من يربي ذوقك؟ 5 أبواب تشكل شخصية الإنسان دون أن يشعر

عزة مختار

11 أكتوبر 2026

14

صورة مائية بها فتاة تمشي وحولها 5 ابواب

من يربي ذوقك

قد يتحدث المرء بغير تكلف عن إعجابه بفكرة معينة أو اهتمامه بمجال ما، دون أن يفطن إلى أن ذوقه العام في رحلة تشكل مستمرة؛ فالذوق لا يتغير في لحظة خاطفة، وإنما يتبلور تدريجياً عبر ما نألفه ونكرره ونشاهده، حتى يستقر كعادات وثوابت ذهنية، ومن يملك التأثير في ذوق الإنسان، فهو يساهم بالفعل في صياغة معالم شخصيته، فما الأبواب والمداخل التي تتسلل منها هذه المؤثرات؟

الأول: الاعتياد والألفة:

يبدأ التحول غالباً من نقطة الاعتياد والتطبيع، تخيل شاباً يلتزم قيماً أصلية وحدوداً صارمة في تعاملاته، يدخل إلى مجموعة على شبكات التواصل الاجتماعي، فيرى أحداً يطلق نكتة تهكمية على غائب، فتتعالى ضحكات الجميع، في البدء، يستنكر الشاب هذا التصرف، لكنه يختار البقاء والمتابعة، ومع تكرار المشهد وتوالي الضحكات، تتدرج ردود فعله؛ من اكتفاء بالمشاهدة، إلى ابتسامة خفيفة، ثم تعليق موجز، حتى يجد نفسه بعد أسابيع مشاركاً في التندر، ولربما غدا بعد أشهر هو من يبتكر النكتة!

فالتكرار والإلف أذابا حاجز الاستنكار، وهذه من أخطر آليات التأثير الثقافي؛ أن ينتقل التصرف الخاطئ في حس النفس من أمر لافت للنظر ومستنكر، إلى شيء عادي، ثم مقبول، ثم ممارسة سلوكية؛ (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الزمر: 18).

الثاني: ملازمة المؤثرين:

لا يحتاج بعض الناس إلى إعطاء دروس أو مواعظ لتغييرنا، بل يكفي أن نطيل الجلوس إليهم لتتسرب سلوكياتهم إلينا، فتجد نفسك تُقلّد إيماءات أيديهم، وتستعير مفرداتهم، وتتأثر بنبرة حديثهم، والأشد خطورة أن تتشكل عقليتك وأخلاقك بعد سنوات من المخالطة وفقاً لمعتقداتهم وقيمهم.

ويستحضر معظمنا شخصيات فريدة تركت أثراً عميقاً في بناء ثقافتنا؛ كمعلم فاضل، أو مربٍّ ناصح، أو شيخ مؤثر، وفي المقابل قد يكون هذا المؤثر أحداً من مشاهير وسائل التواصل؛ «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ والسَّوْءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ ونَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، ونَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً» (رواه البخاري، ومسلم).

إن أثر الجليس قد يبدو ضئيلاً في كل موقف، لكنه يصنع الشخصية على مدى الأيام والسنوات.

الثالث: المزاح الكاشف:

يُسمى «التنمر»، وهو يعود في أصله إلى السخرية واللمز والتنابز بالألقاب التي حظرها الإسلام، ففي كثير من التجمعات، يوجد شخص يختلف عن المجموعة بصفة ما، يبدأ الأمر كمادة للفكاهة، فإذا تقبّلها المرة تلو الأخرى، تحول الأمر من مزاح عابر إلى سخرية مؤلمة تتكرر كعادة لا يستشعر الممارسون لها أي سوء، فيغدو ألم الآخرين مصدراً للضحك؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ) (الحجرات: 11).

هنا يتحول الضحك إلى مرآة تكشف طبيعة الأخلاق، فالإسلام لا يمنع البهجة والضحك، لكنه يضبطهما بأخلاق وقيَم.

الرابع: البطل المتسلل:

يتسلل بعض الأبطال إلى وعي الإنسان عبر بوابة الخيال، ثم يتجاوزونها ليستقروا في عمق الأحلام والأمنيات، عندما يتابع الشاب شخصية درامية تتنعم بالمال والشهرة والسفر والقدرة وتعيش حياة مثيرة، فإنه يتعلّق بها ويتعاطف مع تفاصيلها حلقة بعد أخرى.

ورغم أن الشخصية قد تكون شريرة أو خارجة عن القانون في سيق العمل، فإن طريقة تقديمها تجعل المشاهد يتجاوز حمولتها الأخلاقية ليُغرم بها، ومن هنا وجب إدراك أن الرواية ليست هي الواقع، وأن البطل الجذاب ليس بالضرورة أنموذجاً أخلاقياً يُقتدى به.

الخامس: استعارة أصوات الآخرين:

تتجلى أشد مراحل التأثير الثقافي خطورة حين تنتقل الفكرة من الشاشة إلى اللسان، ومن المفردات إلى عمق طريقة التفكير، فقد تبدأ القصة باستحسان تعليق ساخر لأحد المؤثرين، وبعد فترة يُلاحظ الأهل تردد مفرداته على لسان الشاب، ثم يكتشف بعد عام أنه أصلح يحكم على الأشخاص والأحداث بالطريقة نفسها التي يتبعها ذلك المؤثر!

ليست المشكلة في أصل التأثر بالغير؛ فذلك من طبيعة التعلم البشري، وإنما تكمن المشكلة في أن يصل التأثر إلى درجة يعجز فيها المرء عن معافاة مصدر أفكاره، فيتحدث بصوت غيره متوهماً أنه صوته الأصيل.

ولا يكمن الحل في الانعزال أو إغلاق المنافذ عن المجتمع، بل في تعزيز التفكير الناقد وقدرة الاختيار، أن يعلم الشاب أن إعجابه بفنان لا يستلزم تبني كافّة أفكاره، وأن متابعته لكاتب لا تجعله مرجعاً في كل شأن، وأن نجاح صانع محتوى في مجال محدد لا يمنحه وصاية أخلاقية أو فكرية على باقي المجالات.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة