هل يترشح أردوغان للرئاسة مجدداً؟
في أبرز تصريح
رسمي مباشر، قال مستشار الرئيس التركي للشؤون القانونية محمد أوجوم: إن الرئيس –ورئيس
حزب العدالة والتنمية– رجب طيب أردوغان «قد يترشح لانتخابات رئاسية مبكرة» في
البلاد.
وكان حليف
أردوغان، رئيس حزب الحركة القومية دولت بهجلي، قد قال سابقاً: إن مرشح تحالف
الجمهور، المشكّل من الحزبين، للانتخابات الرئاسية هو أردوغان نفسه، وهو ما أيده
فيه المتحدث باسم العدالة والتنمية عمر تشيليك، فضلاً عن تصريحات أخرى مشابهة من
الحزبين.
ما يميز التصريح
الأخير أمران:
الأول: أنه أشار
إلى فكرة تبكير الانتخابات الرئاسية المقبلة، بينما كانت التصريحات السابقة تتحدث
عن الانتخابات الرئاسية عموماً.
وأما الثاني:
فهو أن المستشار القانوني قد حدد موعداً مبدئياً للانتخابات، هو أبريل 2028م،
بينما كانت بعض التقديرات تتحدث عن تواريخ أقرب من ذلك في حال تبكيرها عن موعدها
الأساسي في عام 2028م.
وسبب حديث أوجوم
أن الدستور التركي لا يتيح للرئيس أردوغان الترشح بشكل اعتيادي للانتخابات
الرئاسية المقبلة، حيث استنفد حقه في مدتين رئاسيتين بعد الانتقال إلى النظام
الرئاسي في البلاد؛ إذ فاز في الانتخابات الرئاسية في عام 2018 ثم عام 2023مم، كما
كان أردوغان قد انتُخب رئيساً للبلاد في عام 2014م، في ظل النظام البرلماني، وهي
مدة لم تُحسب (تم تصفيرها) مع تعديل الدستور للانتقال إلى النظام الرئاسي في عام
2017م.
وعليه، فإن
المخرج الدستوري الذي يمكن أن يتيح لأردوغان فرصة الترشح للرئاسة مجدداً يكمن في
أحد مسارين؛ إما تعديل دستوري، أو تبكير الانتخابات.
في الحالة
الأولى، يمكن لدستور جديد أو تعديل دستوري أن يؤسس لمرحلة جديدة، وينص على مدد
الرئاسة بطريقة تتخطى ما سبق، كما حصل في التعديل الدستوري عام 2017م، الذي نص على
الانتقال إلى النظام الرئاسي وعلى الحق في الرئاسة لمدتين متتاليتين ابتداءً من
إقرار التعديل، بما يجبُّ ما سبق.
وفي الحالة
الثانية، دستورياً، يحق للرئيس والبرلمان الدعوة إلى انتخابات مبكرة، وفي حال دعا
الرئيس إلى تبكير الانتخابات، فإن مدته الرئاسية تُحسب كاملة، فلا يحق له الترشح
مجدداً في حال كانت المدة الثانية، بينما في حال دعا البرلمان إلى تبكير
الانتخابات، يُعدُّ ذلك خصماً من حق الرئيس في إتمام مدته، ما يتيح له الترشح
مجدداً حتى لو كان في مدته الرئاسية الثانية.
ويحتاج إقرار
دستور جديد أو تعديل دستوري إلى موافقة ثلثي أعضاء البرلمان؛ أي 400 من أصل 600،
بينما يحتاج تمريره من البرلمان إلى استفتاء شعبي إلى نسبة 60%، أي 360 نائباً،
كما تُشترط النسبة الأخيرة نفسها (60%) لتبكير الانتخابات عبر البرلمان.
وفي الحالتين،
لا يملك حزب العدالة والتنمية ولا تحالف «الجمهور» هذه النسبة من النواب في
البرلمان، لكنه يستطيع، بدعم أحزاب أخرى، تجاوز هذه النسبة، وهنا تبرز أهمية حزب
ديمقراطية ومساواة الشعوب «الكردي»، الذي نسق مع الحكومة مؤخراً في مسار حل
المسألة الكردية وإنهاء مشكلة الإرهاب، أو ما سُمّي بـ«مشروع تركيا بلا إرهاب».
ولأن مسار تعديل
الدستور أو كتابة دستور جديد أصعب تقنياً وأطول زمنياً، وغير مضمون النجاح بسبب
تعقيداته الإضافية، فإن المتوقع أن يكون خيار العدالة والتنمية الذهاب إلى
انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة عبر دعوة البرلمان لذلك، وسيكون عليه حينها
الحصول على موافقة 360 نائباً، وهو ما يبدو ممكناً عبر تحالف الجمهور والحزب
«الكردي»، وربما أحزاب أخرى كذلك، حيث لم تكن بعض أحزاب المعارضة ضد هذه الفكرة
بالمطلق، بل إن بعضها كان يطالب بها من باب إحراج أردوغان والمزايدة عليه، بادعاء
القدرة على هزيمته انتخابياً.
لا يمكن، بطبيعة
الحال، توقع نتيجة الانتخابات الرئاسية، فضلاً عن البرلمانية، منذ الآن؛ فذلك
يحتاج إلى تقييم أسماء المرشحين وبرامجهم الانتخابية وفرصهم وحضورهم في الشارع،
فضلاً عن الظروف السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية التي ستُجرى فيها
الانتخابات، بما يمكن أن يؤثر في نتائجها، وغير ذلك من العوامل غير المتوفرة
اليوم.
ورغم ذلك، يمكن
القول: إن الرئيس أردوغان اليوم في أفضل حالاته بالمقارنة مع السنوات القليلة
الأخيرة، بما فيها انتخابات 2023م، فالمعارضة اليوم منقسمة وضعيفة أكثر بكثير من
السابق، والمنافس المحتمل لأردوغان، وهو رئيس بلدية إسطنبول الكبرى أكرم إمام
أوغلو، موقوف ويحاكم على عدة قضايا، وصدر عليه حكم في إحداها يحول دون ترشحه بسبب
اشتماله على بند بحظر العمل السياسي.
في المقابل، فإن
بعض التطورات المحلية والإقليمية المهمة صبّت في صالح الرجل، وفي مقدمتها سقوط
نظام الأسد في سوريا، ودمج «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في مؤسسات الدولة
السورية، بالتوازي مع حل حزب العمال الكردستاني في تركيا وغلق ملف الإرهاب إلى حد
كبير، فضلاً عن الاستقرار النسبي الذي تعيشه البلاد رغم الحروب والصراعات العالمية
والإقليمية العديدة.
أخيراً، كان من
اللافت أن المستشار القانوني للرئيس أردوغان قد حدد في تصريحه موعداً محتملاً
للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المبكرة، وهو 16 أبريل 2028م، وهو تاريخ يحمل
دلالتين مهمتين:
الأولى: أنه نفس
تاريخ اليوم الذي أُجري فيه الاستفتاء الشعبي على التعديل الدستوري الذي نقل
البلاد إلى النظام الرئاسي، في 16 أبريل 2017م، وهي دلالة رمزية مهمة يحرص عليها
العدالة والتنمية؛ من حيث إن إقرار التعديل في الاستفتاء الشعبي كان انتصاراً
انتخابياً له، وكذلك من حيث إن أردوغان هو من فاز في الانتخابات الرئاسية التي تلت
الاستفتاء.
والثانية: أن
التقديرات كانت تشير إلى صيف 2027م موعداً محتملاً للانتخابات المبكرة، بينما
الموعد المقترح الآن هو أبريل 2028م، أي قبل شهر واحد فقط من الموعد الرسمي
للانتخابات، أي إنه لن يكون قد خصم عملياً من المدة الرئاسية لأردوغان سوى أسابيع
قليلة، رغم أنه نظرياً ورسمياً سيُعدُّ رئيساً لم يستوفِ مدته؛ لأن البرلمان هو من
يطلب التبكير.
وفي الخلاصة،
فإن تصريح مستشار أردوغان يخرج موضوع ترشح الأخير مجدداً للرئاسة من مساحة
التكهنات إلى مربع التأكيد، ومن غموض الوسيلة إلى تحديدها، ومن عموم التبكير إلى
موعد محدد، وما سيتبقى في المستقبل المنظور هو مراقبة المسار السياسي الذي سيُبنى
عليه مدى قدرة البرلمان على تمرير طلب تبكير الانتخابات بالنسبة المطلوبة
والمذكورة آنفاً.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً