أسئلة المصير الثلاثة (3 - 3)

من نبيُّك؟

د. أحمد عيسى

30 سبتمبر 2026

66

من نبيُّك؟

ما زلنا مع الأسئلة المصيرية الثلاثة التي سنُسأل عنها في القبر، وأن الله يثبت الذين آمنوا بإجاباتها، لأنهم في الدنيا عرفوا مَن ربهم وما دينهم ومَن نبيهم، وفي هذا المقال نستكمل سؤال: ومَن نَبيُّكَ؟

يقول المؤمن: نبيي هو محمد صلى الله عليه وسلم، فمعجزاتُه وسيرتُه وشمائلُه كلها دلالاتٌ يقينية على نبوته.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنِّي عندَ اللهِ مكتوبٌ خاتمُ النَّبييِّنَ، وإنَّ آدمَ لمُنْجَدِلٌ في طينتِه (قَبلَ نَفخِ الرُّوحِ فيه) وسأخبرُكم بأوَّلِ أمري: دَعوةُ إبراهيمَ، وبِشارةُ عيسَى، ورؤيا أمِّي الَّتي رأَت -حين وضعَتني- وقد خرج لها نورٌ أضاءَت لها منه قصورُ الشَّامِ» (رواه أحمد، وابن حبان).

يقول المؤمن: نبيي هو محمد صلى الله عليه وسلم لأنه ذُكر في بشارات الكتب السابقة: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) (الصف: 6).

ومعنى «أحمد» أحمد الحامدين لربه، وأما «محمد» فهو في معنى محمود، ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار، فالمُحَمد هو الذي حُمد مرة بعد مرة، والله سبحانه سماه قبل أن يُسمى في الدنيا، فهذا علم من أعلام نبوته.

وقال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الأعراف: 157).

ورد في سفر أشعياء (إصحاح 42) وصف للنبي وقومه بخصائص وأحوال قبل مجيئهم، ثم حالهم بعد ظهوره بينهم، لا تنطبق إلاَّ عليه صلى الله عليه وسلم، ومنها: «لِتَرْفَعِ الْبَرِّيَّةُ وَمُدُنُهَا صَوْتَهَا، الدِّيَارُ الَّتِي سَكَنَهَا قِيدَارُ، لِتَتَرَنَّمْ سُكَّانُ سَالِعَ، مِنْ رُؤُوسِ الْجِبَالِ لِيَهْتِفُوا، لِيُعْطُوا الرَّبَّ مَجْدًا وَيُخْبِرُوا بِتَسْبِيحِهِ فِي الْجَزَائِرِ».

الصحراء هي الديار التي سكنها قيدار الجد الأكبر لقبائل مكة، من أبناء إسماعيل عليه السلام، وأصوات تسبيحه هو الأذان، أما سالع فهو جبل سلع بالمدينة المنورة (الذي تحصن به المسلمون في غزوة «الخندق»).

وذكره يوحنا في إنجيله 14 (15-16): «إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ، وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ» كانت «فيعطيكم فارقليط آخر ليثبت معكم إلى الأبد» -كما في النسخة المطبوعة سنة 1821م بلندن- وفارقليط يونانية، ولفظها الأصلي بيركلوطوس، ومعناها: محمد أو أحمد(1).

يقول المؤمن: نبيي هو محمد صلى الله عليه وسلم، فقد أعلى الله قدره وأظهر دينه، ونشر الله اسم نبيه حتى وصل أوروبا الغربية؛ فللعام الثالث على التوالي يتصدر اسم «محمد» (Muhammad) قائمة أكثر أسماء المواليد شيوعًا في إنجلترا وويلز(2)، وتصدر الاسم في بروكسل وأوسلو، وانتشر في برلين وباريس وأمستردام وستوكهولم وفيينا.

يقول المؤمن: نبيي هو محمد صلى الله عليه وسلم؛ فدليل نبوته واضح وضوح الشمس، منها نسبُه وشرفه وصدقه وأمانته وعفته قبل بعثته، وصبرُه على الأذى في دعوته، وزهده في الدنيا وتبتله وعبادته، ومعجزة أميتِه؛ (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) (العنكبوت: 48).

يقول المؤمن: نبيي هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي أعلى الله ذكره (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) (الشرح: 4) فلا يُذكر الله إلا ذُكر رسوله معه في مشارق الأرض ومغاربها في الشهادتين، والخُطب والأذان والإقامة والتشهد في 4 ملايين مسجد، ورفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء، وفي الأرض في قلوب المؤمنين من محبة وإجلالاً وتعظيماً، ما ليس لأحد غيره، وبما اختصه به من النبوة والرسالة، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من الشفاعة والوسيلة والفضيلة والمقام المحمود، وكرائم الدرجات.

يقول المؤمن: نبيي هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي أكرمه الله تعالى واخْتُصَّه بأعظم المعجزات؛ القرآن الكريم، قال صلى الله عليه وسلم: «ما مِنَ الأنبياءِ نَبيٌّ إلَّا أُعطيَ ما مِثلُه آمَنَ عليه البَشَرُ، وإنَّما كان الذي أوتيتُ وحيًا أوحاه اللهُ إليَّ، فأرجو أن أكونَ أكثَرَهم تابِعًا يَومَ القيامةِ» (رواه البخاري)، كانت معجزة كل نبي تقع مناسِبة لحال قومه ثم انقطعت، ومعجزة نبينا باقية إلى يوم الدين؛ (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الإسراء: 88) وإلى زماننا لم يستطع أحدٌ أن يفعل ذلك.

وحفظ الله القرآن الكريم بإعجازه العقائدي والغيبي والتنبؤي والتاريخي والتشريعي والعلمي والأخلاقي والتربوي والأسري والنفسي والبلاغي، وما من أحد يقرؤه بتدبر، دون عناد، إلا عرف أنه كلام الله، لما فيه من أنباء الغيب، والأحكام الإلهية التي تصان بها حقوق الإنسان؛ من دين ونفس، ومال ونسب، وعقل وعرض.

ومعجزة القرآن الكريم أيضا في مضمونه الذي قدّمه واستطاع، ويستطيع، بناء الإنسان والمجتمع والدولة، فنجح في بناء «الإنسان المعجزة» حسب حاجاته العقلية والنفسية والجسمية، و«الأمة المعجزة» بكل ما تحتاج من ثقافة وأخلاق وآداب وقيم، و«الدولة المعجزة» بكل ما تحتاجه من تشريعات وأحكام.

يقول المؤمن: نبيي هو محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقد ثبتت نبوته وصدقه فيما بلغه عن الله؛ فآمنت بعموم رسالته للعالمين، وبكونه خاتم النبين ورسالته خاتمة الرسالات، وأن رسالته ناسخة لما قبلها من الشرائع، وآمنت بأنه قد بلغ الرسالة وأكملها وأدى الأمانة ونصح الأمة.

وآمنت بما له من حقوق كمحبته وتعظيمه، وتعزيره أي نصرته وتأييده، وتوقيره صلى الله عليه وسلم، بالِاحْتِرَام وَالْإِجْلَال وَالْإِعْظَام والتشريف والتكريم، وآمنت بعصمته صلى الله عليه وسلم، وأحببته وأحببت من أحبه صلى الله عليه وسلم من آل بيته وأزواجه كلهن، وخلفائه وأصحابه كلهم والمسلمين جميعهم.

وصدقته فيما جاء به، وأنه من عند الله من كتاب وسُنة حق يجب اتباعه، وصدقته في جميع ما أخبر به عن الله من أنباء ما قد سبق وأخبار ما سيأتي، وصدقته فيما أحل من حلال، وحرّم من حرام.

يقول المؤمن: نبيي هو محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان يسمع أمره فيأتمر ويطيع، وعرف أن طاعته سبب لحب الله ومغفرته؛ «فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم» (آل عمران: 31)، وأن طاعته سبب للهداية؛ (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) (النور: 54)، وأن طاعته سبب للرحمة؛ (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (النور: 56).

يقول المؤمن: نبيي هو محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان المؤمن يتحاكم إلى شرعه: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: 65).

أقسم تعالى بنفسه الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكّموا رسوله فيما شجر بينهم، ثم لا يكفي هذا التحكيم حتى ينتفي الحرج من قلوبهم والضيق، ثم لا يكفي ذلك حتى يسلموا لحكمه صلى الله عليه وسلم تسليمًا بانشراح صدر، وطمأنينة نفس، وانقياد بالظاهر والباطن، التحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان، فمَن استكمل هذه المراتب وكملها، فقد استكمل مراتب الدين كلها (تفسير السعدي).

من كان هكذا في الدنيا فسيجيب في القبر عن السؤال: ومن نبيك؟

الهوامش
  • 1 رحمت الله الهندي، إظهار الحق، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، 1198.
  • 2 Office for National Statistics – Baby names in England and Wales: 2025, 9 July 2026،
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة