مكاشفة وتأمُّل

حشاني زغيدي

20 أكتوبر 2026

16

رسم فني تعبيري لشجرة في أجواء طبيعية وكونية تعبر عن التأمل

في عتمة المسافة بين ما نُضمره وما نُعلنه، يقف الإنسان شاهدًا على مزيجٍ مشتبكٍ من الرؤى والانفعالات؛ حيث لا تكتفي الذات بمراقبة الوجود، بل تغرق في مكاشفةٍ مضنية تُعرّي أوهام الاستقرار الروحي والفكري، ومن هذه الزاوية الشفيفة، يبدأ التأمل في صراعاتنا اليومية مع الفكرة ومع الآخر.

تُشكّل الهواجسُ الفكرية وارتجاجاتُ العواطف محطاتٍ صاخبة في مسيرة الإنسان؛ فنحن نحتضن الأفكار تارةً، ونناكف الخصوم تارةً أخرى، ثم نعود لنتلصص على العواطف لنُخمد جَذوتها المشتعلة، وبين هذا التدافع وذاك الكبت، نجد أنفسنا نرفل في تيهٍ عريض وفوضى من التضاد؛ وهي حقيقةٌ نجهد في كتمانها، لكنها تظل حاضرةً وراسخة في عمق البناء النفسي.

ولعلّ أولى المكاشفات كشفًا للزيف، أن الخصم ليس بالضرورة هو المخالفُ البعيد في الرأي؛ فقد يكون رفيقًا مشاركًا يسير معك في الطريق ذاته، كما قد يكون غريبًا مبايِنًا، إذ إنّ الجوهر الحقيقي للخصومة لا يكمن في التباين الفكري الراقي، بل في نزوة الانتصار، وحظوظ النفس، وحمِيّة التعصب.

ونحن إذ نحتضن العواطف -قريبَها وبعيدَها- في محاضن التواصل الإنساني العفوي، تكشف لنا الأيامُ عن اهتزازاتٍ عميقة ناتجةٍ عن سوء التقدير في حساب الآخر؛ ذلك الحاضن الذي سرعان ما يصطدم بعدم التوافق على «دفاتر الشروط النفسية والاجتماعية»، تلك الكراسات الضمنية التي يكتبها كل طرف في الخفاء، لتتحول العفوية أمامها إلى خيبةٍ واهتزاز.

لقد عشتُ شخصيًا تفاصيل هذا الصراع في بنيته الفكرية، وشهدتُ تقلّب الشخوص حول هواجس الأفكار، فكان الاهتزازُ رفيقًا دائمًا يُربك المسيرة، وحقيقةُ الأمر التي جلّتها التجربة، أن المشكلة لم تكن يومًا في نُبْل الأفكار وسموّ غايتها، بل في تقدير صاحب العلاقة الفكرية ومآربه المستترة خلف ستار الفكرة.

وفي الحين نفسه، نجد أنفسنا نعيش بين ذواتٍ تائهة تشتاق إلى الدفء العاطفي؛ ذاك الدفء الناصع غير المرهون بنزوات العواطف المتشابكة والقيود الخفية، فنحن غالبًا ما نقع في مغالطة الاحتواء حين نحسبه ملكيةً وحيازة، بينما هو في حقيقته شراكةٌ ندِيّة؛ تقوم على الانسجام والتوازن الفكري والوجداني، وتتأسس على تقاسم الضرائب والأعباء بشرفٍ وتراضٍ.

إن المكاشفة الحقيقية لا تنتهي عند تعرية الضعف أو إحصاء الاهتزازات، بل تبدأ منها؛ فسلامُ النفس لا يتحقق بالهروب من فوضى التضاد، بل بفهم قوانينها، وحين ندرك أن نُبْل الفكر يستوجب تجرّد صاحبه، وأن دفء العاطفة يستلزم حرية الندّية، تلتئم جراح التيه، ويستقر الوجدان على أرضٍ صلبة من التوازن والرضا.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة