نحوُ النصير وبلاغة التبشير (4)

نحو الائتمان وبلاغة الاطمئنان

نحو الائتمان وبلاغة الاطمئنان

إن الرحلة البيانية التي بدأناها في "نحو النصير" ومررنا فيها بـ "نحو الإعزاز"، تصل اليوم إلى غايتها القصوى في "نحو الائتمان". والائتمان في اللغة والنحو هو مقام "الأمن" الذي يحل بعد اضطراب، وهو "الثبات" الذي يعقب الزلزلة.

إننا حين نمتاح من القرآن الكريم آيات السكينة والبيان، نجد أن الحق تبارك وتعالى قد صاغ مفهوم "الاطمئنان" صياغة نحوية معجزة، تجعل من الحرف ملاذا، ومن الجملة حصنا. وفي ظل ما تعانيه الأمة من شتات ونزوح وحروب، تأتي "بلاغة الاطمئنان" لتمسح غبار الخوف عن العيون، وتزرع السكينة في الصدور المكلومة.

إن النحو هنا يتجاوز ضبط اللسان ليضبط حركة القلب، ويحول "الخوف" من حال مستمرة إلى "أمن" مستقر بيقين الوحي.

إننا نبحث اليوم في أسرار "الائتمان" الإلهي الذي وعد الله به عباده المتقين في أحلك الظروف، لنستخرج منه بشرى الفرج والائتلاف بعد الفرقة والاختلاف.

بلاغة "أنزل السكينة" ونحو التعدي لقلب المؤمن

​تبدأ تجليات الائتمان في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ) (الفتح: 4). يقف النحوي البلاغي أمام الفعل "أنزل"؛ وهو فعل يتعدى لمفعول به واحد وهو "السكينة". إن اختيار فعل الإنزال يوحي بـ "علو" المصدر، فالسكون لا يأتي من تدابير البشر المادية، بل هو "منحة" سماوية تنحدر من لدن عليم حكيم. إن بلاغة الاطمئنان هنا تكمن في قوله "في قلوب المؤمنين"؛ فحرف الجر "في" يفيد الظرفية والتمكن، وكأن السكينة ليست زينة ظاهرة، بل هي "حال" مستقرة داخل النفس، لا تزعزعها عواصف الخارج.

​إن نحو الائتمان يقتضي منا أن نؤمن بأن السكينة هي "الفاعل" الحقيقي في صمود المظلومين؛ فالمسلم المكلوم الذي فقد داره وأمنه، يجد في هذا الإنزال الرباني ما يعوضه عن كل فاقد.

إن اللام في قوله "ليزدادوا إيمانا" هي "لام التعليل" التي تربط بين الأمن واليقين؛ فكلما زاد الائتمان القلبي، زادت القدرة على مواجهة النوازل. إننا نخاطب الشعوب المهجرة: إن أمنكم الحقيقي يبدأ من "نحو القلوب"، فإذا استقرت السكينة في داخلكم، بطل سحر الترهيب الذي يمارسه الأعداء، وتحول الروع إلى طمأنينة تسع الوجود كله.

نحو "أطعمهم من جوع" وبلاغة الكفاية الائتمانية

​يمتد الائتمان ليشمل الجانب المادي والنفسي في قوله تعالى: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (قريش: 4). هنا نجد "نحو الكفاية"؛ حيث قدم الإطعام على الأمن في الذكر، ليدل على أن الائتمان يكتمل بسد حاجات الجسد والروح معا. إن بلاغة الاطمئنان تظهر في حرف الجر "من" الذي يفيد "المجاوزة"؛ أي أن الله جعلهم يجاوزون الجوع والخوف إلى سعة الشبع والأمن. إن هذا هو "نحو النعمة" التي تفتقدها الكثير من ديار المسلمين اليوم بسبب الحروب والحصار.

​إننا في مقاصدنا النحوية نرى أن الفعل "آمنهم" هو فعل متعد، والفاعل هو الله تعالى، والمفعول به هم العباد. وهذا يعني أن "الأمن" هو صناعة إلهية محضة، تقتضي من العباد "شكر المنعم" لتدوم النعمة. إن بلاغة الاحتراز هنا تحذرنا من الركون إلى الأسباب المادية وحدها؛ فالذي آمن قريشا في مكة هو القادر على تأمين المسلمين في كل بقعة مضطربة. إن نحو الائتمان يبشرنا بأن الجوع والخوف هما "حالتان عارضتان" في جملة الحياة، وأن "الأصل" هو كرم الله وفيض أمنه الذي يغمر الصادقين.

بلاغة "أمنة نعاسا" ونحو الاستغراق في السكينة

​في وسط المعركة واحتدام الصراع، يأتي قوله تعالى: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ) (الأنفال: 11). يقف البلاغي مذهولا أمام مفعولية "أمنة"؛ فهي حال أو مفعول لأجله يبين سبب غشيان النعاس. إن النعاس في ميزان الحرب هو قمة "الاطمئنان"؛ فلا ينام الخائف، ولا يغفو المرتاع. إن نحو الائتمان هنا يقلب المقاييس؛ فبينما يشتد صليل السيوف، ينزل الله "سكونا" في الحواس يجعل المؤمن يغفو أمنا. هذه هي بلاغة المعجزة التي تؤكد أن الائتمان الرباني أقوى من ضجيج السلاح.

​إننا نحتاج اليوم إلى هذا "النعاس الإيماني"؛ ليس بمعنى الغفلة، بل بمعنى السكينة التي تجعلنا لا نضطرب أمام تهديدات الأعداء.

إن المسلم المكلوم الذي ينام قرير العين رغم هدم بيته، هو الذي حقق "نحو الائتمان" في أرقى صوره. إن قوله "منه" تؤكد أن مصدر هذا الأمن هو الله وحده، وهو ما يقطع الطريق على أي شعور بالضعف. إن هذه الآية هي رسالة لكل مرابط ومجاهد ومضرر: إن الله يملك حواسك، وهو قادر على تبديل اضطرابك هدوءا، فاستسلم لتدبيره تجد في قلبه السكينة والائتمان.

نحو "فلا خوف عليهم" وبلاغة نفي الجنس عن الروع

​من أعظم صيغ الائتمان في القرآن قوله تعالى: (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة: 38). هنا نجد "لا" النافية للجنس (حسب قراءة بعضهم "خوفَ")، وهي في النحو تفيد الشمول والاستغراق؛ أي نفي كل أنواع الخوف، صغيرا كان أو كبيرا. إن بلاغة الاطمئنان هنا مرتبطة بـ "شرط" الهدى؛ فمن اتبع هدي الله، فقد دخل في "حرم الائتمان". إن هذا النحو يمنح المؤمن حصانة ضد الانهيار النفسي؛ فالحزن على الماضي والخوف من المستقبل ينتفيان بوجود الله.

​إننا نخاطب الأجيال التي نشأت في ظل الحروب: إن الائتمان الحقيقي هو في "اتباع الهدى"؛ فكلما تمسكتم بالمنهج، سقطت عنكم قيود الروع. إن قوله "ولا هم يحزنون" بالجملة الاسمية، تفيد الثبات والاستمرار في نفي الحزن.

إن نحو الائتمان يعلمنا أن المؤمن في معية الله لا يكسر، وفي حمى شرعه لا يهان. إن هذه الآية هي "ميثاق الأمن" العالمي الذي يتجاوز مواثيق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، لأنها صادرة من "نحو النصير" الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه.

بلاغة "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم" ونحو الرابطة الذكرية

​تتجلى غاية الائتمان في قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28). الفعل "تطمئن" جاء بصيغة المضارع ليدل على "تجدد" السكينة بذكر الله. إن البلاغة هنا تكمن في تقديم الجار والمجرور "بذكر الله" في الجملة الثانية؛ وهو ما يفيد "الحصر والقصر"؛ أي لا طمأنينة حقيقية إلا بالذكر. إن نحو الائتمان هنا يربط بين حركة اللسان وسكون الجنان.

​ونحن في واقعنا المليء بالضجيج والفتن، نحتاج إلى "نحو الذكر" كأداة للائتمان؛ فالمسلم الذي يذكر الله وسط الركام، هو الذي يستحضر "الفاعل" الحقيقي للكون، فتصغر في عينه كل القوى المادية.

إن بلاغة الاطمئنان تعلمنا أن القلوب لها "نحو" خاص، لا يستقيم إلا بذكره سبحانه، وكما قال الحكماء: "ذكر الله دواء، وذكر الناس داء".

إن هذه الآية هي وصفة طبية وروحية لكل مكروب، وهي الضمانة الوحيدة للائتمان في زمن القلق والاضطراب العالمي.

نحو "رب اجعل هذا بلدا آمنا" وبلاغة دعاء الائتمان

​ينقلنا القرآن إلى نحو "الطلب" في دعاء الخليل إبراهيم -عليه السلام-: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) (البقرة: 126). هنا نجد فعل الأمر الذي غرضه الدعاء، والمفعول الثاني هو "آمنًا" بصيغة اسم الفاعل، مما يوحي بأن الأمن يجب أن يكون "صفة لازمة" للبلد. إن بلاغة الائتمان هنا تسبق طلب الرزق؛ فالرزق لا ينفع في بيئة الخوف. إن هذا النحو السياسي والاجتماعي يضع "الأمن" كأولوية قصوى لكل مجتمع مسلم.

​إننا اليوم، ونحن نرى بلاد المسلمين تمزقها الحروب، نرفع هذا الدعاء بـ "نحو اليقين": "رب اجعل بلادنا آمنة". إن الائتمان هو المطلب الأساسي للمهجرين والمشردين؛ فالحنين إلى "البلد الآمن" هو حنين إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

إن بلاغة الاطمئنان تقتضي منا أن نعمل على تحقيق أسباب الأمن بالعدل والرحمة والاعتصام بحبل الله. إن دعاء الأنبياء هو "مصباح" نهتدي به في ظلمات الفتن؛ لنعلم أن الائتمان هو منحة من الله تستجلب بالضراعة والعمل الصالح.

بلاغة "فليعبدوا رب هذا البيت" ونحو الصلة بالمنعم

​يربط القرآن الائتمان بالعبادة في قوله تعالى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (قريش: 3-4). "الفاء" هنا رابطة لجواب شرط مقدر، واللام لام الأمر.

إن نحو الائتمان يضعنا أمام معادلة واضحة: الأمن مقابل العبودية. إن بلاغة الاطمئنان لا تكتمل إلا برد الفضل إلى أهله؛ فالمجتمع الذي يأمن ويطعم ثم يعصي، إنما يعرض "ائتمانه" للزوال. وكما قال الشاعر:

إذا كنت في نعمة فارعها    فإن المعاصي تزيل النعم

​إننا نخاطب الأمة في لحظات النصر والتمكين: إن الحفاظ على الائتمان يكون بشكر "رب هذا البيت". إن السكينة التي ننشدها في ديارنا ليست من صنع أيدينا، بل هي هبة ربانية تستوجب الانقياد لأمره. إن نحو الائتمان يعلمنا أن "الأمن الغذائي" و"الأمن العسكري" هما فرعان لأصل واحد وهو "الأمن الإيماني"؛ فمتى استقام العبد في محراب العبودية، استقامت له الدنيا بمقام الائتمان، وتحولت حياته إلى واحة من الاطمئنان لا يكدّر صفوها كيد الأعادي.

نحو «مَأمنه» وبلاغة الحماية الإلهية للمستجير

​يتجلى الائتمان في أبهى صوره في قوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (التوبة: 6). هنا نجد "نحو الحماية"؛ حيث أمر الله بتأمين المستجير حتى يبلغ "مأمنه".

إن بلاغة الاطمئنان هنا تتجاوز دائرة المؤمنين لتشمل الإنسانية في مقام الاستجارة. إن كلمة "مأمنه" هي "اسم مكان" من الأمن، مما يدل على أن الإسلام يهدف إلى خلق "مساحات ائتمانية" في كل مكان.

​إننا كمسلمين، نحمل في لغتنا وديننا ميثاق الائتمان للعالم؛ فإذا كان الله قد أمر بتأمين المشرك المستجير، فكيف بتأمين المسلم المكلوم؟

إن نحو الائتمان يوجب علينا أن نكون مآمنَ لبعضنا البعض، وأن نمسح دمعة اليتيم ونؤوي الغريب. إن بلاغة الاطمئنان هي التي تصنع المجتمع المتماسك الذي يشعر فيه الضعيف بالمنعة، والفقير بالرفعة.

إن هذا هو "النحو الأخلاقي" الذي نفتقده في شريعة الغاب الدولية اليوم، والذي ننشده لبلادنا لتعود كما كانت منارات للأمن والسكينة.

ميثاق الائتمان وعهد الطمأنينة

​في ختام هذه الثلاثية المباركة، نصل إلى يقين مفاده أن "نحو الائتمان" هو الثمرة الطبيعية لـ"نحو النصير" و"نحو الإعزاز".

لقد رأينا كيف أن الحرف القرآني يطارد الخوف من زوايا النفس، ويبني صروح السكينة بكلمات محكمة ومقاصد علية.

إن بلاغة الاطمئنان هي عهد الله الصادق لعباده المتقين، وهي البشرى التي تضيء ليل المظلومين وتعدهم بفجر قريب يملأ الديار أمنا والقلوب إيمانا.

​إننا نودع هذه الحلقة من هذه السلسلة، لكننا لا نودع "نحو الحياة"؛ فالبحث في لغة الوحي لا ينتهي، وبث الأمل في نفوس الأمة هو رسالتنا الخالدة.

سنظل نكتب بالمداد الذي يستقي من "نحو النصير"، لنبقى دائما صوتا للحق، ولسانا للصدق، وبشرى لكل من يرجو من الله نصرا وقرارا.

لتكُن قلوبكم عامرة بالذكر، وبيوتكم آمنة بالستر، وأيامكم مشرقة بالبشرى.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة