من سرق انتباه الإنسان؟!
هل جربت أن تفتح
هاتفك لتجيب عن رسالة واحدة، ثم تكتشف بعد دقائق أنك انتقلت من رسالة إلى مقطع،
ومن مقطع إلى آخر، دون أن تتذكر لماذا فتحت الهاتف أصلًا؟ وهل حدث أن جلست لتقرأ
صفحة، فإذا بعقلك يبحث عن شيء آخر قبل أن تصل إلى نهايتها؟ ربما لا تكون المشكلة
في الهاتف وحده، ربما هناك شيء أعمق يحدث لنا جميعًا.
من يملك انتباه الإنسان اليوم؟
الانتباه ليس
مجرد قدرة على النظر أو الاستماع؛ إنه الطريقة التي نمنح بها الأشياء جزءًا من
وعينا، وما نمنحه انتباهنا باستمرار، يترك أثره فينا، حتى يتحول مع الوقت إلى
عادة، والعادة إلى طريقة في رؤية العالم، ولذلك يبدو السؤال عن الشاشة أكبر من
سؤال الوقت، فليس المهم فقط: كم ساعة نقضي أمامها؟ وإنما ماذا يحدث لعقولنا
وحواسنا خلال هذه الساعات؟
في القرآن
الكريم يقول الله تعالى: (وَإِذَا
قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأعراف:
204).
فالاستماع هنا
ليس مجرد وصول الصوت إلى الأذن، والإنصات ليس مجرد الصمت؛ إنهما حالة من الحضور، أن
تمنح ما تسمعه انتباهك، وأن تترك له مساحة داخلك.
وهنا تكمن
مفارقة عصر الشاشة: لم يسبق للإنسان أن عاش وسط هذا الكم الهائل من الصور والأصوات
والمعلومات، ومع ذلك يبدو أحيانًا أقل قدرة على البقاء مع صورة واحدة، أو فكرة
واحدة، أو حوار واحد.
في المقهى، قد
يجلس أربعة أشخاص حول طاولة واحدة، لكن كل واحد منهم يعيش داخل شاشة مختلفة، وفي
البيت، قد يتحدث طفل بحماس عن شيء شاهده، بينما عين أبيه تتابع إشعارًا وصل للتو، وقد
تجلس أم مع ابنتها، لكن الحوار ينقطع كلما أضاء هاتف على الطاولة.
لا أحد هنا قرر
بالضرورة أن يهمل الآخر لكن الانتباه المجزأ يصنع علاقة مجزأة، وهذا ما يجعل
القضية ثقافية بقدر ما هي تقنية، فالفن يحتاج إلى عين صابرة، لوحة قديمة لا تكشف
أسرارها في ثوانٍ، وموسيقى جميلة لا تمنحك معناها من أول نغمة، وقصيدة قد تحتاج
إلى قراءتها مرة ثانية حتى تصل إلى ما وراء الكلمات.
لكننا نعيش
اليوم في إيقاع مختلف: صورة تتبعها صورة، عنوان يطالبنا بالنقر، مقطع ينتهي ليبدأ
آخر، وإشعار صغير قادر على قطع فكرة كاملة، لقد أصبح الانتقال أسهل من التوقف.
الطفولة في عالم رقمي
تشير مراجعة
منهجية منشورة عام 2022م في مجلة «علم النفس العصبي النمائي» إلى وجود ارتباط بين
زيادة وقت الشاشة وبعض مشكلات الانتباه لدى الأطفال، مع التأكيد على أن طبيعة هذه
العلاقة ما تزال بحاجة إلى مزيد من البحث.
ففي تقريرها «الطفولة
في عالم رقمي»، الصادر عام 2025م، تؤكد «يونيسف» أن التكنولوجيا الرقمية يمكن أن
تمنح الأطفال فرصًا للتعلم وبناء المهارات والتواصل، وأن أثرها لا يمكن فهمه من
خلال «وقت الشاشة» وحده؛ بل يتأثر بما يفعله الطفل على الإنترنت، ونوع المحتوى
والخبرات التي يتعرض لها، والسياق الذي يستخدم فيه التكنولوجيا.
وهذه نقطة تستحق
أن نتوقف عندها؛ لأن الطفل الذي يستخدم الشاشة ليتعلم مهارة، أو يتواصل مع قريب
بعيد، ليس كالطفل الذي يستهلك محتوى بلا نهاية، والشخص الذي يستخدم هاتفه لإنجاز
عمل أو قراءة كتاب ليس كالذي يترك خوارزمية المحتوى تختار له كل دقيقة ما سيراه
بعد ذلك.
الحرب على الشاشة
إذن ليست القضية
أن نعلن الحرب على الشاشة، القضية أن نستعيد حق الإنسان في الاختيار، أن نعرف
لماذا نمسك الهاتف، وماذا نريد منه، ومتى نتركه، أن نقرأ دون أن نقاطع الصفحة
بإشعار، أن نستمع إلى من يحدثنا دون أن نراقب الشاشة، أن نجلس مع الأسرة دون أن
يكون لكل فرد عالمه الخاص في يده، أن نترك للملل مساحة، وللصمت معنى، وللتأمل
وقتًا كافيًا.
فقد لا تكون
خسارتنا الكبرى أن الشاشة أخذت من وقتنا بعض الدقائق ربما الأخطر أنها قد تعودنا
أن نطلب من العالم كله أن يتغير كل بضع ثوانٍ حتى لا نشعر بالملل وحينها لا نفقد
الانتباه فقط بل نفقد القدرة على التأمل، والإنصات، والصبر، ورؤية التفاصيل التي
تمنح الحياة معناها.
ومن هنا يصبح
السؤال الحقيقي: هل ما زلنا نحن من يقرر أين يذهب انتباهنا؟ فما نمنحه انتباهنا
اليوم، يشارك في صناعة الإنسان الذي نصبح عليه غدًا، وفي زمن تتنافس فيه الشاشات
على أعيننا وآذاننا ووقتنا، ربما يكون من أشكال الوعي أن نستعيد حقًا بسيطًا جدًا؛
أن نختار ما يستحق أن ننظر إليه، وأن نعرف متى نغلق الشاشة لنرى الحياة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً