السيرة الذاتية ... هل تُكتب في الشيخوخة؟

صورة تعبيرية عن كاتب سيرة ذاتية

ثمة فكرة شائعة ترى أن السيرة الذاتية لا تُكتب إلا في أواخر العمر.. حين يهدأ صخب الحياة.. وتتراكم التجارب.. ويجلس الإنسان إلى ماضيه يستعيد طفولته وشبابه ويحصي ما أنجزه وما خسره وما تعلّمه.. لكن تاريخ الأدب العربي والعالمي يقول شيئًا آخر.

فالسيرة الذاتية ليست بالضرورة كتابًا يكتبه الإنسان بعد أن يضع نقطة النهاية في حياته.. وإنما قد تكون وقفة مبكرة مع الذات.. واستعادةً واعية لطفولة لم تعد حاضرة أو لشباب ما زالت أحداثه ساخنة في الوجدان.. ولذلك نجد عددًا من الأدباء والمفكرين قد كتبوا سيرهم أو أجزاءً منها في الثلاثينيات والأربعينيات من أعمارهم، دون انتظار الشيخوخة.

1- السيرة الذاتية لطه حسين.. «الأيام» لم تنتظر الشيخوخة:

من أشهر الأمثلة العربية طه حسين في كتابه «الأيام».. فقد أملى الجزء الأول من سيرته الذاتية في أواخر الثلاثينيات من عمره، ونُشر متسلسلًا عامي 1926 و1927، وكان عمره آنذاك نحو سبعة وثلاثين عامًا.. لم ينتظر طه حسين السبعين أو الثمانين لكي يعود إلى طفولته.. بل رأى أن سنوات الطفولة والنشأة التي شكّلت وعيه تستحق أن تُروى.. لقد كتب عن القرية.. والكتّاب.. والأزهر.. والأسرة.. والعمى.. والطريق الطويل الذي قطعه من الريف إلى آفاق المعرفة.

سيرة طه حسين كانت بحثًا عن الإنسان الذي كانه صاحبها قبل أن يصبح طه حسين الذي عرفه الناس.

2- سيد قطب.. «طفل من القرية»:

ويأتي سيد قطب مثالًا أكثر وضوحًا على كتابة التجربة المبكرة؛ ففي كتابه «طفل من القرية» الصادر عام 1945م وكان في التاسعة والثلاثين من عمره.. عاد إلى طفولته ونشأته في قرية «موشا» مستعيدًا عالم القرية وملامح الطفولة والذكريات الأولى.

واللافت أنه أهدى الكتاب إلى أستاذه طه حسين صاحب «الأيام».

3- بدر شاكر السياب.. سيرة مبكرة تتوزع بين المقال والشعر:

أما بدر شاكرالسياب، الذي رحل عام 1964م عن نحو ثمانية وثلاثين عامًا، فلم يكتب سيرة ذاتية شاملة بالمعنى التقليدي، لكن حياته توزعت في كتاباته.. ففي الثالثة والثلاثين من عمره نشر مادة «كنتُ شيوعيًا» في سلسلة مقالات بصحيفة «الحرية» البغدادية عام 1959م وسجل فيها جانبًا من تجربته السياسية والفكرية وانتمائه إلى الحزب الشيوعي العراقي ثم انفصاله عنه.

أما سيرته الأعمق فقد بقيت موزعة في شعره.. في جيكور، والطفولة.. وفقد الأم.. والغربة.. والمرض.. والحنين.. والاغتراب.

وتبدو قصائد مثل «غريب على الخليج» و«أنشودة المطر» و«إرم ذات العماد» أشبه بشظايا من سيرة داخلية.

4- جان جاك روسو.. الاعترافات:

وفي الأدب العالمي يقف جان جاك روسو في «الاعترافات» مثالًا آخر.. فقد بدأ كتابة اعترافاته وهو في أوائل الخمسينيات من عمره في نحو الثالثة والخمسين.. مستعيدًا طفولته ونشأته ومراحل تشكل أفكاره وتجربته.

5- أنطون تشيخوف.. لم يكتب سيرته!

ثم يأتي أنطون تشيخوف بحالة مختلفة تمامًا.. لم يكتب تشيخوف سيرة ذاتية مستقلة أو كتابًا مخصصًا لقصة حياته.. وكان معروفًا بزهد شديد في الحديث عن نفسه أو التباهي بإنجازاته.. ثم إن الحياة لم تمنحه الوقت الكافي.. فقد توفي عام 1904م عن أربعة وأربعين عامًا.. لكن من يبحث عن تشيخوف سيجد سيرته موزعةً في رسائله الشخصية إلى أصدقائه وأفراد أسرته وناشريه.. وفي بعض نصوصه ذات الطابع الذاتي.. وفي كتاباته التي حملت أصداء من تجربته الشخصية.

6- حلمي محمد القاعود.. السيرة بعد عمرٍ من الرسالة:

وفي المقابل تأتي تجربة البروفيسور حلمي محمد القاعود نموذجًا مختلفًا وعميقًا لكتابة السيرة الذاتية.. فقد بدأ كتابة سيرته الذاتية في السابعة والستين من عمره عام 2013م وأنجز الأجزاء الثلاثة الأولى عام 2015: «زمن البراءة»، «زمن الهزيمة»، «زمن الغربة».

ثم عاد في عام 2023م وهو في السابعة والسبعين، ليصدر الجزء الرابع والأخير: «زمن الوداع».

أهمية تجربة حلمي القاعود لا تكمن في عمره حين شرع في كتابة سيرته فحسب.. وإنما في طبيعة الحياة التي عاشها وكان يجب أن يرويها.. فهو لم يعش حياته في عزلة عن قضايا عصره.. ولم تكن تجربته مجموعةً من المناصب والدرجات العلمية والمؤلفات التي يمكن رصدها في سيرة وظيفية باردة.

لقد عاش حياته كلها صاحب رسالة ومدافعًا عن الإسلام.. منحازًا إلى الحق والعدل والخير ومدافعًا عن الفقراء والمهمشين والمظلومين.. ومشتبكًا بقلمه وفكره مع القضايا الدينية والفكرية والأدبية والسياسية التي شغلت أمته.

وعلى امتداد نحو نصف قرن من التدريس الجامعي.. ظل أستاذًا يُعلّم ويبحث ويكتب ويكوّن أجيالًا من الطلاب إلى جانب إنتاجه الأدبي والفكري والنقدي الغزير.. ولم تكن الجامعة بالنسبة إليه وظيفة يؤديها ثم ينصرف.. بل كانت جزءًا من رسالته في الحياة.

فقد عاش الأستاذية بوصفها مسؤولية وأمانة وظل قريبًا من طلابه.

وحضر كذلك مؤتمرات عالمية وملتقيات علمية وثقافية.. واتصل بالحياة الفكرية والأدبية خارج حدود قاعة الدرس والكتاب.

وكان حضوره في الشأن العام أكثر اتساعًا من أن تحيط به سيرة وظيفية.. فقد خاض بقلمه ومواقفه معارك سياسية وفكرية مع رؤساء وحكام ووزراء.. ودخل في سجالات ومواجهات دفاعًا عما آمن به.. غير عابئ بما قد يجرّه الموقف الصريح من تبعات.

وهكذا لم تكن حياته سلسلةً هادئة من السنوات المتشابهة.. وإنما كانت حياةً حافلةً بالعلم والتدريس والتأليف والسفر والمؤتمرات والمواقف والمعارك الفكرية والسياسية والأدبية.. ومن هنا نفهم لماذا جاءت سيرته في هذه المرحلة المتأخرة من العمر.

لقد احتاج حلمي القاعود إلى عقود طويلة حتى يصبح وراءه عمر كامل يمكن أن ينظر إليه من مسافة.. قرية وطفولة.. تعليم وشباب.. جامعة ونحو نصف قرن من التدريس.. كتب ومؤلفات.. أسفار ومؤتمرات عالمية.. طلاب وأجيال.. ومعارك فكرية وسياسية.. ومواقف في الدفاع عن الإسلام.. وعلاقات وتجارب إنسانية لا يمكن اختصارها في قائمة من المناصب أو الإنجازات.

لذلك فإن «زمن البراءة» و«زمن الهزيمة» و«زمن الغربة» و«زمن الوداع» هي مراحل من عمر رجل عظيم عاش عصره من الداخل.

ولعل من أهم ما يميز سيرة حلمي محمد القاعود أن تديّنه وإخلاصه وحبه للصدق لم تكن أمورًا منفصلة عن كتابته لسيرته.. وإنما كانت جزءًا من الضمير الذي كتب به هذه السيرة.. فالرجل الذي عاش عمره مدافعًا عن الإسلام.. وتحرك في كتاباته ومواقفه من منظور إسلامي يجلّ الصدق ويحضّ عليه.. لا يستطيع أن يتعامل مع سيرته وكأنها حفلة لتجميل الذات أو صناعة بطولة بأثر رجعي! ولهذا جاءت سيرته في قمة الصدق والصراحة.. لا تجميل فيها للذات.. ولا محاولة لإخفاء ما لا يروق لصاحبها.. ولا اختلاق لأحداث لم تقع.. ولا افتراء على الأحياء أو الأموات.. وكان شديد الحرص على ألا ينسب إلى الأموات كلامًا لم يقولوه.. أو مواقف لم يتخذوها.. أو عبارات لم تصدر عنهم.. لأن الكلمة عنده أمانة.. والمذكرات ليست رخصة لاختراع الوقائع أو تشويه الغائبين.

وكانت قاعدته الأخلاقية أن يروي الإنسان نفسه دون أن يتحول إلى محامٍ عن ذاته.. وأن يروي الآخرين دون أن يتحول إلى خصم لهم بعد رحيلهم.. وهذا ما يميز السيرة الصادقة عن بعض ما يكتبه الأدعياء حين يجعلون من الماضي مسرحًا للبطولة المصطنعة.. فينسبون إلى الموتى ما لم يقولوه.. ويختلقون مواقف لم تقع.. ويعيدون تشكيل الوقائع بما يخدم صورتهم أمام الناس.

أما حلمي القاعود.. فقد كان يتحرك من منظور إسلامي يجعل الصدق قيمة دينية وأخلاقية عليا.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة