وصايا نبوية في التعامل النفسي مع المعاقين

عامر شماخ

25 أغسطس 2025

373

وصايا نبوية في التعامل النفسي مع المعاقين

مثلما يعاني ذووالاحتياجات الخاصة من القصور الجسدي –ربما يصاحبه آلامٌ مزمنة- فإنهم يواجهون تحديات نفسية تؤثر على نمط حياتهم، وتقف عائقًا أمام مشاركاتهم الاجتماعية واندماجهم مع الآخرين، وقد صنّف علماء النفس هذه التحديات في الشعور بالاكتئاب والإحساس بالعزلة؛ والقلق بسبب الخوف على مستقبلهم؛ ونقص احترام الذات بسبب صعوبة تقبل المجتمع لإعاقتهم، فضلًا عن الإحباط بسبب نقص الدعم العائلي والمجتمعي؛ ومن ثم صعوبة الإيمان بالقدرات الذاتية، خصوصًا إذا كان ذو الهمّة ممن يعانون من صعوبات في الذاكرة.

وبالنظر إلى هدى النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع ذوي الإعاقة أو الاحتياجات الخاصة من الناحية النفسية، فإنه تتجلى فيه معاني البر والرحمة، بما يعزّز شعورهم بالأمان والطمأنينة، ودفع غوائل القلق والإحباط، بل امتد هذا الدعم إلى عوائلهم؛ لتقليل عبء الرعاية عنهم، وتخفيف التوتر الواقع عليهم، بما يحسّن حياة المعاقين أنفسهم، لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتنفيس عن المرضى وذوي الأعذار، والمساهمة في رفع روحهم المعنوية والنفسية؛ فإن ذلك يطيّب نفوسهم ويبقيهم أقوياء قادرين على تحمّل بلائهم.

وصايا نبوية


تقوم النظرة النبوية لذوي الإعاقة على دفعهم للاندماج في المجتمع، وتمكينهم من أداء أدوار فاعلة كما الآخرين، بل ليكون منهم قدوات وقادة، وقد قدّم صلى الله عليه وسلم نموذجًا فريدًا في احترامهم وإبراز قيمتهم الإنسانية، وإرساء قاعدة أن قيمة الإنسان ليست في قدراته الجسمانية، بل في تقواه وعمله الصالح قبل كل شيء، وفي سنته صلى الله عليه وسلم القولية والعملية والتقريرية وصايا لأمته في كيفية التعامل النفسي مع ذوي الاحتياجات الخاصة، لو أخذنا بها عند تعاملنا معهم لأنجزنا لهم الكثير والكثير، فمن ذلك:

- جبر خواطرهم وتطييب نفوسهم: باختيار الأسماء والكُنى التي لا تشعرهم بالنقص، بل تزرع في نفوسهم التفاؤل والأمل، ومن ذلك ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «انطلقوا بنا إلى البصير –وكان رجلًا أعمى- الذي في بني واقف حتى نعوده» (رواه البيهقي)، فسمّاه البصير ولم يقل الأعمى؛ لإدخال السرور على قلبه، وكان صلى الله عليه وسلم يقول عن عمرو بن الجموح، وكان أعرج: «سيدكم الأبيض الجعد عمرو بن الجموح» (رواه البخاري).

- تحريم السخرية منهم: فحذر صلى الله عليه وسلم من التغرير بهم، أو التنمّر عليهم، وتوعّد من يفعل ذلك؛ «ملعون من كمه أعمى عن طريق» (رواه أحمد)؛ أي أضله عنه، ومن ذلك أيضًا ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر عبد الله بن مسعود أن يصعد شجرة فيأتيه بشيء منها، فنظر أصحابه إلى حموشة ساقيه (أي دقتهما وضعفهما) فضحكوا منهما، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما يضحككم! لرجلُ عبد الله في الميزان أثقل من أُحد» (رواه أحمد).  

- تبشيرهم بالجزاء الحسن والعِوض في الجنة: لحملهم على الصبر والرضا، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ثم صبر عوضته بهما الجنة» (رواه البخاري)، وقد أتته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت: إني أُصرع وإني أتكشف، فادعُ الله لي، قال صلى الله عليه وسلم: «إن شئتِ صبرتِ ولك الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله أن يعافيكِ»، قالت: أصبر، قالت: فإني أتكشف فادعُ الله لي ألا أتكشف، فدعا لها صلى الله عليه وسلم.

- تعهدهم بالزيارة وعيادة مرضاهم: فجبرًا لخواطرهم وتعزيزًا لشعورهم بالانتماء للمجتمع، أجاب النبي صلى الله عليه وسلم دعواتهم للزيارة، فاستجاب لدعوة عتبان بن مالك، وصلى معه في بيته في مكان اتخذه مصلى، وعاد صلى الله عليه وسلم مرضاهم تخفيفًا لمعاناتهم ودعمًا لهم، وربما زار أحدهم في مكان ناءٍ في أطراف المدينة.

- الأمر برحمتهم والرفق بهم: ورفع الحرج عنهم، فلم يكلفهم بحمل سلاح، أو الخروج إلى نفير في سبيل الله، فقال صلى الله عليه وسلم للأعرج: «أما أنت فقد عذرك الله»، إلا إن كان تطوعًا، كما قال صلى الله عليه وسلم لأبناء عمرو بن الجموح: «ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة»، فخرج مع الجيش فقُتل يوم «أُحد» (رواه البيهقي).

- العفو عن جاهلهم ومسامحة مسيئهم وحلمه على سفيههم: فكان هديه معهم صلى الله عليه وسلم العفو والصفح، وإن تجاوزوا، رفقًا بهم واتعاظًا لحالهم، ومن ذلك ما وقع له ولصحابته ساعة توجههم صوب «أُحد»؛ إذ مرّ الجيش على مزرعة لرجل ضرير، فأخذ يسبُّ النبي صلى الله عليه وسلم وينال منه، وأخذ حفنة من تراب وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك لرميتك بها، حتى همّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، فأبى عليهم وقال: «دعوه».

- تمكينهم من الوظائف والأعمال التطوعية: لإشعارهم بالمساواة مع بقية أفراد المجتمع، وأن الإعاقة لا تمنع من تولي هذه الوظائف والمشاركة المجتمعية، كلٌّ على قدر طاقته، فكان ابن أم مكتوم مؤذنًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد استخلفه على المدينة ثلاث عشرة مرة، كما استخلفه عمر رضي الله عنه.

- رفع العزلة والحرج عنهم: فكان المجتمع الجاهلي يعزلهم ظنًّا منه بقذارتهم وتقززهم، فكانوا يمنعون الأعمى والأعرج والمريض من مخالطتهم في طعامهم، كما كانوا يمنعونهم من ممارسة حياتهم الطبيعية، كحقهم في الزواج والتفاعل المجتمعي، فأنزل الله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ) (النور: 61).

- قضاء حوائجهم: فعن أنس رضي الله عنه: أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله! إن لي إليك حاجة، فقال صلى الله عليه وسلم: «يا أم فلان! انظري أي السكك شئتِ حتى أقضي لك حاجتك»، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها. (رواه أبو داود).


اقرأ أيضاً:

علماء وفقهاء ومفكرون.. هؤلاء تحدوا الإعاقة

من حق ذوي الاحتياجات الخاصة.. تكوين أسرة مستقرة بضوابط

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة