فقه المسؤولية وقت الشدائد
بين العبادة والقيادة.. هرم بن حيان يفتح القلعة
أورد الذهبي عن
الوَلِيْد بن هِشَامٍ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ عُثْمَانَ بنَ أَبِي
العَاصِ وَجَّهَ هَرِمَ بنَ حَيَّانَ إِلَى قَلْعَةٍ فَافْتَتَحَهَا عَنْوَةً(1).
يمثل هذا الخبر
المختصر لونًا من الأخبار التي تختزن وراء كلماتها القليلة مساحات واسعة من
الدلالات، فقول الذهبي في ترجمة هرم بن حيان: إن عثمان بن أبي العاص وجهه إلى قلعة
فافتتحها عنوة، لا يروي مجرد حادثة عسكرية، بل يكشف عن صورة إنسانية متكاملة؛ رجل
تربي في مدرسة الإيمان والزهد، ثم ظهر أثر تلك التربية في ميادين المسؤولية
والعمل.
والقراءة
العلمية لهذا الخبر تقتضي الوقوف عند حدود النص؛ فهو يثبت تكليف هرم بن حيان بهذه المهمة
ووقوع الفتح، أما تفاصيل الخطة العسكرية وأعداد الجند وملابسات الحصار فلا يذكرها
النص، ولذلك يكون التحليل مستندًا إلى الدلالة العامة للموقف لا إلى تفاصيل غير
منقولة.
هرم بن حيان.. من محراب العبادة إلى ميدان القيادة
تكشف تراجم
التابعين أن الزهد في مفهوم السلف لم يكن انسحابًا من الحياة، ولا اعتزالًا
لمجالات التأثير، بل كان بناءً داخليًا يمنح صاحبه قدرة أكبر على أداء المسؤوليات،
وهرم بن حيان يمثل نموذجًا لهذا التوازن؛ فالقلب المتعلق بالله لا يمنع صاحبه من
القيام بواجباته في المجتمع، بل قد يكون مصدرًا للثبات عند المواقف الصعبة.
إن إرسال عثمان بن أبي العاص لهرم بن حيان في مهمة عسكرية يدل على الثقة في قدرته، فالمهام الكبرى
لا تُسند عادة إلى من يملك الحماس وحده، بل إلى من يجمع بين الانضباط وقوة الشخصية
وحسن التصرف.
ومن هنا يظهر
معنى مهم في بناء الإنسان؛ أن التربية الإيمانية لا تصنع أفرادًا ضعفاء أمام
تحديات الواقع، بل تصنع أصحاب همم يستطيعون الجمع بين خشوع العبادة وحزم
المسؤولية.
والناظر في سير
الصالحين يجد أنهم كانوا في المحاريب عباداً زاهدين، وفي الجهاد قادة أشداء فاتحين،
فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، الرجل الأسيف الذي لا يكاد يُسمَع صوته من كثرة
البكاء في الصلاة، هو الذي وقف بحزم وعزم وثبات في وجه المرتدين المانعين للزكاة،
قائلاً: «والله لو منعوني عناقاً -وفي رواية: عقالاً- كانوا يؤدونه إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم، لقاتلتهم عليه، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة»(2).
وهذا علي بن أبي
طالب رضي الله عنه كان في المحراب أبا تراب العابد الصوّام، وكان في الميدان شديد
البأس، يُتقى في قتاله، وكان يقاتل بضراوة وثبات في الميادين(3).
كيف ترجم هرم بن حيان اليقين لثبات عملي؟
لم يكن فتح
القلاع من الأعمال السهلة؛ فالقلعة في السياق العسكري القديم تمثل رمزًا للتحصن
والمنعة، ولذلك فإن توجيه قائد لاقتحامها يحتاج إلى تقدير للكفاءة والقدرة على
تحمل الضغط.
ويكشف لفظ
«افتتحها عنوة» عن جانب من طبيعة الموقف؛ فهو يدل على حصول الفتح بالقوة بعد
مواجهة، وليس بمجرد الصلح أو التسليم، وهذا النوع من المواقف يختبر قدرة القائد
على اتخاذ القرار، وعلى تحويل التحدي إلى عمل منظم.
ولا يعني ذلك أن
الشجاعة مجرد اندفاع، فالشجاعة في ميزان القيادة الرشيدة القدرة على الإقدام في
الموضع الذي يحتاج إلى إقدام، مع تقدير العواقب وتحمل المسؤولية.
فهذا رسول الله
صلى الله عليه وسلم يتقدم مع أصحابه لغزوة «حنين»، لكن المشركين كمنوا لهم كميناً،
ثم أطلقوا عليهم السهام من خلف الجبل، ففرّ من فرّ من المجاهدين، وبقي العدد
القليل مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكان لا بد من الثبات والإقدام، لذلك وقف صلى
الله عليه وسلم ثابتاً داعياً مستنصراً منادياً أصحابه.
ففي الحديث عَنْ
أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ الْبَرَاءَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقَالَ:
يَا أَبَا عُمَارَةَ، أَوَلَّيْتُمْ يَوْمَ «حُنَيْنٍ»؟ قَالَ الْبَرَاءُ، وَأَنَا
أَسْمَعُ: أَمَّا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوَلِّ
يَوْمَئِذٍ، كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذًا بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ،
فَلَمَّا غَشِيَهُ الْمُشْرِكُونَ نَزَلَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا
كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ»، قَالَ: فَمَا رُئِيَ مِنَ النَّاسِ
يَوْمَئِذٍ أَشَدُّ مِنْهُ(4).
وهذا البراء بن
مالك في حروب الردة، لما قاتل المسلمون مسيلمة الكذاب، وإذا به يتحصن بحصنٍ حصين،
لم يستطع أحدٌ من الصحابة اقتحامه، فقال البراء: يا معشر المسلمين، ارموني عليهم في
الحديقة، فقال الناس: لا تفعل يا براء! فقال: والله أفعل، فاحتمل حتى أشرف على
الجدار فاقتحم فقاتلهم حتى فتحها الله للمسلمين، ودخل عليهم المسلمون، وقُتل
مسيلمة(5).
وفي واقع
المؤسسات اليوم، تتكرر صورة القلاع ولكن بأشكال مختلفة؛ فقد تكون القلعة مشروعًا
متعثرًا، أو أزمة إدارية، أو تحديًا تربويًا، والقائد الناجح لا يكتفي بتشخيص
صعوبة الواقع، بل يبحث عن الإنسان القادر على تحويل الصعوبة إلى إنجاز.
كيف يضبط اليقين الإيماني مخاوف النفس البشرية؟
يرتبط الثبات في
المواقف الكبرى بوضوح الغاية، فالإنسان عندما يتحرك لهدف يتجاوز ذاته يصبح أكثر
قدرة على تحمل المشقة، وهذا المعنى حاضر في التوجيه القرآني، حيث قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ) (الأنفال: 45)؛ فالآية تجمع بين الثبات العملي والذكر القلبي؛
لأن القوة الحقيقية في التصور الإسلامي ليست قوة الجسد وحدها، بل قوة الإنسان الذي
اتصل قلبه بمعنى أعلى من الخوف والرهبة.
ومن هنا نفهم
شخصية أمثال هرم بن حيان؛ فالإيمان لا يلغي طبيعة الإنسان ولا مخاوفه، لكنه يمنحه
إطارًا يضبط هذه المخاوف ويوجهها نحو الفعل الصحيح، فهذا بلال بن رباح رضي الله
عنه يثبت بإيمانه تحت وطأة التعذيب الشديد من أمية بن خلف، إذ كان يوضع الصخر
العظيم على صدره في رمضاء مكة ليرجع عن دينه، فكان يقينه الداخلي يمنحه القوة
ليردد: «أحد أحد»(6).
وهذا موقف آل
ياسر -عمار بن ياسر، وأبوه، وأمه سمية- يعذَّبون في رمضاء مكة، ويقينهم بصدق وعد
الله ورسوله حين كان يمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم فيقول تثبيتاً لهم:
«صَبْرًا يَا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ»(7)،
فكان هذا دافعاً للثبات ومعيناً عليه.
وفي التربية
المعاصرة، يظهر هذا المعنى بوضوح؛ فالطلاب والموظفون وأفراد الأسرة يحتاجون إلى
بناء المعنى قبل طلب الإنجاز؛ لأن الإنسان الذي يعرف لماذا يعمل يكون أكثر قدرة
على الصبر في طريق العمل.
كيف يمهد الاختيار الدقيق للقادة طريق الانتصارات؟
من أبرز
الدلالات القيادية في الخبر أن عثمان بن أبي العاص لم يوجه أي شخص لهذه المهمة، بل
وجه هرم بن حيان، وهذا يلفت النظر إلى قاعدة إدارية ثابتة؛ نجاح المهمات الكبرى
يبدأ بحسن اختيار الأشخاص.
وقد قرر القرآن
أصلًا عامًا في وضع المسؤوليات في مواضعها، فقال تعالى على لسان ابنة شعيب: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ
الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: 26)، فالقوة وحدها لا تكفي، كما أن الأمانة
وحدها لا تكفي؛ بل لا بد من اجتماع القدرة والثقة.
كما أكدت السُّنة
النبوية ضرورة التركيز على اختيار الرجال الذين يملكون القدرة على قيادة المواقف
وتحقيق النجاح فيها، فقد اختار الرسول صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير رضي الله عنه ليكون أول سفير وقائد تربوي للمدينة المنورة قبل الهجرة، لِما علم فيه من الحكمة
وقوة الشخصية وحسن التأثير(8)، كما اختار علي بن أبي طالب وأعطاه
الراية يوم «خيبر»، حيث قال: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ، أَوْ لَيَأْخُذَنَّ
بِالرَّايَةِ، غَدًا، رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَوَ قَالَ يُحِبُّ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ»(9).
كما اختار صلى
الله عليه وسلم عبدالله بن جحش رضي الله عنه لقيادة سرية «نخلة»؛ لما يعلمه فيه من
الصبر والانضباط، وقال للصحابة: «لأبْعَثَنَّ عَلَيْكُمْ رَجُلًا لَيْسَ بِخَيْرِكُمْ،
أَصْبَرُكُمْ عَلَى الْجُوعِ وَالْعَطَشِ»، فَبَعَثَ عَلَيْنَا عَبْدَاللهِ بْنَ
جَحْشٍ الْأَسَدِيَّ فَكَانَ أَوَّلَ أَمِيرٍ أُمِّرَ فِي الْإِسْلامِ(10).
وهذه قاعدة
تتجاوز المجال العسكري إلى كل مجالات الحياة؛ فالمدرسة تحتاج إلى معلم يجمع العلم
والتأثير، والمؤسسة تحتاج إلى قائد يجمع الخبرة والنزاهة، والأسرة تحتاج إلى
مسؤولية مبنية على الحكمة والرحمة.
قصة هرم بن حيان.. تاريخ كبير في كلمات موجزة
من جماليات
أخبار التراجم أنها تختصر مواقف ضخمة في ألفاظ قليلة، فقوله: «وجه هرم بن حيان إلى
قلعة فافتتحها عنوة» يحمل حركة كاملة؛ تكليف، وانتقال، ومواجهة، ونتيجة.
وهذا الأسلوب من
خصائص كتب السير؛ فهي لا تسرد التفاصيل دائمًا، لكنها تقدم مشاهد مركزة تفتح باب
التأمل في شخصية صاحبها.
وقد جرت على
ألسنة السلف الصالح كلمات قليلة تحمل تاريخاً كاملاً ووصفاً شاملاً في العديد من
الجوانب، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول عن معاوية بن أبي سفيان عندما رآه
في مواكبه: «هَذَا كسْرَى الْعَرَب»(11)؛ لِأَنَّهُ كَانَ يجمع بَين
سخاء الْعَرَب وتأنق مُلُوك الْعَجم في الرياش والمطعم(12).
كيف نستلهم ثبات هرم بن حيان لتحدياتنا المعاصرة؟
لا تكمن قيمة
أخبار السلف في إعادة الماضي فقط، بل في استخراج القواعد التي تصلح للإنسان في كل
زمان، وموقف هرم بن حيان يذكر بأن النجاح لا يصنعه عنصر واحد؛ فلا تكفي المعرفة
بلا شجاعة، ولا تكفي الحماسة بلا انضباط، ولا تكفي القوة بلا مقصد.
فالإنسان الذي
يبني داخله على الإيمان، ويطور قدراته، ويحسن تحمل المسؤولية، يصبح قادرًا على
مواجهة القلاع المعاصرة مهما اختلفت صورها.
وفي زمن تكثر
فيه التحديات، يحتاج المجتمع إلى نماذج تجمع بين العمق الروحي والكفاءة العملية؛
لأن الحضارات لا تبنى بالأفكار وحدها، بل بالإنسان الذي يحمل هذه الأفكار إلى واقع
الناس.
وهنا نؤكد أن
خبر هرم بن حيان يبقى شاهدًا على أن الشخصية المؤمنة في التصور الإسلامي ليست
شخصية هامشية، بل شخصية فاعلة تصنع أثرها في العبادة والعمل والمجتمع، فقد جمع هذا
الموقف بين حسن الاختيار، وقوة التنفيذ، والثبات أمام الصعاب، وهي معانٍ ما زالت
حاضرة في بناء القادة وصناعة المجتمعات.
إن القلاع التي تواجه الإنسان اليوم قد لا تكون أسوارًا حجرية، لكنها تحتاج إلى الصفات نفسها التي احتاجها أصحاب الهمم في الماضي: وضوح الغاية، وقوة النفس، وحسن الإعداد، والشجاعة المسؤولة.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (5/ 13).
- 2 البداية والنهاية: ابن كثير (9/ 438).
- 3 سير أعلام النبلاء: الذهبي (1/ 52).
- 4 صحيح البخاري (3042).
- 5 السيرة النبوية وأخبار الخلفاء: ابن حبان (2/ 438)، وانظر: تاريخ الطبري (3/ 290).
- 6 البداية والنهاية: ابن كثير (4/ 144).
- 7 المستدرك على الصحيحين: الحاكم (5646).
- 8 سير أعلام النبلاء: الذهبي (1/ 145).
- 9 صحيح مسلم (2407).
- 10 مسند أحمد (1539).
- 11 أنساب الأشراف: البلاذري (5/ 147).
- 12 ثمار القلوب في المضاف والمنسوب: الثعالبي، ص 161.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً