يزيد بن الأسود الجرشي.. أخفته العبادة فأظهرته الأزمات
قال الذهبي في
ترجمته ليزيد بن الأسود(1): وروى صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر، قال:
خرج معاوية يستسقي، فلما قعد على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود؟ فناداه الناس،
فأقبل يتخطاهم، فأمره معاوية فصعد المنبر، فقال معاوية: «اللهم إنا نستشفع إليك
بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود، يا يزيد، ارفع يديك إلى الله»، فرفع يديه ورفع
الناس، فما كان بأوشك من أن ثارت سحابة كالترس، وهبت ريح، فسقينا حتى كاد الناس ألا
يبلغوا منازلهم(2).
وقال سعيد بن
عبدالعزيز وغيره: استسقى الضحاك بن قيس بيزيد بن الأسود، فما برحوا حتى سقوا(3).
وروى الحسن بن
محمد بن بكار أن يزيد بن الأسود الجرشي كان يسير في أرض الروم هو ورجل، فسمع
هاتفًا يقول: «يا يزيد، إنك لمن المقربين، وإن صاحبك لمن العابدين، وما نحن
بكاذبين»(4).
قال سعيد بن عبدالعزيز:
إن عبدالملك لما سار إلى مصعب رحل معه يزيد بن الأسود، فلما التقوا قال: «اللهم
احجز بين هذين الجبلين، وولِّ أحبهما إليك»، فظفر عبدالملك(5).
قال ابن عساكر:
بلغني أنه كان يصلي العشاء الآخرة بمسجد دمشق، ويخرج إلى زبدين، فتضيء إبهامه
اليمنى، فلا يزال يمشي في ضوئها إلى القرية(6).
يمثل خبر يزيد
بن الأسود الجرشي صورة من صور الشخصيات التي صنعت مكانتها في التاريخ الإسلامي لا
بكثرة الكلام ولا بقربها من دوائر النفوذ، وإنما بما اشتهر عنها من العبادة والصدق
والتجرد، وتأتي هذه الأخبار في سياق كتب التراجم التي نقلت أخبار الزهاد والعباد
من أهل الشام، مع بقاء الحاجة إلى التعامل العلمي مع الروايات وتمييز درجات
ثبوتها، فالمقصود هنا قراءة الدلالات التي تحملها هذه الأخبار في بناء صورة
الإنسان الرباني المؤثر.
لماذا تكشف النوازل القدر الحقيقي للعباد الخفيين؟
تبدأ قصة يزيد
بن الأسود من مفارقة ظاهرة: رجل لا يطلب الظهور، فإذا بالأزمات تكشف أثره، ففي
موقف الاستسقاء لم يكن هو صاحب المنبر ولا صاحب القرار السياسي، وإنما كان رجلاً
صالحاً عرفه الناس بالصلاح، فلما نزلت الحاجة العامة بحثت القيادة عن أهل الصدق
والدعاء.
وتتكرر هذه
المفارقة في قصة أويس القرني؛ ذلك العابد الخفي الذي لم يكن يطلب الظهور ولا يسعى
إلى منزلة بين الناس، ومع ذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بفضله، وأوصى عمر بن
الخطاب رضي الله عنه إن لقيه أن يطلب منه أن يستغفر له، فكان عمر رضي الله عنه
يسأل عنه في أمداد أهل اليمن، حتى لقيه وطلب منه الاستغفار(7).
وفي القصة دلالة
عميقة على أن قيمة الإنسان قد تكون أكبر بكثير من حجم حضوره في أعين الناس؛ فأويس
لم يتصدر مجلسًا، ولم يطلب مكانة، ولم يصنع لنفسه صورة عامة، لكن صدقه وعبادته
بلغا به منزلة جعلت الخليفة الراشد يبحث عنه ويطلب دعاءه، وهكذا تكشف أوقات الحاجة
أحيانًا عن أشخاص لم تصنعهم الأضواء، وإنما صنعتهم الخلوة بالله وصلاح السريرة؛
فليس كل من خفي عن الناس قليل الأثر، وليس كل من تصدر المشهد هو أعظم أهل المنزلة.
وهذا المعنى
ينسجم مع قوله تعالى: (أَلَا
إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس:
62)، فميزان الرفعة في المنظور القرآني ليس الشهرة المجردة، وإنما الصلة
بالله والتقوى.
وفي واقع الناس
اليوم، تظهر قيمة هذا المعنى في المؤسسات والمجتمعات؛ فالأشخاص الذين يبنون أنفسهم
بعيداً عن الاستعراض يكونون غالباً أكثر قدرة على الثبات عند الاختبارات، لأن
قوتهم لم تُبنَ على تصفيق الآخرين بل على أصل داخلي راسخ.
حين استعان معاوية بالعباد لمواجهة أزمات الدولة
يكشف موقف
معاوية رضي الله عنه في طلبه من يزيد أن يدعو الله عن صورة من صور الاعتراف بدور
الصالحين في المجتمع، فالقيادة السياسية لا تستغني عن القيم المعنوية، لأن الأزمات
الكبرى لا تعالج دائماً بالأدوات المادية وحدها، بل تحتاج إلى بث الطمأنينة وإحياء
معنى الرجوع إلى الله.
وقد ورد في السُّنة
حديث: «رُبَّ أشعثَ أغبرَ مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرَّه»(8)،
وهو أصل في بيان أن رفعة الإنسان عند الله قد تكون خفية عن أعين الناس.
وتظهر هذه
الصورة بوضوح في موقف البراء بن مالك رضي الله عنه يوم معركة «السوس»، حين اشتد
البلاء على المسلمين وأوجعهم المشركون، حتى احتاج الجيش إلى ما يبعث فيه الثبات
والأمل، عندها توجهوا إلى البراء، مستحضرين ما ورد في فضله، وقالوا له: يا براء،
إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كم من ضعيف متضعف ذي طمرين لو أقسم على الله
لأبره، منهم البراء بن مالك»، فأقسم على ربك، فأقسم البراء على ربه واستُنصر
بدعائه، ثم انتهت المواجهة بهزيمة المشركين وبث الطمأنينة في صفوف المسلمين(9).
ولا تكمن دلالة
الموقف في تعليق النصر على دعاء شخص بعينه، وإنما في إدراك الجماعة لقيمة الصدق
والتقوى حين تضيق بها الأسباب؛ فقد يكون الرجل الذي لا يملك منصبًا ولا قوة مادية
ظاهرة صاحب أثر معنوي عظيم، لأن ما يحمله من إيمان وثقة بالله يمنح الآخرين ثباتًا
في لحظة الاضطراب، وهنا تتأكد قيمة القيادة التي تعرف الرجال بأخلاقهم وصدقهم، لا
بمجرد مواقعهم وأدوارهم الرسمية.
ومن هنا يظهر أن
القائد الناجح لا يبحث فقط عن أصحاب المناصب، بل عن أصحاب الأمانة والصدق؛ لأن
الثقة الأخلاقية رأس مال لا يقل أهمية عن الخبرة والقدرة.
لماذا تُقدَّم المصلحة العامة على الانحيازات الضيقة؟
في خبر دعاء
يزيد بن الأسود عند لقاء عبدالملك بن مروان، ومصعب بن الزبير، تظهر دلالة مهمة؛ فلم
يجعل الدعاء تابعاً لهوى سياسي أو تعصب شخصي، وإنما قال: «اللهم احجز بين هذين
الجبلين، وولِّ أحبهما إليك».
ومع أن تفاصيل
الأحداث التاريخية تحتاج إلى قراءة ضمن سياقها، فإن المعنى الأخلاقي في الرواية
يلفت إلى أهمية تجاوز الانحيازات الضيقة عند وقوع النزاعات الكبرى، فالعاقل لا
يجعل الأشخاص غاية، بل يجعل الحق والمصلحة العامة معياراً.
وتتجسد قيمة
الانحياز للحق بعيدًا عن العصبية بصورة عملية في موقف الزبير بن العوام رضي الله
عنه يوم الجمل؛ فعندما ذكّره علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقول النبي صلى الله
عليه وسلم: «تقاتله وأنت له ظالم»، أعاد الزبير حساب موقفه، ولم يسمح للخلاف
القائم أن يحجبه عن الحق الذي تذكره، فانصرف عن القتال وترك ساحة الفتنة(10).
فالقوة الحقيقية
في أوقات النزاع ليست في الإصرار على الموقف لمجرد أن الإنسان تبناه، وإنما في
امتلاك الشجاعة الأخلاقية التي تمكنه من التراجع عندما يتبين له أن الاستمرار قد
يقوده إلى ما لا يرضي الله، وهذا يلتقي مع الدلالة التي يحملها دعاء يزيد بن
الأسود؛ أن الأشخاص ليسوا هم المعيار النهائي، وأن المحبة والانتماء لا ينبغي أن
يمنعا الإنسان من تقديم الحق وحقن الدماء على كل اعتبار آخر.
وهذا المعنى
يحتاجه واقعنا المعاصر في إدارة الخلافات داخل الأسرة والعمل والمجتمع؛ فالقائد
الحكيم لا يزيد الانقسام اشتعالاً، بل يبحث عن الطريق الذي يحقق العدل ويقلل
الضرر.
عندما يتحول إخفاء الطاعة إلى مدرسة للإخلاص
الروايات
المتعلقة بيزيد بن الأسود ترسم صورة إنسان كثير الصلة بالله، قليل الالتفات إلى
الناس، فالصلاة والمشي في الليل والبعد عن مواطن الشهرة ليست مجرد أعمال فردية، بل
هي تدريب للنفس على الانضباط والصبر ومقاومة حب الظهور.
ومن أبلغ صور
مجاهدة النفس أن يتعمد الإنسان إخفاء العمل الصالح عن أعين الناس، حتى لا تتسلل
إليه رغبة المدح أو الإعجاب، وكان الربيع بن خثيم رحمه الله إذا دخل عليه أحد وهو
يقرأ في المصحف غطاه بثوبه، حرصًا على ألا يراه الناس في عبادته، وتدريبًا لنفسه
على أن يبقى العمل بينه وبين الله بعيدًا عن دوافع الاستعراض(11).
وهذه الممارسة
تكشف أن الإخلاص ليس شعورًا يُدّعى، بل تربية مستمرة للنفس؛ فكلما تعود الإنسان أن
يعمل دون انتظار نظر الناس إليه، أصبح أكثر قدرة على الاستمرار في الخير حين يغيب
الثناء، ومن هنا تتحول العبادة الخفية إلى مدرسة للانضباط والصبر، وتصبح مقاومة حب
الظهور جزءًا من بناء شخصية لا يتغير عطاؤها بتغير الجمهور.
وفي عصر أصبحت
فيه الشهرة هدفاً عند كثير من الناس، تقدم هذه السيرة سؤالاً مهماً: هل يعمل
الإنسان ليُرى أم يعمل لأن العمل حق وخير؟ فالفرق بين الأمرين يصنع الفرق بين
شخصية تبحث عن التصفيق وشخصية تبحث عن القبول عند الله.
التوازن العلمي.. بين احترام الصالحين ونقد المرويات
اشتملت أخبار
يزيد بن الأسود على روايات عن إجابة الدعاء وإضاءة الإبهام وغيرها من الأخبار التي
تُذكر في كتب المناقب، والمنهج العلمي يقتضي التفريق بين أصل فضائل الرجل وبين
تفاصيل الروايات الواردة فيها؛ فمحبة الصالحين والاعتبار بسيرتهم لا تعني التسوية
بين جميع الأخبار من جهة الثبوت.
ومن أشهر ما
يروى في هذا الباب خبر أبي مسلم الخولاني رحمه الله، حين ألقاه مدعي النبوة الأسود
العنسي في نار عظيمة، فلم تضره، وجعلها الله عليه بردًا وسلامًا، ولما قدم
المدينة، لقيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقبّل بين عينيه وقال: «الحمد لله الذي
لم يمتني حتى أراني في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فُعل به كما فُعل بإبراهيم
خليل الرحمن»(12).
ومثل هذا الخبر
يفتح بابًا مهمًا في قراءة كرامات الصالحين؛ فالإيمان بإمكان الكرامة لا يعني
التسوية بين جميع الروايات من حيث الثبوت والتفاصيل، كما أن غرابة الحدث لا تكفي
وحدها لرده، والمنهج الأقوم أن يُفرّق بين أصل القصة وما يضاف إليها من تفاصيل،
وأن تُقرأ أخبار الصالحين باحترام لمكانتهم، مع إبقاء ميزان التحقيق العلمي
حاضرًا؛ فلا يتحول التعظيم إلى قبول غير المنضبط، ولا يتحول التحقيق إلى إنكار لما
ثبت من كرامات أولياء الله.
وهذا المنهج
يحفظ للتاريخ الإسلامي قيمته؛ فلا نرفض أخبار الصالحين لمجرد غرابتها، ولا نقبل كل
ما يروى دون تمحيص، بل نقرأ التراث بعين تجمع بين الاحترام والتحقيق.
ماذا تعلمنا شخصية يزيد بن الأسود في زمننا؟
تقدم هذه
الشخصية نموذجاً لإنسان يبني قوته من الداخل قبل أن يواجه الخارج، فالأسرة تحتاج
إلى هذا النوع من القدوة الهادئة، والتعليم يحتاج إلى المربي الذي يؤثر بسلوكه قبل
كلامه، والعمل يحتاج إلى الموظف الذي يحمل الأمانة ولو غاب الرقيب.
كما أن
المجتمعات في أوقات الأزمات تحتاج إلى أصحاب القلوب الثابتة الذين يصنعون الأمل
دون ضجيج، ويذكرون الناس بأن الأسباب مهمة، لكن تعلق القلب بمسبب الأسباب هو أصل
الطمأنينة.
إن يزيد بن الأسود الجرشي، كما تصوره هذه الأخبار، يمثل مدرسة في صناعة الإنسان؛ خفاءٌ لا يعني غياباً، وزهدٌ لا يعني انعزالاً، وعبادةٌ لا تمنع من حضور قضايا الأمة، بل قد تكون هي المصدر الذي يمنح الإنسان القدرة على التأثير حين تضطرب الأحوال.
الهوامش
- 1 يزيد بن الأسود الجرشي من سادة التابعين بالشام، سكن بالغوطة بقرية زبدين، أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
- 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص137.
- 3 المرجع السابق، ج4، ص137.
- 4 المرجع السابق، ج4، ص137.
- 5 المرجع السابق، ج4، ص137.
- 6 المرجع السابق، ج4، ص137.
- 7 الطبقات الكبرى لابن سعد، ج6، ص161.
- 8 رواه مسلم.
- 9 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج1، ص29.
- 10 سير أعلام النبلاء، ج1، ص58.
- 11 الطبقات الكبرى لابن سعد، ج5، ص216.
- 12 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج2، ص26-27.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً