطان يطرق الباب

يدرك أصحاب الإبداع بروافده ومصباته الكثيرة المختلفة أن هناك إلحاحًا نفسيًّا يحدث لصاحب الريشة أو القلم أو الكاميرا أو القول يجعله في حاجة ماسة لزحزحة سرِّه الروحي إلى فضاءات العلن، وتتضخم هذه الرغبة حتى لو لم يتخطَّ هذا العلنُ شخص المبدع وورقاته، لكنه في كل الأحوال إفراج وتنفيس. 

وإن لم يحدث هذا الإلحاح بشكل مستمر، فلا بد أن هناك خطأً ما، قد يكون عطلًا طارئًا مؤقتًا، فلا بأس، فالطاقة تجد أحيانًا ما يسد مجراها، لكن الغياب الطويل لإلحاح الخواطر الحافزة يعني فقدان شيء أساسي من أدوات الكتابة التي لا تتم على وجهها المُرضي إلا به.

وشيطان الشاعر أو وحيُه أو ملاكه - أيًّا كان اسم ذلك الضاغط الخفي - هو في كل الأحوال معني بالدَّفق والدفع الإبداعي وتلك الهزة التي تتلبس صاحب الفكرة؛ لذا فبدء الكتابة وإنهاؤها يجب أن يكونا موصولين بذاك الملاك الطيب، أو الشيطان الماكر. يجب أن يكتب المبدع ليصطاد طيفًا رقيقًا حام حوله، ويسقطه في شباكه، على شكل حادث أو موقف أو كلمة أو غيظ يُفشُّ، فيشبع روحه ببيت شعر أو رسمة صامتة أو قصة أو رواية أو مقال. المهم أن يكون من ذاك النوع المجنون الذي يجيد الرد بالتعبير الصامت أكثر من الصوت.

هل استمتع النابغة بشعره؟

من زاوية نفسية قد يكون بها بعض التكلُّف، يمكنك أن تخمِّن أن النابغة الذبياني، وهو أحد سادة الشعر الجاهلي، لم يستمتع بشعره، وإن استمتع بعوائده المادية، فلم ينسجم مع عملية الإنتاج نفسها؛ وذلك لأنه كان مضغوطًا بسوط الكتابة للغير، وكان شعره معقودًا برضا السيد صاحب الأجرة؛ حيث كرَّس الرجل أكثر إبداعه في تمجيد النعمان بن المنذر حتى أدمن حياة الذهب والفضة التي أحياه فيها النعمان، فصار يكتب لها، فرغم فنِّه العالي الذي لا يختلف عليه أحد، لكن يبقى السؤال حاضرًا ومنطقيًّا: هل استمتع النابغة بشعره، وهو يكتبه تحت ما يشبه الطلب! 

وكذلك تستطيع أن تخمِّن أن الشاعر أمل دنقل رغم حياته الصعبة ونهايته الأصعب كان أكثر استمتاعًا بتجربته الشعرية الساخنة المتعلقة بموقفه، وبالتالي النابعة من ذاته، وكذلك غسان كنفاني مقارنة بكثير من الروائيين رغم قلة إنتاجه، وكذلك الرسام ناجي العلي، وغيرهم الكثيرون.

طبول شوبنهاور!

عاش الأديب والفيلسوف الألماني شوبنهاور (ت 1860) عزلة قاتمة في غرفة بفندق ناءٍ، لا أهل له، ولا زوجة، ولا ولد، فقط قلمه وروحه المتحفِّزة وعشقه للتفكير والقلم. وعندما وصل الرجل ضفاف السبعين عامًا، وصار على حافة الرحيل، انتبه إليه الأوروبيون أخيرًا، وبدأوا يدركون قدره ويتابعون إنتاجه، فقال ساخرًا - ومتشائمًا أيضًا: "بعد أن عشتُ حياتي وحيدًا منسيًّا، جاؤوا فجأة يزفوني إلى قبري بالطبول"!

ورغم حال الفيلسوف الذي يبدو بائسًا، لكن خلف جملته إجابة واضحة على سؤال مهم، لقد عاش شوبنهاور بعيدًا عن تصفيقات الجمهور وضجيج الاحتفاء، ورغم ذلك استطاع أن يواصل الإبداع. فماذا كان يُحفزه؟ كان يُحفزه أن الكتابة في غالبها كانت تناغمًا مع الذات، أوراقًا يسوِّدها الكاتب إشباعًا لرغبة جائعة بداخله. 

لقد غاب الكاتب البرتغالي ساراماغو عشرين سنة عن عالم النشر، بعد صدمته الكبيرة في روايته الأولى، ماذا كان يفعل طول هذه المدة؟ كان يعيش مع قلمه في كوخه الخاص، بحثًا وترجمة وقراءة، كان يقوم بحركة داخلية تغذي روحه وتجهزه للانطلاق. ولا أقول هنا أن المسألة خاصة بالإيمان بالذات وحالة الشغف والحماس ومثل هذا، لكن ببساطة على المبدع أولًا أن يكون جسرًا من نفسه إلى نفسه، أن يُحب ذلك، حتى لو لم يحدث الانتشار وتتوالى الجوائز ويعلو الصفير، يكفيه في البدء أن يستمتع.

الزمن يدعمك

يذكر أبو الفرج الأصبهاني أن عمر بن أبي ربيعة قال لابن زهير بن أبي سُلمى: ما فَعَلَت الحُلل التي كساها هَرمٌ أباك؟ يقصد الهدايا والعطايا الذي أجراها هرم بن سنان - أحد سادات بني مرة - لزهير نظير المدح والثناء، فقال ابن الشاعر: أبلاها الدهرُ. فقال ابن أبي ربيعة الذي يدرك وزن الكلمة وتأثيرها الباقي: لكن الحُلل التي كساها أبوك هَرمًا لم يُبْلها الدهر.

وهذا المعنى رئيس في دعم كل مبدع، خاصة من تكون أكبر هواجسه أن يظل هو جمهور نفسه، وأن يطول به مدى الغياب والخمول، فمن المهم أن ينتبه أن عقدًا أو اثنين في عمر الإبداع قصير للغاية، فعدد من كبار المبدعين تأخرت بهم عتبات الشهرة سنوات طويلة قبل أن ينالوا قدرهم الذي يستحقون، ومنهم نجيب محفوظ وساراماغو وتوفيق الحكيم ومصطفى صادق الرافعي، بل قد يموت الشخص ولا يصير لإبداعه جمهور إلا بعد رحيله، وكثير من الأدباء لم يلتفت إليهم الزمان في طول مسيرتهم، ومن أشهر هؤلاء فرانز كافكا (ت 1924) وقصته مشهورة في ذلك، وكذلك الشاعرة الإنجليزية إميلي ديكنسون، وكذلك ستاندال وفان جوخ وغيرهم، وكثير سوف نبسط لهم الحديث في المقال الخاص بتأخر الانتشار من هذه السلسلة.

ولا أقول هنا إن انقطاع الألق والجماهيرية أمر مُسلَّم به، ولكن يجب أن يكون الخمول مقبولًا لدى المبدع في بدء مسيرته، وإن طال ذلك الخمول، وألا يُشكل له عائقًا روحيًّا يُعجزه ويهدد طاقته، ويقطع عليه الطريق. وأكثر شيء يدعمه في ذلك أن تكون كتابته بالأساس مُرضية لذاته، نابعة منها.

سأكتب على كل حال

يقول الروائي الأمريكي المعاصر والتر موزلي عن الأمرين معًا الكتابة للنفس ومخاوف عدم الانتشار: "لا أستطيع التفكير في سبب يمنعني من الكتابة، ربما يكون أحدها ألا يشتري أحد كتبي وحتى هذا السبب عندما أفكر به لا يمنعني من الكتابة، سأكتب على كل حال".

فالهاجس فطري ومشروع ومُسوَّغ، لكن تستطيع أن تتغلب عليه بأن تجعل حروفك تُمتعك أولًا، اجعل هذا هو دافعك الأول، وليس كل دوافعك.

ونختم بمقولة عميقة للروائي الإيطالي إمبرتو إيكو (ت 2016) في كتابه "اعترافات روائي ناشئ"؛ حيث يجيب عن سؤال: لماذا كتبت روايتك؟ فيقول: "أحسستُ في لحظةٍ ما من حياتي برغبةٍ في فعل ذلك، ويبدو لي أنه سببٌ كافٍ ومعقول".

اقرأ أيضًا:

• مشروب ساخن على طاولة المبدعين (1) – إبداع من رحم الوجع

• مشروب ساخن على طاولة المبدعين (2) – العَجلة.. ذلك الفخ الكبير!

• مشروب ساخن على طاولة المبدعين (3) – صراع القلم والرغيف

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة