5 أحداث عالمية كبرى شكَّلت وعي «جيل زد»
يتشكل الوعي
الإنساني من رحم الأحداث التاريخية الكبرى، فالأحداث الكبرى هي التي تصبغ الأجيال
المتعاقبة بصبغات مختلفة، ففي بداية القرن العشرين، نشأ ما يسمى بالجيل الأعظم
(1901 – 1927م) من رحم الحرب العالمية الأولى ثم الكساد الكبير متبنياً قيم
التضحية، وتبعه الجيل الصامت (1928 - 1945م) الذي تميز بالحذر والعمل الدؤوب
لإعادة الإعمار، ثم جاء جيل طفرة المواليد (1946 – 1964م) الذي عاصر الازدهار
والحرب الباردة، وهو الذي أشعل ثورة ثقافية واجتماعية، قبل أن يظهر جيل «إكس» (1965
– 1980م) الذي اتسم بالاستقلالية والتشكك في السلطة بالتزامن مع سقوط جدار برلين.
ثم جاء «جيل
الألفية» (1981 – 1996م) مع نهاية القرن العشرين، وهو الذي عاصر ولادة الإنترنت
وصدمة أحداث سبتمبر وسط أزمات اقتصادية متلاحقة، وفي بداية الألفية (1997 – 2012م)
جاء «جيل زد»، وهو أول جيل رقمي بالكامل، تفتحت عيونه ووعيه على شاشات الهواتف
والأزمات الكونية دون رقابة، وهذا هو الذي هيأه للتحدي وقيادة التغيير، بعد أن شكل
كتلة حرجة أكثر راديكالية وتشككاً في المؤسسات التقليدية، وأشد مرونة ومطالبة
بالتغيير الهيكلي للنظام الدولي.
وفيما يلي أهم 5
منعطفات كبرى شكلت وعي «جيل زد» وصاغت نظرته المتمردة للعالم:
1- «طوفان الأقصى» (7 أكتوبر 2023م).. سقوط السردية الكاذبة وزلزال الوعي الغربي:
إذا كان هناك
حدث واحد عزل «جيل زد» تماماً عن المنظومة الإعلامية والسياسية التقليدية في الغرب
والشرق، فهو معركة «طوفان الأقصى» والحرب على غزة، هذا الحدث لم يكن مجرد جولة
صراع أخرى بين الحق الفلسطيني والباطل الصهيوني الذي يقدم للمواطن الغربي على أنه
الحق الخالص، بل كان بثاً حياً ومباشراً لحرب إبادة وصلت إلى هواتفهم دون فلاتر
عبر منصات مثل «تيك توك» و«إنستجرام».. وغيرهما.
هنا وقع الزلزال
الرقمي، فقد أحدثت هذه الحرب فجوة جيلية غير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة
والغرب، فوفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «هاريس بول» بالتعاون مع «هاريس إكس»،
تبين أن 60% من الشباب الأمريكيين في الفئة العمرية (18 - 24 عاماً) عبروا عن
دعمهم للجانب الفلسطيني مقارنة بنسب تأييد ساحقة لـ«إسرائيل» بين الأجيال الأكبر
سناً (الذين تتجاوز نسب تأييدهم لـ«إسرائيل» 80% في فئة ما فوق 65 عاماً).
يقول ناعوم
تشومسكي، في أطروحاته حول صناعة الإجماع: «إن السيطرة على تدفق المعلومات كانت
الركيزة الأساسية للنظام الدولي؛ لكن مع حرب غزة، كسر الجيل الجديد هذا الاحتكار».
وتقول الكاتبة
المعاصرة منى الطحاوي: «إن «جيل زد» لم يعد يطلب الإذن من المؤسسات الإعلامية
الكبرى ليعرف الحقيقة، فقد أصبح هو نفسه المنصة والناشر».
وتحولت الجامعات
العريقة في أمريكا وأوروبا (مثل هارفارد وكولومبيا وسوربون) إلى ساحات اعتصام
قادها هذا الجيل الاستثنائي، متحدياً القمع الأمني والتهديدات المستقبلية لوظائفهم؛
ما أثبت أن القضية الفلسطينية أصبحت أيقونة العدالة العالمية الحاكمة لضميرهم
السياسي.
2- الأزمة المالية العالمية لعام 2008م.. ولادة في حضن «التقشف»:
رغم أن العديد
من أفراد هذا الجيل كانوا أطفالاً أو في بداية وعيهم عام 2008م، فإن تداعيات
انهيار الأسواق المالية العالمية والرهن العقاري رسمت الخلفية الاقتصادية القاتمة
لبيوتهم.
فعلى مستوى
الإحصاءات والواقع المعيشي، رأى هذا الجيل آباءهم يفقدون وظائفهم ومدخرات حياتهم،
ورأوا المنازل التي نشؤوا فيها تُعرض في المزاد العلني، وطبقاً لتقرير مؤسسة «ديلويت»
السنوي عن «جيل زد» و«جيل الألفية»، فإن الخوف من عدم الأمان المالي وارتفاع
تكاليف المعيشة ظل المتصدر الأول لمخاوف هذا الجيل، حيث أكد 55% منهم أنهم يؤجلون
قرارات مصيرية مثل الاستقلال السكني أو بناء عائلة بسبب الضغوط الاقتصادية
الموروثة عن تلك الحقبة.
وذكر الرئيس
الأمريكي الأسبق باراك أوباما في مذكراته: «إن أزمة عام 2008م لم تكن مجرد أزمة
أرقام، بل خلقت شرخاً عميقاً في ثقة جيل كامل تجاه وعود الرأسمالية والشركات
الكبرى التي جرى إنقاذها بأموال دافعي الضرائب، بينما تُركت الطبقات الوسطى تواجه
مصيرها».
3- ثورات «الربيع العربي» 2011م.. تسييس مبكر عبر دروس الدكتاتورية:
بالنسبة لشباب «جيل
زد» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحتى المتابعين لهم عالمياً، كانت ثورات
عام 2011م وما تبعه نافذتهم الأولى على مفهوم القوة الشعبية وعنف الدولة في آن
واحد.
وقد أظهرت
استطلاعات الرأي الخاصة بالشباب العربي على مدى سنوات ما بعد «الربيع العربي»، أن
أكثر من 70% من الشباب يعتبرون الفساد الحكومي والبطالة المحركين الأساسيين لعدم
الاستقرار.
4- أزمة المناخ العالمية.. النضال من أجل البقاء البيولوجي:
على عكس الأجيال
السابقة التي ناقشت التغير المناخي كرفاهية علمية أو مشكلة مستقبلية، يتعامل «جيل
زد» مع هذه القضية كخطر وجودي داهم يهدد بقاءهم على الكوكب.
ففي «استطلاع
وعي جيل زد» الصادر عن «United
Way NCA»، تبين أن
64% من شباب هذا الجيل يضعون مكافحة التغير المناخي على رأس أولوياتهم السياسية
والاجتماعية، وقد حشدت الاحتجاجات المناخية التي قادتها الرموز الشابة مثل جريتا
ثونبرج ملايين الطلاب حول العالم في إضرابات مدرسية من أجل الأرض.
وحذر الأمين
العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش مراراً من أن العالم يمر بحالة غليان عالمي،
مشيداً في الوقت نفسه بالضغط الأخلاقي والسياسي الذي يمارسه الجيل الجديد، واصفاً
إياهم بأنهم الضمير الذي يفتقده القادة السياسيون.
5- جائحة «كورونا» عام 2020م.. العزلة السيكولوجية وسقوط هيبة الدولة:
جاءت جائحة «كورونا»
لتغلق المدارس والجامعات في أكثر سنوات العمر حرجاً لـ«جيل زد»، مسببة انقطاعاً
اجتماعياً غير مسبوق في التاريخ الحديث.
فحسب استبيان
النشاط والوعي لـ«جيل زد»، أفاد ما يقرب من 3 من كل 4 شباب (75%) بأن الجائحة أثرت
سلباً بشكل عنيف على صحتهم النفسية، وتم تشخيص نحو ربعهم باضطرابات مثل القلق
والاكتئاب خلال تلك الفترة.
لم تكن الجائحة
أزمة صحية فحسب، بل كانت تعريّة سياسية كاملة، شاهد الشباب كيف عجزت القوى العظمى
(وعلى رأسها الولايات المتحدة وأنظمة أوروبية) عن توفير أبسط المستلزمات الطبية أو
حماية مواطنيها، في حين انهارت شبكات الأمان الاجتماعي.
وقد رسخت
الجائحة مفهوم الاضطراب الشامل لدى «جيل زد»؛ لأنهم أدركوا أن العالم يمكن أن
يتوقف فجأة، وأن الأمان المؤسسي مجرد وهْم؛ ما دفعهم لتطوير آليات تضامن مجتمعي
مستقلة عبر الإنترنت، وزاد من رغبتهم في فرض تغييرات جذرية على أنظمة العمل
والرعاية الصحية والتعليم.
جيل الراديكالية الرقمية
إذا جمعنا خيوط
هذه الأحداث الخمسة، نجد أننا أمام جيل يتميز بخصائص سياسية فريدة لم يعرفها
التاريخ من قبل، فقد أسقط، من خلال مواقفه المبدئية من الحق الفلسطيني، السردية
الغربية التقليدية، وقام بصياغة وعي حقوقي متجاوز للحدود، وهو الذي يتشكك في
الوعود الرأسمالية ويتصدى للقمع السلطوي بعد كسر حاجز الخوف، ويخوض بوعي يقظ معركة
الحفاظ على البيئة متصدياً للسياسات الرأسمالية المخربة.
والأنكى أن «جيل
زد» لم يعد ينتظر تغييراً يأتي من صناديق الاقتراع التقليدية التي يرى أن المال
السياسي يتحكم بها، بل يصنع ضغطه عبر الشارع الرقمي، والاعتصامات الميدانية،
والمقاطعة الاقتصادية، إنه جيل مسلّح بالمعلومات الفورية، مدفوع بالتعاطف
الراديكالي، ومصمم على إعادة صياغة العالم وفق شروطه الخاصة، بعد أن وجد أن
المنظومة القديمة لم تترك له شيئاً يخسره.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً