مقاصد التصوف عند الحارث المحاسبي.. هندسة الإنسان في سيره إلى الله

مقاصد التصوف عند الحارث المحاسبي.. هندسة الإنسان في سيره إلى الله

حين نقرأ الحارث المحاسبي نلتقي عالمًا واسع الأفق، تتشابك في مشروعه دوائر قد تبدو لأول وهلة متباعدة: القرآن وفهمه، والعقل والعلم، والنفس والقلب، والنية والإرادة، والمحاسبة والمراقبة والمجاهدة، والخوف والرجاء والمحبة، والتوكل والزهد والورع، ثم العبادة والكسب والحقوق ومسؤولية الإنسان عن نفسه ومن يعول.

وقد يسهل النظر إلى هذه الموضوعات باعتبارها مفردات متجاورة في تراث واحد من كبار أعلام التزكية في القرن الثالث الهجري، غير أن استقراء مصنفاته يفتح سؤالًا أعمق: هل نحن أمام موضوعات متفرقة جمعها اهتمام المحاسبي بإصلاح الإنسان، أم أن وراء هذه الكثرة وحدةً غائية تنتظمها، وتجعل لكل عنصر منها موقعًا ووظيفة في بناء متكامل؟

ما وراء المقامات والأحوال.. سؤال الغاية

لا يصح أن نبدأ الإجابة بافتراض أن للمحاسبي "نظرية في المقاصد" بالمفهوم الاصطلاحي المتأخر، ثم نفتش في كتبه عما يثبتها؛ كما لا يكفي أن نبحث عن لفظ "المقصد" وحده. الأجدى أن نصغي إلى لغته نفسها: الإرادة، والقصد، والمطلوب، والموافقة، والموصل، والقرب، والرضا، والنجاة، والحظوة، والغاية، وما يتصل بذلك من التعليل والبلوغ والثمرة والمآل.

ومن هنا كان الضابط المنهجي الذي حكم هذه القراءة: النص قبل الاصطلاح، والوظيفة قبل التسمية، والسياق قبل اللفظ المفرد، والاستقراء قبل التركيب، ودرجة النسبة بقدر درجة الدلالة.

ويكشف اتساع المشروع المحاسبي نفسه عن ضرورة هذه القراءة. ففي كتاب العلم يقسم العلم إلى ثلاثة أنواع:

نوع علم الحلال والحرام، وهو علم أحكام هذه الدار، وهو العلم الظاهر.

ونوع آخر وهو علم أحكام الآخرة، وهو العلم الباطن.

ونوع ثالث وهو العلم بالله سبحانه وأحكامه في خلقه في الدارين.

ثم يجعل من "العبادة الباطنة" الورع والتقوى والزهد والتوكل والتفويض والرضا والصبر واليقين وسلامة الصدر والنية والإحسان والصدق والإخلاص وغيرها(1).

وهذا التقسيم بالغ الدلالة؛ فالمحاسبي لا يبني عالم الباطن على أنقاض علم الظاهر، ولا يجعل التزكية بديلًا من الشريعة، وإنما يرى الإنسان في وحدة ظاهره وباطنه، ومعرفته وعمله. ومن هنا كانت إحدى النتائج المركزية للاستقراء: التصوف عند المحاسبي ليس مجموعة من أعمال القلوب والمقامات المتفرقة، وإنما تكشف نصوصه عن نسق مقاصدي يمكن إعادة بنائه من داخل مشروعه نفسه.

ويؤكد ذلك قوله في الرعاية لحقوق الله: "فيبدأ برعاية حقوق الله عز وجل في قلبه، فإنه أول عامل منه، وعنه تكون أعمال الجوارح"، ثم يجعل حقوق الجوارح في "القيام بالحركات فيما أوجب الله تعالى، وترك الحركات، وهو السكون عما كره الله عز وجل(2).

فالقلب "أول عامل"، ولكنه ليس آخر المطاف؛ يبدأ منه الفعل لكي يظهر في الجارحة. وبذلك لا تكون العناية بالباطن انسحابًا من الظاهر، بل إصلاحًا للمنبع الذي يصدر عنه الظاهر.

الله غاية القصد.. والإنسان موضع البناء

إذا كان الوحي والشريعة والعلم والعقل تضبط الطريق، فإلى أين يتجه؟ تجيب نصوص المحاسبي بلغة غائية شديدة الوضوح. ففي المكاسب يصف أهل الخصوص بأنهم بعد إحكام الفرائض اشتغلوا بـ"طهارة القلوب، وإدامة الذكر، وكثرة التقرب إلى الله سبحانه بالنوافل"، وطلبوا بذلك "الحظوة عند سيدهم"، ثم يلخص ميزان حركتهم بقوله: "وكان الغالب على قلوبهم محبتهم للموافقة، وتحريهم للموصل إلى الله سبحانه من الأعمال"(3).

إن لفظ "الموصل" وحده يكشف بنية كاملة: هناك سالك، وأعمال، وطريق، وغاية يقصد إليها. والعمل لا يكتسب قيمته من مجرد وقوعه، بل من كونه موافقًا وموصلًا؛ كما أن طلب الوصول لا يبيح اختيار أي طريق، لأن "الموافقة" تظل ميزان الحركة.

ويتأكد المعنى في رسالة المسترشدين: "واعلم أن من سعادة المرء حسن النية فيما عند الله تعالى، والتوفيق لمحابه"(4)، فالمطلوب ليس مجرد إرادة دينية مبهمة، وإنما أن تتوجه الإرادة إلى "محاب" الله، حتى يصبح مراده محبوبًا للعبد، لا حكمًا خارجيًا تنقاد له الجوارح وحدها.

وفي آداب النفوس يبلغ فحص الإرادة درجة أدق؛ إذ يصور الإنسان وهو يكتشف فساد باعثه، فيقول في نفسه: "ولكني أترك الإرادة الأولى، وأحضر إرادة ثانية أريد بها وجه الله تعالى وحده والدار الآخرة", هنا يصبح إصلاح العمل في حقيقته إصلاحًا لوجهته: ليست القضية ماذا يفعل الإنسان فقط، وإنما ماذا يريد بفعله، ومن يريد به.

غير أن المحاسبي لا يحدد للسالك إلى أين يذهب فحسب، بل يعمل على تكوين الإنسان الذي يستطيع أن يسير. ومن هنا تظهر جملة من المقاصد التكوينية: معرفة الله وتعظيمه، وإخلاص القصد وتوحيد الإرادة، وإصلاح القلب وتطهير النفس، وتحقيق العبودية واستقامة العمل، وجمع الهم ووحدة الوجهة.

معرفة تغيّر الإنسان.. لا معلومة تسكن الذهن

تظهر إحدى أعمق خصائص هذا البناء في علاقة المعرفة بالسلوك. فالمعرفة بالله عند المحاسبي ليست مادة تضاف إلى الذهن، وإنما قوة تعيد ترتيب الإنسان كله.

يقول في ماهية العقل ومعناه في بيان "العقل عن الله": "فمن ذلك أن تعظم معرفته وبصيرته بعظيم قدر الله تعالى، وبقدر نعمه وإحسانه، وبعظيم قدر ثوابه وعقابه؛ لينال به النجاة من العقاب والظفر بالثواب. فإذا كان لله معظمًا كان لله جل وعز هائبًا، وإذا كان لله جل وعز هائبًا كان منه مستحييًا، وإلى الله بطاعته مسارعًا، ولمساخطه مجانبًا"(5).

إن ترتيب الجملة يكاد يرسم أمامنا حركة التكوين: معرفة فتعظيم، وتعظيم فهيبة، وهيبة فحياء، وحياء فمسارعة إلى الطاعة ومجانبة للمساخط. المعرفة لم تبق معرفة، والحال القلبي لم يبق شعورًا؛ بل انتقلت الحقيقة من العقل إلى القلب، ومن القلب إلى الإرادة، ومن الإرادة إلى العمل.

ثم يزيد المحاسبي الأمر بيانًا فيقول: "وإذا عظم قدر ذلك هاب الله وفرق ورجا ورغب واشتاق.. فكان عن الله تعالى عاقلًا.. إذ كان بالعقل طلب ذلك، وبالعقل فهم ذلك، وبالعقل لزم ذلك، وبالعقل جانب ما يزيله عن ذلك"(6).

وهذه الأفعال الأربعة: طلب، وفهم، ولزوم، ومجانبة، تلخص وظيفة العقل في المشروع المحاسبي. فالعقل ليس آلةً للفهم ثم ينتهي دوره؛ إنه يطلب الحقيقة، ويفهمها، ويلزم مقتضاها، ويحرس الإنسان مما يقطعه عنها. وهكذا تلتقي المعرفة بالإرادة، والعقل بالقلب، والعلم بالعمل.

جمع الهم.. من تشتت المطالب إلى وحدة المطلوب

ومن أكثر المعاني اتصالًا بإنساننا المعاصر معنى جمع الهم. ففي فهم القرآن ومعانيه يجعل المحاسبي إحضار العقل قائمًا على جمع قوى الإنسان حول المطلوب، ثم يقول: "فإذا أحضرت عقلك بجمع همك بنية صادقة، مع أمل ورجاء أن تنال ما قال، وتسارع إلى محابه، وتجتنب مساخطه، وتريده وحده، ولا تريد أن تفهم منه ما تتصنع به عند العباد، تهيأ القلب لفهم كلام الله"(7).

والكلمة الحاسمة هنا: "وتريده وحده"، فجمع الهم ليس تقنية للتركيز الذهني، وإنما انتقال من وحدة الانتباه إلى وحدة الوجهة. وقد يملك الإنسان إرادة قوية، لكن أزمته أن إراداته متنازعة: يريد الله ويريد أعين الناس، يريد الآخرة وتستعبده المنزلة، يعرف الحق وتجره الشهوة إلى غيره.

ولذلك لا يكون الإصلاح إضافة رغبة صالحة إلى عشرات الرغبات، بل إعادة ترتيب العالم الداخلي حتى ينتقل الإنسان من تشتت المطالب إلى وحدة المطلوب.

ويعبر المحاسبي عن ثمرة هذه المعرفة في المكاسب بعبارة شديدة الكثافة: "أمات العلم بالله لهم أهواءهم، وغلب لهم أعداءهم، وجمع لهم شملهم، وأحكم لهم أمرهم"(8)، فالعلم بالله هنا لا يزيد الإنسان معلومة؛ إنه "يجمع" إنسانًا كانت الأهواء تفرقه.

المحاسبة والمراقبة والمجاهدة.. مسالك لا غايات

لكن معرفة الغاية لا تحققها تلقائيًا؛ ولهذا تظهر المحاسبة والمراقبة والمجاهدة والذكر والتدبر والتعاهد بوصفها مسالك للتحقيق.

والمحاسبة عند المحاسبي أعمق من مراجعة الأخطاء بعد وقوعها؛ إنها تدخل إلى منطقة الباعث قبل أن يتحول إلى فعل. ففي آداب النفوس يقول: "إذا أردت أن أعمل العمل، وقفت قبل الافتتاح، فراجعت نيتي وإرادتي، فرأيت الرياء قد سبق الصدق، ورأيت الصدق غائبًا عني، فأردت أن أنقل الإرادة بحقيقتها إلى الصدق والصحة وحسن النية"(9).

إنه يقف بين الداعي والفعل؛ وفي هذه المسافة يستعيد الإنسان حريته: ينظر العقل، ويحكم العلم، وتنكشف النية، ثم تختار الإرادة. ومن هنا فالمحاسبة ليست غاية، وإنما حراسة للوجهة.

بل إن المحاسبي يحول الإخلاص من معنى وعظي عام إلى معيار دقيق قبل العمل وفيه وبعده؛ فيسأل في الرعاية: "فما الذي أولى به أن يلزمه قلبه قبل العمل، وفيه، وبعده؟"، ثم يجيب: "أن يكون يعمل العمل لا يريد أن يعلم به إلا الله عز وجل وحده، قانعًا بعلم الله عز وجل دون علم غيره"(10)، و"القناعة بعلم الله" من أدق صور تحرير الإرادة؛ لأن الإنسان لا يعود محتاجًا إلى أعين الخلق لكي يمنح فعله قيمة.

ومع ذلك لا يريد المحاسبي أن تتحول المحاسبة إلى وسواس، ولا الحرص على العبادة إلى عجز عن العبادة. ولهذا ينتقد من يكرر الوضوء أو الغسل أو الصلاة طلبًا للإحكام حتى يخرج الوقت، وينتهي إلى عبارته النافذة: "فيضيع الفرض بطلب إقامة الفرض غلطًا ووسواسًا"(11)، وهذه الواقعية جزء من مقاصدية مشروعه: فالوسيلة إذا أهدرت الغاية انقلبت على وظيفتها.

المقامات القلبية.. قوى تعمل في الطريق

وعلى هذا الأساس يمكن إعادة النظر في الخوف والرجاء والمحبة والشوق والتوكل والزهد والورع والصبر والرضا والشكر والحياء. فالسؤال الأهم ليس: ما تعريف كل مقام؟ بل: ماذا يفعل في الإنسان؟

الخوف والرجاء يحميان السير من الغرة واليأس، والمحبة والشوق يوحدان الوجهة ويحركان الإرادة، والتوكل والزهد والورع تحرر القلب من استعباد الأسباب والدنيا والشبهات، والصبر والرضا والشكر والحياء تحفظ العبودية في تقلب الأحوال.

وهنا لا تعود المقامات جزرًا متجاورة، بل تدخل في شبكة من العلاقات: المعرفة تثمر التعظيم، والتعظيم يثمر الهيبة، والهيبة تستدعي الحياء، والحياء يحفظ الجوارح؛ والمحبة تجمع الهم، وجمع الهم يضعف سلطان الشهوة، وصفاء الإرادة يقود إلى الموافقة، والموافقة تقرب من المطلوب.

ولهذا كانت إحدى أهم نتائج الاستقراء أن وحدة النسق لا تقوم على وحدة الوسيلة، بل على وحدة الغاية. تتعدد المسالك، وتتنوع المقامات، وتتفاوت البواعث، لكن هذه الكثرة تنتظم حين تتجه إلى مركز واحد، وتخضع لميزان واحد، وتتعاون على بناء إنسان واحد.

ولا يعني الترقي أن السالك يغادر نهائيًا قابلية الفتور والابتلاء، وإنما هو تدرج في عمق التحقق ورسوخ العبودية؛ فيصبح المقصد أرسخ في الإرادة، والعمل أصدق تعبيرًا عنه، والإنسان أقدر على استعادة وجهته إذا شرد عنها.

الغاية الأبعد.. حين لا تنتهي الرحلة عند النجاة

ومن النصوص التي تكشف تفاوت الغايات عند المحاسبي تصويره الأخروي في التوهم. فبعد أن يدخل أهل الجنة الجنة، ويأمنوا من النار، وينالوا الرضا والجوار، لا يجعل ذلك نهاية أفق الطلب؛ بل يذكر ما ادخر لهم "من غاية كرامته وعظيم مسرته، بأن يقربهم منه ويناجيهم بترحيبه ويريهم وجهه الكريم، ليبلغوا بذلك أشرف المنازل وغاية السرور ومنتهى الرغبة"(12).

ودلالة ترتيب المشهد أعمق من ألفاظه المفردة: لقد حصلت النجاة، ودخلوا الجنة، وأمنوا العذاب، ثم بقي وراء ذلك أفق يصفه المحاسبي بـ"أشرف المنازل" و"منتهى الرغبة". وهنا يظهر أن السير لا ينحصر في الفرار من الألم أو تحصيل النعيم، بل يرتقي في أفق الغاية نفسها إلى القرب والكرامة والمناجاة.

المحاسبي وإنسان اليوم.. صلاح الحضور في الحياة

ولكن كيف نعرف أن هذا النسق قد حقق غايته؟ الجواب المحاسبي شديد الواقعية: بالأثر؛ فالمعنى الباطني لا يستوفي وظيفته بمجرد استقراره في الشعور. إصلاح القصد يظهر في العبادة إخلاصًا وحضورًا، وفي الأخلاق تواضعًا وسلامة صدر، وفي العلاقة بالناس حفظًا للحقوق وكفًا للأذى، وفي الأسرة رعاية ومسؤولية، وفي السوق والكسب حلالًا وورعًا وقيامًا بالواجب.

ولهذا لا يرى المحاسبي تعارضًا بين الترقي الروحي ومسؤوليات الحياة. ففي المكاسب، بعد وصف أهل الخصوص بطهارة القلوب وإدامة الذكر والتقرب، يقرر حقوق الآباء والأمهات والأزواج والأولاد ومن تلزم نفقتهم، ولا يجعل الاشتغال بالباطن مسوغًا لإضاعة واجب(13)، فالطريق إلى الله لا يمر فوق حقوق عباده.

ومن هنا لا يكون الفقر فضيلة لذاته، ولا الكسب مذمة لذاته، ولا التوكل تعطيلًا للأسباب، ولا الزهد هجرًا للدنيا، إنما الامتحان في اليد التي تكسب، والطريق الذي تسلك، والقلب الذي يتعلق، والحد الذي يقف عنده الإنسان. والتزكية بهذا المعنى لا تخرج الإنسان من الدنيا، بل تخرج الدنيا من مقام السيادة عليه؛ أي إنها تدخل الدنيا في نظام العبودية بدل أن تخرج العبودية من نظام الحياة.

وهنا تتجلى راهنية المحاسبي، فأزمة إنسان اليوم ليست ندرة المعرفة فحسب؛ بل لعل من أعمق أزماته وفرة المعرفة مع تشتت الإرادة، واتساع الوسائل مع اضطراب الغاية، وتضخم القدرة مع ضعف الميزان الذي يوجهها. يعرف كثيرًا ولا يعمل بمقدار ما يعرف، ويتصل بالعالم كله وقد يفقد الاتصال بمركزه الداخلي، وتتكاثر أمامه الاختيارات حتى يصبح امتلاك الخيارات نفسه مصدرًا للتشتت.

في هذا السياق تستعيد المحاسبة معناها بوصفها سؤال الباعث، والمراقبة معناها بوصفها استحضار الميزان، والزهد معناه بوصفه تحرير الإنسان من أن تملكه الأشياء التي يملكها، وجمع الهم معناه بوصفه استرداد وحدة الوجهة في عالم يتفنن في تفريق الانتباه وإثارة الرغبات.

ولا يعني هذا أن ننسب إلى المحاسبي "مشروعًا حضاريًّا" بالمفهوم المعاصر؛ فتلك نسبة لا تسمح بها أمانة القراءة. لكن اجتماع الآثار التي تثبتها نصوصه يسمح باستخلاص مآل حضاري وإنساني: فالإنسان الذي استقامت وجهته، وانضبطت إرادته، وصلحت عبادته، وزكت أخلاقه، وحفظ حقوق غيره، وقام بمسؤولية أسرته، وضبط كسبه؛ إنسان أصلح للفعل في العمران.

ومن ثم فإن المآل الحضاري المستنبط يبدأ بإصلاح الإنسان الفاعل في العمران، من غير اختزال العمران في صلاح الفرد. فالمحاسبي لا يقدم نموذجًا جاهزًا للمؤسسات أو الاقتصاد أو الاجتماع، ولكنه يعيدنا إلى سؤال يسبق ذلك كله: أي إنسان نريد أن يحمل هذه المؤسسات، ويدير هذه الوسائل، ويمارس هذه القوة؟

وكلما اتسعت قدرة الإنسان ازدادت حاجته إلى ميزان يضبطها، وكلما اتسع أثره تعاظمت مسؤوليته عن مآلات فعله. وهنا تنتهي التزكية إلى واحدة من أوسع ثمراتها: صلاح الحضور في الحياة.

ولعل هذه هي القيمة الأعمق التي تكشفها إعادة قراءة الحارث المحاسبي اليوم. فهو لا يصلح القلب ليهرب صاحبه من العالم، وإنما يصلح مركز الإنسان الذي يدخل به إلى العالم؛ ولا يطلب منه أن يهجر الدنيا، وإنما ألا يجعلها سيدته؛ ولا يفصل بين صفاء الباطن وأمانة الظاهر، ولا بين المعرفة والإرادة، ولا بين العبادة والمسؤولية.

وبذلك لا تعود كثرة حديث المحاسبي عن آفات النفس وأعمال القلوب والمقامات موضوعات متجاورة، بل أجزاءً في هندسة للإنسان في سيره إلى الله: مرجعية تضبطه، وغاية تجمعه، ومعرفة تبصره، وإرادة تتوحد، وقلب يتطهر، ومسالك توصله، ومقامات تحرسه وتحركه وتحرره وتديمه، وعمل يصدق باطنه، وأثر يمتد من نفسه إلى دوائر حضوره في الحياة.

وبعد أكثر من أحد عشر قرنًا، لا يزال سؤال المحاسبي سؤالًا شديد المعاصرة: كيف يستعيد الإنسان وحدة قلبه وسط التشتت، ووحدة غايته وسط تزاحم المطالب، وصدق عمله وسط اتساع المسافة بين المعرفة والسلوك؟ وكيف يتحول صلاح الباطن من تجربة تخص صاحبه إلى خير يظهر في عبادته وخلقه وأسرته وكسبه وعلاقته بالناس؟

ذلك بعض ما يستطيع المحاسبي أن يقدمه لعصرنا: ألا تكون التزكية انكفاءً عن الحياة، بل إعادة بناء للإنسان الذي يدخلها بميزان؛ أقوم عبودية، وأزكى نفسًا، وأصدق قصدًا، وأعدل علاقة، وأوفى مسؤولية، وأطهر كسبًا، وأصلح أثرًا.

الهوامش
  • 1 الحارث المحاسبي، كتاب العلم، تحقيق محمد العابد المزالي، ص81–85.
  • 2 الحارث المحاسبي، الرعاية لحقوق الله، تحقيق عبدالقادر أحمد عطا، ص91–92.
  • 3 الحارث المحاسبي، المكاسب والورع والشبهة، تحقيق عبدالقادر أحمد عطا، ص52–53.
  • 4 الحارث المحاسبي، رسالة المسترشدين، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، ص35–36.
  • 5 الحارث المحاسبي، ماهية العقل ومعناه واختلاف الناس فيه، تحقيق حسين القوتلي، ص209–210.
  • 6 الحارث المحاسبي، ماهية العقل ومعناه، ص210–211.
  • 7 الحارث المحاسبي، فهم القرآن ومعانيه، تحقيق حسين القوتلي، ص321–322.
  • 8 الحارث المحاسبي، المكاسب، ص53.
  • 9 الحارث المحاسبي، آداب النفوس، ضمن آداب النفوس ويليه كتاب التوهم، تحقيق عبد القادر أحمد عطا، ص107.
  • 10 الحارث المحاسبي، الرعاية لحقوق الله، ص229.
  • 11 الحارث المحاسبي، الرعاية لحقوق الله، ص107–108.
  • 12 الحارث المحاسبي، التوهم، ضمن آداب النفوس ويليه كتاب التوهم، ص191–192.
  • 13 الحارث المحاسبي، المكاسب، ص53–54.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة