سلطان العالم.. ألب أرسلان

أضواء على موقعة ملاذكرد.. حين عاشت بغداد ولم تُهدم الكعبة!

أضواء على موقعة ملاذكرد.. حين عاشت بغداد ولم تُهدم الكعبة!

أضواء على موقعة ملاذكرد

يا للغرور الذي لا يعرف حدًا! ويا للطغيان الذي يظن أن بإمكانه محو اسم الإسلام من صفحات الوجود! لقد همَّ إمبراطور الروم رومانوس الرابع ديوجينيس (460-464هـ/ 1068-1071م) عضو الأرستقراطية البيزنطية المحاربة، الذي تبوأ العرش عقب زواجه من الإمبراطورة إيدوكيا مكرمبولتيسا (411/ 1021 - 489هـ/ 1096م) أرملة الإمبراطور قسطنطين العاشر دوكاس، تجهَّز الإمبراطور بجيشٍ جرَّارٍ لا يُحصى كثرةً، بل قيل: إنه خرج من القسطنطينية في 600 ألف، كانوا لا يدركهم الطرف، ولا يحصرهم العدد، كتائب متواصلة، وعساكر متزاحمة، قد أعدّوا من السلاح ما يعجز الوصف عنه(1).

وما كان همه إلا هدم عاصمتين عظيمتين؛ الأولى سياسية؛ وهي بغداد حاضرة الخلافة العباسية وقلعة الإسلام؛ والثانية عاصمة دينية؛ وهي مكة المكرمة مهبط الوحي وقبلة المسلمين إلى يوم الدين، بل جاوزوا كلَّ حد، فاقتسموا الدنيا بينهم، وجعلوا لكل 100 ألف قُطرًا، فاضطربت ممالك الإسلام، وكثر الجزع، وأخلوا لهم البلاد، لقد أراد هذا المتغطرس أن يقتلع الإسلام من جذوره، وأن يُبيد أمة بأكملها، فظنَّ أن بقدرته أن يمحو اسم الإسلام من على وجه الأرض.

وصل هذا الخبر الجلل إلى السلطان ألب أرسلان محمد بن داود (محرم 421هـ/ يناير 1030م - ربيع الأول 465هـ/ نوفمبر 1072م)، وكان جيشه منهكًا من حروبٍ خاضها في خراسان وبلاد ما وراء النهر، فما كان منه إلا أن طلب المدد من الخليفة العباسي في بغداد، راجيًا عونه في صد هذه الإبادة المحققة، فكان الجواب: ليس لديَّ غير 200 جندي لحراسة قصر الخلافة! ردٌّ بارد يُشعِر إلى أي حد تهاوت الخلافة العباسية، وبمن حرس اللهُ المسلمين؟!

ومع ذلك، لم ييأس البطل السلجوقي، فعرض الصلح على عدوه، مجربًا كل سبيلٍ لتجنيب الدماء، فكان رد رومانوس الرابع جحودًا وغرورًا، إذ اشترط ألا يتم الصلح إلا في مدينة الري، عاصمة السلاجقة! لقد أراد أن يُذلَّ ألب أرسلان في داره، وأن يخطو خطوة النصر قبل أن تبدأ المعركة.

وبعد أن فشل الصلح والمهادنة في دفع شبح الحرب علم السلطان أنه لم يبق أمامه إلا الموت، وعزم وصفوة جيشه على ملاقاتهم، وأيقن أنه لا مفر من القتال، وأن المواجهة محتومة، وأن لا منجى من قدر الله، وقد كان قلبه مفعمًا بالإيمان، ونفسه مطمئنة بوعد الله، فخرج في 12 ألفاً، وكان المسلمون كالشامة البيضاء في الثور الأسود(2).

وهنا يتجلى عِظمُ الإيمان وحكمة العلماء الربانيين، فقد تقدَّم الشيخ أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري إلى السلطان باقتراحٍ قال فيه: «الْقهم يوم الجمعة في الساعة التي يكون الخطباء على المنابر، فإنهم يدعون للمجاهدين بالنصر، والدعاء مقرون بالإجابة»، وكان ذلك يوم الجمعة آخر ذي القعدة 463هـ/  28 أغسطس 1071م.

ويا لروعة التوقيت! إنها إستراتيجية عسكرية، وسياسة إيمانية، تزاوج بين الجهاد في الميدان والدعاء في محراب الإيمان، وتجعل من المعركة عبادة، ومن القتال صلاة، وقال السلطان: إن هذه الساعة لا يبقى على وجه الأرض منبر إلا دعا لنا بالنصر(3).

ولبس ألب أرسلان كفنه الأبيض، ونادى في جيشه الذي لا يتجاوز 12 أو 15 ألفًا، قائلاً: من أراد الانصراف فلينصرف، فما ها هنا سلطان يأمر وينهى، ثم ربط يده في ذيل حصانه حتى لا يفرَّ، ووقف بين جنوده يتشوق إلى الموت شوق العاشق، فصلوا وهجموا هجوماً واحداً لم يقف له شيء، حتى انتهوا إلى سرادق رومانوس وهو لا يظن أن أحداً يصل إليه، فإذا بالإمبراطور المغرور أسيرًا بين يديه، وقد ولّى جيشه منهزماً(4).

وجلس ألب أرسلان على كرسي الإمبراطور الأسير، وأحضره بين يديه، فقال له: ما كنت صانعاً لو ظفرت بي؟ قال الإمبراطور المهزوم: أو تشك في قتلك حينئذ؟ فضحك السلطان وقال: وأنت أقل من أن أقتلك(5)، وهنا يتجلى سموُّ الإسلام، إذ لم يبطش بأسيره، بل أمر بإطلاقه بعد أن تعهد بدفع فدية قدرها مليون ونصف مليون دينار، وإطلاق كل أسير مسلم في أرض الروم، وعقد معاهدة صلح مدتها 50 عاماً، يلتزم فيها بدفع الجزية السنوية، والاعتراف بسيطرة السلاجقة على المناطق التي فتحوها.

بل زاد السلطان في كرمه، فخلع عليه خلعة جليلة، وخصص له سرادقاً كبيراً، وأعطاه قدراً كبيراً من المال لينفق منه في سفره، وأفرج عن عدد من ضباطه ليقوموا بخدمته، وأمر عدداً من رجاله بصحبته حتى يصل إلى دياره سالماً(6).

ولم تكد تصل أخبار الهزيمة إلى القسطنطينية حتى أزال رعاياه اسمه من سجلات الملك، وقالوا: إنه سقط من عداد الملوك، وعُيِّن ميخائيل السابع إمبراطورًا؛ فألقي القبض على رومانوس الرابع، الإمبراطور السابق، وسملوا عينيه(7).

سلطان العالم ألب أرسلان

وتحقق وعد الله، ونصر عباده، فانتصر جيش لا يعدو 15 ألفاً على جيش يزيد على 200 ألف (بل 600 ألف في رواية)، واستحق ألب أرسلان لقب «سلطان العالم»، وتهافت الغرور تحت وقع الحق، وصدحت الدنيا بأجمعها: «عاشت بغداد ولم تُهدم الكعبة!»، أمة لن تموت ما دام فيها رجال مثل ألب أرسلان، وعلماء مثل أبي نصر البخاري.

فكانت موقعة «ملاذكرد» أو «ملازجيرد» (Manzikert)، الملحمة الخالدة التي حطَّم فيها السلاجقة الجيش البيزنطي تحطيمًا تامًا، وجعلوا منه عبرةً، وكانت مقدمةً لفتوح آسيا الصغرى، ولأول مرة في التاريخ يأسر حاكمٌ مسلم إمبراطوراً بيزنطياً، فيُحسن معاملته ويُطلق سراحه(8)، مظهراً علوَّ أخلاقه.

وقد كان تأثير هذه المعركة عظيمًا جداً؛ دينياً وسياسياً، إذ بها نهض المسلمون من كبوتهم، ولاح للإمبراطورية البيزنطية أنها على شفا الانهيار، حيث فقدت آسيا الصغرى، واستقر السلاجقة في قونية، التي هي الآن بلاد الأناضول، ولم يمضِ طويل زمن حتى آلت إليهم قلعة نيقية، تلك المدينة الإغريقية القديمة التي اشتهرت بأهميتها في تاريخ المسيحية لوقوع مجمع نيقية بها(9).

وكان ملك الروم قد توهم النصر قبل المعركة، فأقطع البطارقة البلاد الإسلامية، وقال لمن أقطعه بغداد: «لا تتعرض لذلك الشيخ الصالح، فإنه صديقنا»؛ يعني الخليفة، فكانوا يقولون: «لا بد أن نشتو بالري، ونصيف بالعراق، ونأخذ في عودنا بلاد الشام»(10)، ولكن الله قلب كيدهم في نحورهم، وجعل عاقبتهم الندم والخسران.

أما المصير الذي آل إليه هذا الإمبراطور المغرور بعد هزيمته، فكان جزاءً وفاقاً لغروره وطغيانه؛ لم يكد خبر هزيمته يصل إلى القسطنطينية حتى قام خصومه من أسرة دوكاس بانقلاب ضده وهو لا يزال في الأسر، ونصبوا مايكل السابع دوكاس إمبراطوراً مكانه، وأزالوا اسمه من سجلات الملك، فلما أُطلق سراحه، سارع لجمع جيش لمحاولة استرجاع عرشه، لكن جيوش أسرة دوكاس تصدت له وهزمته في كيليكيا(11)، وأسروه مجدداً، وبعد أن وُعِد بالأمان، نقض خصومه عهدهم، فاتهموه بالخيانة والعجز، وأصدر الحكم عليه بالسمل (فقء عينيه)، ونفوه إلى دير في جزيرة بروتي (بروتي) في بحر مرمرة.

وقد كانت عملية سمل عينيه وحشية للغاية، فلم يمضِ وقت طويل حتى توفي متأثراً بجراحه وإصابة العينين بالعدوى في 4 أغسطس 1072م(12)، فكانت نهاية هذا المتغطرس الذي همَّ بهدم بغداد والكعبة، جزاءً له على كبره وطغيانه.

وفي موقعة ملاذكرد تجلت سنن الله في نصرة المؤمنين، وظهرت حقيقة أن النصر ليس بكثرة العدد ولا بكثرة العتاد، بل بالثبات والإخلاص والتوكل على الله، لقد كانت درساً بليغاً حتى لا نظن أن القوة المادية تعجز عن تحقيق أهدافنا، إنها تذكيرٌ خالد؛ (إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ) (النحل: 128)، وعاشت بغداد ولم تُهدم الكعبة!

الهوامش
  • 1 ابن النحاس: مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق، ص551-553.
  • 2 التنكيل بسمل العيون في العصر العباسي دوافعه وآثاره، بحث حصل به، إسماعيل محمد رفعت عبدالصبور، على درجة الدكتوراة في التاريخ والحضارة الإسلامية جامعة المنيا، كلية دار العلوم، قسم التاريخ والحضارة الإسلامية ص 168.
  • 3 ابن النحاس: المصدر نفسه، ص551-553.
  • 4 ابن النحاس: أحمد بن إبراهيم الدمشقي ثم الدمياطي (ت 814هـ/ 1412م): مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق، ومثير الغرام إلى دار السلام، تحقيق: إدريس محمد علي، محمد خالد إسطانبلي، دار البشائر الإسلامية، بيروت، 1410هـ/ 1990م، صفحة، 551 – 553.
  • 5 التنكيل بسمل العيون، إسماعيل محمد رفعت عبدالصبور، ص 168.
  • 6 محمود شاكر: موسوعة التاريخ الإسلامي (6/ 214)؛ الرابي: رحلة بنيامين التطيلي، ص42 (مقدمة المحقق).
  • 7 التنكيل بسمل العيون، إسماعيل محمد رفعت عبدالصبور، ص 169.
  • 8 أبو يعقوب يوسف بن تاشفين، ويوسف بن أيوب صلاح الدين دراسة تاريخية مقارنة في المنهج والوسائل والآثار، بحث حصل به: إسماعيل محمد رفعت، على درجة الماجستير في التاريخ الإسلامي، ص 31.
  • 9 ياقوت الحموي: معجم البلدان ج5 ص333.
  • 10 ابن الجوزي: المنتظم، ج16، ص128.
  • 11 قيليقية وتضم حالياً محافظات أضنة، ومرسين، وعثمانية بتركيا.
  • 12 مسكويه: تجارب الأمم (6/ 425)؛ الرابي: المصدر نفسه، ص42؛ محمود شاكر: المصدر نفسه (6/ 214)؛ الموسوعة الحرة (ويكيبيديا الألمانية) مدخل رومانوس الرابع ديوجينيس.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (1)

شريف
منذ شهرين

مقال موفق جدا في ذكرى يوم الموقعة ملاذكرد ما اعظم الدولة السلجوقية التى ظلت قرون عديدة تحمى الإسلام ما عظم السلطان ألب ارسلان ووزيره الفذ نظام الملك


تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة