فقه الاستجابة في زمن التحولات (3)
نحو تجديد الفقه والفقيه.. التكامل الأدواتي
جاء الحديث عن
التجديد الفقهي في سياق ما عُرف بالنهضة الإسلامية وحركة التجديد في الدراسات
الشرعية المعاصرة، والتي عنيت بها الدراسات الشرعية والفقهية المعاصرة، وترتبط
عملية التجديد في الفقه ارتباطًا وثيقًا بتجديد أصول الفقه؛ إذ إن تجديد الفروع هو
في جوهره ثمرة لتجديد الأصول، كما أن كليهما يستلزم تجديد الفقيه نفسه، ومن ثمّ،
فإن الحديث عن تجديد الفقه ينتهي في حقيقته إلى الحديث عن تجديد الفقيه.
غير أن هذا
المسار المركّب (ربط التجديد في الفقه بالتجديد في أصول الفقه) يواجه إشكال الزمن؛
فبلورة تجديد أصول الفقه واستقراره ثم تنزيله على الفروع عملية طويلة، وآفة
المشاريع الضخمة عدم اكتمالها، لذلك رأى د. جمال الدين عطية أن العمل في تجديد
الفقه وأصوله يمكن أن يسير متوازيًا، دون تعليق أحدهما على الآخر، بحيث تُنجز
اجتهادات فقهية مرحلية تُستدرك وتُراجع لاحقًا في ضوء ما يستقر من تجديد أصولي.
ومع ذلك، لا
تنصرف هذه المقالة إلى مناقشة التجديد الفقهي في إطاره العام، بل تركّز على تجديد
الفقيه في جانب محدد، هو سرعة الاستجابة في زمن التحولات، بوصفها أحد الآثار
العملية للتجديد.
فتغيّر المحلّ
الذي كانت تتنزّل فيه الأحكام، والخروج من سياق الأزمنة الكلاسيكية التي نشأ فيها
ولها الفقه الإسلامي، والتحولات المتسارعة، وما أفرزته من نوازل ووقائع جديدة،
ضيّقت مجال الفقه التقليدي؛ ما أفضى إلى بروز فجوة بين تكوين الفقيه وواقع عصره،
ولم يعد هذا الواقع يحتمل برامج إصلاح بطيئة تمتد لسنوات طويلة، إذ إن تسارع
الأحداث يفرض تطوير آليات مختصرة تُمكّن الفقيه من مواكبة زمنه، وتجنّبه الوقوع في
دائرة التأخر المستمر؛ فقد ننجح في إعداد فقيه خلال عشر سنوات، لنكتشف بأن الواقع
قد تجاوزه وأصبح يحتاج فقيهًا من نوع آخر.
وعليه، فإن
الواقع الراهن يمثّل ضرورة تاريخية ضاغطة لإعادة بناء الفقيه، بما يجعله قادرًا
على التفاعل مع التحولات الجارية، لا سيما مع ضعف أثره في القضايا الكبرى المعاصرة،
ومن هنا يمكن النظر إلى هذا الطرح بوصفه مدخلًا عمليًّا لتجديد الفقه والفقيه.
بناءً على ما
سبق، يمكن تعريف تجديد الفقيه بأنه: إعادة النظر في وسائل إعداده ودمجه في
الواقع، بما يمكّنه من سرعة الاستجابة للتحولات، ومواكبة مستجدات عصره والتأثير
فيها، لا التأخر عنها.
ولا شك أن هذا
الموضوع من القضايا الكبيرة التي لا يحيط بها مقال مختصر كهذا، وحسبُه أن يضع
مجموعة من الأفكار التي تسهم في توضيحها.
وفي هذا السياق،
تبرز الحاجة إلى معالجة آنيَّة لقصور الفقيه، عبر تفعيل مجموعة من المكمّلات التي
تسدّ هذا العجز مرحليًّا، وتمهّد في الوقت نفسه لمسار تجديده على المدى الإستراتيجي،
وهي عملية بطبيعتها ممتدة وتحتاج إلى نَفَس طويل.
وتقوم هذه
المكمّلات على ركيزة التكامل في صناعة الفقيه؛ وهو مبدأ تؤكِّده تجارب المعرفة
المعاصرة، حيث لجأت النماذج التعليمية الحديثة إلى المناهج التكاملية، مثل «stem or steam»، والتعلّم القائم على المشروعات، والتعلّم القائم على حلّ
المشكلات، والدراسات البينية، التي تدمج المفاهيم المتقاطعة في سياق تطبيقي واحد،
بما يُسهِم في اختصار زمن البناء المعرفي، ويحدّ من التشتت، ويربط المعرفة
بالواقع، ويتجاوز الفجوة بين النظرية والتطبيق.
والتكامل
المنشود في هذا المقام على ضربين، تكامل أدواتي يتحدث عنه هذا المقال، وتكامل
معرفي يتناوله المقال القادم.
التكامل الأدواتي في تجديد الفقيه
باعتبار أن
الفقيه مدني بطبعه، إضافة إلى محدودية الأدوات التي يملكها، فإن هذا يفرض عليه
العمل في إطار جماعي، وقد رصد مالك بن نبي إشكالية العمل الجماعي لدى المثقفين
-وليس الفقيه بمنأى عن هذه الإشكالية بطبيعة الحال- حيث قال: «لم أكـن أعلم أن
العمل الجماعي بما يفرضه من تبعات إنما هو من المقومات التي فقدها المجتمع
الإسلامي ثم لم يسترجعها بعدُ خصوصًا بين مثقفيه» (مذكرات شاهد على القرن)، ومن
هنا نشأت حالة التشظّي بين المدارس الفكرية والجماعات الإسلامية ونحوها، فكيف إذا
انضمّ إلى ذلك الإرادة الاستعمارية التي تعمل على تعميق الانقسام، وتغذية التفرّق،
وإضعاف إمكانات الاجتماع؟
أما التكامل في
الأدوات، فيمكن أن يكون من خلال:
أولاً: فقه التوقع (علم المستقبليات):
لا يكفي الفقيه
الاكتفاء بفقه الواقع، بل يلزمه فقه التوقّع، خاصة في زمن التحولات المتسارعة؛ إذ
يُعنى هذا الفقه بالتعرّف على الأحكام الشرعية للمسائل المتوقعة، واستباق النوازل
ببيان حلولها وآثارها والاستعداد المناسب لها.
وعلى الرغم من
أهميته، ظلَّ توظيف هذا اللون من الفقه محدودًا في التراث الإسلامي، لا سيما فيما
يتعلق بقضايا الأمة الكبرى، ومن أبرز النماذج الناضجة فيه تجربة إمام الحرمين
الجويني في كتابه «الغياثي»، حيث قدَّم مشروعًا إنقاذيًّا استشرافيًّا لمعالجة
حالات الفراغ السياسي والعلمي، واضعًا تصورًا لإنقاذ الأمة عند اختلال بنيتها
القيادية.
لم تكن تجربة
الجويني افتراضًا ذهنيًّا مجردًا، بل انطلقت من قراءة دقيقة لواقعه واستشراف
مآلاته، وتجاوزت الافتراضات الجزئية إلى معالجة قضايا كلية تمسّ كيان الأمة،
جامعًا بين التأصيل النظري والتطبيق العملي.
ولا يُقصد
استنساخ هذه التجربة أو الالتزام بنتائجها، بل استلهام منهجها في بناء الرؤية
واستشراف المستقبل، ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراكز الأبحاث والدراسات التي تُعنى
بقراءة الواقع واستشرافه، خاصة في القضايا التي تمس موقع الشريعة من القضايا
المختلفة؛ لتكون عونًا للفقيه في تقليل فجوة التأخر عن الأحداث، وتمكينه من
الاستعداد لها نظريًّا وعمليًّا، ضمن عمل تكاملي تشاركي، قد يكون الفقيه جزءًا منه
أو مستفيدًا من مخرجاته.
ثانيًا: العمل في مساحات الفراغ:
ينطلق هذا
المسار من استقراء مساحات الفراغ في المجالات المختلفة، والعمل فيها بوصفها
ميدانًا عمليًّا لتأهيل الفقيه وإعادة دمجه في قضايا الشأن العام بعد انكفائه
عنها، بما يُسهم في إنتاج أثر ملموس يلمسه الناس، وبناء قاعدة مجتمعية داعمة.
ومع ترسُّخ هذا
الحضور، ينتقل الفقيه إلى مساحات الاشتباك، حيث تشتد المدافعة بين المشاريع
المختلفة، بعد أن يكون الفقيه أكثر جاهزية وتأثيرًا.
ثالثًا: تعزيز استقلالية الفقيه:
يتطلَّب تمكين
الفقيه من القيام بدوره امتلاكه أدوات تعزّز استقلالية موقفه وتحدّ من هوامش
الارتهان، وذلك عبر بناء شبكة من التحالفات والتكامل مع ذوي الاختصاص في المجالات
المختلفة.
فالتكامل مع
الخبراء الاقتصاديين يُسهم في تطوير الأوقاف وتنويع مصادر التمويل، بما يمنح
الفقيه قدرًا من الاستقلال المالي ويخفِّف هوامش التبعية والارتهان، ليكون مكتفيًا
كحدٍّ أدنى، أملًا في أن يصبح معطيًا لا آخذًا، ومنفِقًا لا مُعتمِدًا على غيره، كما
أن التنسيق مع الفاعلين في المجال السياسي يعزّز حضوره وتأثيره في الشأن العام، إن
لم يكن منخرطًا بنفسه بشكل مباشر في مشروع سياسي.
رابعًا: التكامل بين الفقيه والمثقف الديني:
لا تقلّ حاجة
الفقيه إلى المثقّف عن حاجة المثقّف إلى الفقيه؛ فالفقيه يمدّ العمل بالضبط
الشرعي، ويكفل اتّساقه مع أصول الشريعة، بينما يوسّع المثقّف أفقه، ويربطها
بسياقاته الفكرية والواقعية، ومن ثمّ، فإن غياب هذا التكامل يُفضي إلى قصور في
فتاوى المفتين، وضعف قدرة الفقيه على فهم التحولات الجارية والتفاعل معها، كما
يوقع المثقّف في اضطراب التصورات وانفصالها عن مرجعيتها الشرعية.
خامسًا: بناء منظومة عمل للفقيه:
التكامل
الأدواتي لا يعني فقط «العمل الجماعي» أو «التحالفات»، بل يتجاوز ذلك إلى بناء
منظومة عمل للفقيه، تنظِّم مسار عمله، بحيث ينتقل أثره من مستوى البيان إلى مستوى
الفعل والتأثير.
إنَّ «المصارف
الإسلامية» مثلًا ليس منتجًا تفرَّد به الفقهاء وحدهم، لا من حيث وضع التصورات ولا
من حيث الأدوات، بل كان ثمرة تفاعل بين الفقهاء والقانونيين والخبراء الماليين،
الذين بنوا على فقه المعاملات وطوّروه في سياقات تطبيقية معاصرة، فكانوا ردءًا
للفقيه فيما يتعذَّر عليه الإحاطة به من تشعّب التخصصات وتعقيداتها.
غير أن هذه
الأدوات -على أهميتها- لا تكفي وحدها ما لم تُسند بإعادة بناء معرفي ومنهجي للفقيه
نفسه، وهو ما يقود إلى الحديث عن التكامل المعرفي في صناعة الفقيه في المقال
القادم.
اترك تعليقاً
التعليقات (1)
محمد السيد شفيق
منذ شهرينكيف يمكنني المشاركه في اي تطور فقهي او مالي او اجتماعي يسهم في ارتقاء الامه واجتماع كلمتها وقوتها ونصرتها على اعدائها وكيف اكون جزءا من عالم متكامل يسهم في هذا المقصد علما باني شخصا عاديا لا يملك علما تخصصيا ولكن يمكنني المشاركه ماديا او نشر هذه الثقافه والتفاعل معها