هل تتحول سورية الجديدة إلى دولة ديمقراطية؟

محمد العودات

22 فبراير 2026

406

أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع في ديسمبر من العام الماضي، أن الانتخابات في سورية ستكون بعد خمس سنوات من تاريخ نجاح الثورة، وأنه قد مضى عام على هذه المدة الانتقالية.

كل الجهود المبذولة من النظام السوري تشير إلى أن سورية الجديدة تسير نحو دولة مركزية لا مجال فيها للنظام الفيدرالي، وهذا واضح من خلال حسم ملف الأكراد في الشمال الشرقي السوري، والسعي لحسم ملف السويداء عبر الوسيط الأمريكي والدعم العربي.

لكن ما هي الشرعية التي يستند إليها النظام السوري الجديد في حكمه لسورية وقيادتها في أدق المراحل من عمر الدولة؟ وما هي الظروف المحلية والإقليمية التي دفعت النظام القائم إلى تأجيل التحول الديمقراطي في سورية وهل هي مبررات محقة؟ وهل فعلاً سورية سوف تتحول إلى دولة ديمقراطية حقيقية؟ وما فرص نجاح هذه الديمقراطية في دولة خارجة من حرب أهلية تتعدد فيها الطوائف والأعراق؟

شرعيات متعددة للقيادة الحالية

لم تخرج بعد إسقاط النظام السوري المخلوع فعاليات سياسية تطالب بالتحولات الديمقراطية، إلا في حالات محدودة ونادرة جداً وغير مؤثرة في الشارع السوري، إذ يتكئ النظام السوري الجديد في إدارته لدفة الحكم في البلاد على ثلاث شرعيات سياسية تؤهله لقيادة سورية في مرحلة انتقالية مليئة بالتحديات والتعقيدات السياسية:

الشرعية الدينية: ينحدر النظام السوري الجديد من المكون السني الذي يشكل الأغلبية في الدولة السورية هذا المكون الذي عاش لأكثر من نصف قرن من التهميش والتهشيم والاضطهاد الطائفي على يد النظام السابق؛ هذه الشرعية الدينية أعطت النظام الجديد شرعية واسعة والتفافاً شعبياً كبيراً يساعده في قيادة البلاد بأقل قدر ممكن من الاعتراض والضغط من أجل التحول الديمقراطي السريع.

الشرعية الثورية: التاريخ الثوري للنظام الجديد معروف في سورية منذ اندلاع الثورة السورية حتى إسقاط النظام والاستيلاء على السلطة، هذا التاريخ والتضحيات أعطت هذا النظام الشرعية الثورية، وكان الحديث والشعار بعد الثورة "تكون السلطة حيث قدم الدم والتضحيات". فالشرعية الثورية أعطت للنظام الجديد عمقاً شعبياً كبيراً، إذ يشعر الشعب السوري أن الرئيس وفريقه الثوري قد خلصهم من أعتى وأبشع الأنظمة الديكتاتورية التي عرفها التاريخ السوري، نظام كان التخلص منه أبعد ما يكون عن حلم مستحيل يمكن تحققه.

شرعية الإنجاز: إضافة إلى الشرعية الدينية والشرعية الثورية استطاع النظام السوري الجديد أن يحقق شرعية الإنجاز في سورية، فما تحقق للشعب السوري بعد سقوط نظام الأسد الشيء الكثير، كان أبرزها الاعتراف الدولي بالنظام السوري الحالي وعودة سورية إلى الحضن العربي والتخلص من كل الميليشيات الطائفية التي كانت تعيث الخراب في الأرض السورية، وعودة كثير من النازحين واللاجئين السوريين إلى بيوتهم ومناطقهم، ورفع العقوبات الدولية عن سورية وأهمها قانون قيصر الذي كان كحبل يلتف على عنق الشعب السوري ويخنقه، وبدء إعمار سورية وبداية مرحلة تعافيها، ليختتم كل تلك الإنجازات بإنجاز سياسي وعسكري كبير بتوحيد شمال شرق سورية "الجزيرة السورية" وإعادتها إلى الحضن والدولة السورية، هذه المنطقة التي تعتبر سلة الغذاء السوري ومركز الثروات النفطية شريان الطاقة في سورية؛ هذا الإنجاز السياسي والعسكري الكبير الذي قطع الطريق على الكيان الصهيوني الذي كان يريد أن يتوسع في الأراضي السورية عبر ممر ديفيد من الجولان المحتل إلى درعا في الجنوب حتى عين العرب في الشمال.

لماذا تم تأجيل التحول الديمقراطي في سورية؟

رغم كل تلك الشرعيات التي يتمتع بها النظام السوري الحالي في قيادة البلاد، إلا أن هناك عدة عوامل دفعت النظام السوري القائم إلى تأخير التحول الديمقراطي، أهمها:

تدرك القيادة السورية أن أحد أهم الأسباب للثورات المضادة للربيع العربي هي خشية الأنظمة في المنطقة من تلك النماذج الديمقراطية للثورات العربية والتي يعني نجاحها امتداد هذه العدوى الثورية إلى بلاد أخرى، مما يعيد للأذهان فكرة تصدير الثورة الديمقراطية والتي ترفضها بعض أنظمة دول المنطقة ،هذا الفهم لطبيعة أنظمة دول المنطقة والظروف السياسية جعل النظام السوري الحالي أكثر حذر في الحديث عن أي تحولات سياسية ديمقراطية سريعة يحكم فيها الشعب السوري نفسه ، خاصة أن هناك دعماً وإسناداً عربياً للنظام السوري الجديد وبذلت تلك الدول جهود كبيرة في حصوله على الشرعية والاعتراف الدولي، وفي هذا السياق سياق يقرأ مقال مستشار الرئيس السوري أحمد زيدان على الجزيرة نت (متى ستحل جماعة الإخوان نفسها في سورية) وهو ابن الإخوان ومن أتباع مدرسة الإخوان الفكرية، وفي ذات السياق يقرأ أيضا عدم منح القيادة السورية جماعة الإخوان المسلمين الترخيص الرسمي لممارسة نشاطها على الأرض السورية لما يثيره وجود الجماعة من حساسية سياسية لدى أنظمة المنطقة العربية.

كما أن النظام السوري الجديد يعلم أن السرعة في الذهاب إلى ديمقراطية كاملة في ظل مجتمع خارج من حرب أهلية نشبت لمدة أربعة عشر عاماً على أسس عرقية وطائفية سوف يجعل من الصندوق أداة فرقة لا أداة استقرار سياسي؛ لذلك كانت استراتيجيته واضحة بتأخير الديمقراطية خمس سنوات إلى حين تعافي سورية من جراحها النازفة طيلة مدة حربها الأهلية، مدة تكون كافية لتعظيم وتقديم روح المواطنة على الاصطفافات الطائفية والعرقية في اختيار القيادة القادمة بكل تشكيلاتها: رئاسة ومجلس شعب وإدارة محلية.

النظام السوري الجديد يستشعر أن إجراء الانتخابات قبل أن تتوحد سورية في دولة مركزية وإنهاء كل مظاهر النفوذ الأجنبي فيها، سوف يحول الصناديق إلى ساحة للصراع الأجنبي والنفوذ الناعم على الأرض السورية.

والأهم أن الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا بقيادة ترامب التي دعمت النظام الجديد وأعادت ترسيم مصالحها معه، لم تضغط ولم تطلب منه أن يتحول إلى نظام ديمقراطي واكتفت بشرعيته الثورية وشرعية الأمر الواقع في الانفتاح عليه والتعامل معه.

متى ستتحول سورية لدولة ديمقراطية وكيف سيكون شكلها؟

المعلن أن بداية العملية الديمقراطية في سورية ستكون بعد مضي خمس سنوات من تاريخ نجاح الثورة، وهذا يعني أن النظام الجديد سيكون قد فرغ من إعداد الدستور الذي يحدد شكل النظام السياسي، وإعداد قانون الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والإدارة المحلية، ورسم معالم وشكل النظام والمرحلة السياسية القادمة.

لكن هذا الوقت الذي حدده الرئيس للتحول الديمقراطي مرهون الالتزام به بثلاثة عوامل رئيسية: حسم ملف حركات الانفصال التي حاولت أن تفرض نفسها بعد سقوط النظام المخلوع، واستقرار الأمور في سورية واستكمال بناء المؤسسات الأمنية، والأهم من كل ذلك بدء التعافي الاقتصادي والبدء في إعادة الإعمار والتخلص من كل مظاهر الأزمة الاقتصادية التي عانى منها الشعب السوري.

كل المؤشرات على الأرض وما تم إنجازه حتى الآن تشير إلى أن المدة المتبقية من المرحلة الانتقالية ستكون كافية لترتيب تلك الملفات، وأن التحول الديمقراطي سيكون في وقته المحدد ما لم تحدث تطورات سياسية وعسكرية وأمنية أخرى تؤخر تلك الخطة الزمانية المعلنة

أما شكل النظام السوري الجديد فمن يرصد سلوك القيادة السورية يدرك أن النظام السياسي في سورية سيكون نظاماً مركزياً ولن يكون هناك أي فرصة لقيام نظام فيدرالي؛ من الواضح أن لدى القيادة سورية الجديدة حساسية كبيرة من بقاء وسعي الأطراف الراغبة بالانفصال فاعلة في الساحة السياسية، والتي يمكن أن تستغل النظام الفيدرالي كخطوة وفرصة للانفصال عند أي منعطف سياسي تتعرض له البلاد في المستقبل أو تستغل النظام الفدرالي ليكون حديقة خلفية للتدخل الصهيوني في سورية.

ستكون هوية الدولة السياسية لسورية الجديدة هوية محافظة، وسيكون هناك نظام مدني علماني محافظ "العلمانية المؤمنة" على غرار التجربة التركية؛ دولة تحترم حرية التدين والاعتقاد، وتحترم التعدد الديني والعرقي والمذهبي وتحميه، وتسمح له بالتمثيل العادل بعيداً عن المحاصصة الطائفية والعرقية، وبما يساهم في مشاركة الجميع في بناء الوطن وتقاسم الواجبات والالتزامات والمكتسبات.

كما أن شكل النظام سيكون في الغالب نظاما رئاسيا كامل الصلاحيات على غرار نظام الحكم الأمريكي، وإن بقيت حالة الإنجاز للقيادة السورية الحالية على الأرض تسير بهذه الوتيرة، فإن طبائع الأشياء سوف تمنح الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع وبما يحمله من شرعية دينية وثورية وإنجاز على الأرض فرصة انتخابية لقيادة سورية، مدة قد تمتد به لعقد من الزمان في الحكم بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.

لا شك أن قيادة النظام السوري الحالي الذي استطاع أن يسقط النظام الديكتاتوري المخلوع، وأن يحصل على الشرعية الدولية والعربية، وأن يحقق إنجازات اقتصادية وسياسية وعسكرية كبيرة على الأرض السورية، وأن يخمد كل مظاهر الحرب الأهلية في سورية خلال عام واحد من الحكم، سيكون نظاماً قادراً على إدارة مرحلة التحول الديمقراطي في سورية بما يحفظ الثورة السورية وإنجازاتها من أي حالة اختطاف تتربص بها من فلول النظام المخلوع والقوى الانفصالية والأذرع الطائفية التي خسرت كل شيء في سورية، والسير بسورية نحو دول مدنية ديمقراطية حديثة لتكون وطنا يليق بالشعب السوري وتضحياته الكبيرة.


اقرأ أيضاً:

أكاديمي سوري لـ«المجتمع»: دولة الكرامة والحرية والعدل.. أهم مطالبنا من النظام الجديد

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة