7 عقوبات شرعية للمماطل في سداد الديون
المماطل في سداد
الدَّيْن هو ذاك الشخص الذي يؤخر سداد الدَّيْن المستحق عليه وهو قادر على السداد،
قال الحافظ ابن حجر: وَأَصْلُ المطل الْمَدّ وَالْمُرَادُ هُنَا تَأْخِيرُ مَا
اسْتُحِقَّ أَدَاؤُهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ(1).
والذي يقع في
المماطلة واقع في ذنب عظيم وقد باء بإثم جلل؛ فقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم
فعله ظلماً، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ»(2)، بل عدّ بعض العلماء
صنيعه من الكبائر، قال ابن حجر الهيتمي: الْكَبِيرَةُ السَّابِعَةُ بَعْدَ
الْمِائَتَيْنِ مَطْلُ الْغَنِيِّ بَعْدَ مُطَالَبَتِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ(3).
وجاء في
الموسوعة الفقهية الكويتية: مَطْل الْمَدِينِ الْمُوسِرِ الْقَادِرِ عَلَى قَضَاءِ
الدَّيْنِ بِلاَ عُذْرٍ وَذَلِكَ بَعْدَ مُطَالَبَةِ صَاحِبِ الْحَقِّ، فَإِنَّهُ
حَرَامٌ شَرْعًا، وَمِنْ كَبَائِرِ الإْثْمِ، وَمِنَ الظُّلْمِ الْمُوجِبِ
لِلْعُقُوبَةِ(4).
وقد وردت عدة
عقوبات شرعية للمماطل في سداد الديون، هذه سبع منها:
العقوبة الأولى: الإغلاظ عليه في القول:
يجوز الإغلاظ له
في القول وغيبته من صاحب الدَّيْن أو ممن يحذر الناس من شره بذكر مماطلته ووصفه
بالظلم وأكل أموال الناس بالباطل وسوء المعاملة، وأنه معتدٍ، وأنه لا يحب براءة
ذمته ونفسه، ونحوها من الألفاظ، فذكره بها جائز ولا حرمة فيه، قال النبي صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ»(5).
وقَالَ عبدالله
المبارك: يحل عِرْضُهُ؛ يغلظ له(6)، يعني في القول، وجاء عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ قال: أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ يَتَقَاضَاهُ
فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: «دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ
الحَقِّ مَقَالًا»(7).
العقوبة الثانية: المطالبة بسجنه:
من حق صاحب الدَّيْن
أن يطلب سجن المماطل إلى أن يؤدي ما عليه، وهو قول المذاهب الأربعة مع تفصيل عندهم
وشروط ليتم الحبس.
وقد بوب الإمام
أبو داود في «سُننه» قال: بَابٌ فِي الْحَبْسِ فِي الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ(8)،
وقال سُفْيَانُ الثوري: في معنى قوله صلى عليه وسلم «يحل عُقُوبَتُهُ»(9):
الحَبْسُ.
العقوبة الثالثة: منعه من السفر:
يحق لصاحب الدَّيْن
المطالبة بمنع المَدِين المماطل في سداد دينه المستحق من السفر، ويتَّفَقَ
الْفُقَهَاءُ -فِي الْجُمْلَةِ- عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ
حَالٌّ أَنْ يُسَافِرَ بِغَيْرِ إِذْنِ دَائِنِهِ(10)، وإن اختلفوا في
بعض التفصيلات والشروط(11).
العقوبة الرابعة: ملازمته بنفسه أو بوكيله:
الملازمة(12)؛
ويقصد بها مراقبة المدين وتتبعه ومصاحبته والبقاء معه لمنعه من الاختفاء أو الهرب
أو إخفاء المال حتى يسدد ما عليه من دَيْن، وهي عقوبة لها تفصيلها وشروطها المبين
في كتب الفقه خاصة إذا كان طرفا المعاملة ذكراً وأنثى.
العقوبة الخامسة: الحجر عليه:
لصاحب الدَّيْن
أن يطالب بالحجر على المدين المماطل بمنعه من التصرف في أمواله حتى يسدد الدَّيْن،
وهذه العقوبة وقع فيها خلاف بين الفقهاء، وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ على أن مطل
الغني من أسباب الحجر عليه كما نقله الكاساني الحنفي(13).
العقوبة السادسة: تحمل التكاليف القضائية:
ففي حالة قيام
الدائن برفع دعوى قضائية ليستوفي حقه من المدين المماطل يلزم المماطل بمصروفات
إقامة الدعوى من مصروفات محكمة ومحام ونحوه؛ لأنه هو المتسبب في إقامة الدعوى، جاء
في «شرح منتهى الإرادات»: وَمَا غَرِمَ رَبُّ دَيْنٍ بِسَبَبِهِ؛ أَيْ سَبَبِ
مَطْلِ مَدِينٍ أَحْوَجَ رَبَّ الدَّيْنِ إلَى شَكْوَاهُ فَعَلَى مُمَاطِلٍ
لِتَسَبُّبِهِ فِي غُرْمِهِ(14).
العقوبة السابعة: رد شهادته:
ذهب بعض العلماء
إلى أن المماطل في سداد دَيْنه ترد شهادته لأنه ظالم، قال أَصبَغُ وهو من أئمة
المالكية: مَطلُ الغنيّ جُرْحَةٌ تردُ شهادتُه بها؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه
وسلم سمّاها ظلمًا(15).
وينبه على أنه
قد وقع خلاف بين العلماء هل ترد شهادته بمطله بمرة واحدة، أم لا بد أن يتكرر ذلك
منه ويصير له عادة لترد شهادته؟ قال النووي: وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ
وَغَيْرُهُمْ فِي أَنَّ الْمُمَاطِلَ هَلْ يَفْسُقُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ
بِمَطْلِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً أَمْ لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَتَكَرَّرَ
ذَلِكَ مِنْهُ وَيَصِيرَ عَادَةً(16).
كل هذه العقوبات
وغيرها لمن ماطل وأخر سداد الدَّيْن بغير عذر، أما هؤلاء الذين يأخذون أموال
البلاد والعباد وليس في نيتهم السداد أصلاً، فهؤلاء قد جاء فيهم حديث يحمل وعيداً شديداً،
وهو قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ
يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا
أَتْلَفَهُ اللَّهُ»(17).
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِتْلَافَ يَقَعُ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَذَلِكَ فِي مَعَاشِهِ أَوْ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ لِمَا نَرَاهُ بِالْمُشَاهَدَةِ مِمَّنْ يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنَ الْأَمْرَيْنِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بالإتلاف عَذَاب الْآخِرَة(18).
الهوامش
- 1 فتح الباري لابن حجر (4/ 465) طبعة: دار المعرفة - بيروت، 1379.
- 2 متفق عليه رواه البخاري (2287)، ومسلم (2166) من حديث أبي هريرة.
- 3 الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 414)، طبعة دار الفكر، الطبعة: الأولى، 1407هـ/ 1987م.
- 4 الموسوعة الفقهية الكويتية (38/ 117)، طبعة: مطابع دار الصفوة - مصر الطبعة الأولى.
- 5 رواه أبو داود (3628)، والنسائي (4689)، وأحمد (17946)، والبخاري تعليقاً (2401)، وغيرهم، وصححه ابن حبان من حديث الشريد بن سويد الثقفي.
- 6 معالم السنن (4/ 179)، طبعة المطبعة العلمية– حلب، الطبعة: الأولى 1351هـ/ 1932م.
- 7 متفق عليه، رواه البخاري (2305)، ومسلم (1601) من حديث أبي هريرة.
- 8 سنن أبي داود، طبعة التأصيل (5/ 607).
- 9 تقدم تخريجه.
- 10 الموسوعة الفقهية الكويتية (25/ 40).
- 11 حاشية رد المحتار لابن عابدين (4/ 318)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (2/ 175)، مواهب الجليل للحطاب (3/ 349)، روضة الطالبين للنووي (4/ 136، 10/ 210) كشاف القناع للبهوتي (3/ 44).
- 12 التهذيب في اختصار المدونة (3/ 619)، المقدمات الممهدات (2/ 308).
- 13 بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (7/ 169).
- 14 شرح منتهى الإرادات ابن النجار الفتوحي (2/ 157)، طبعة: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، 1419هـ/ 1999م.
- 15 المسالك في شرح موطأ مالك للقاضي أبي بكر بن العربي (6/ 158)، طبعة: دَار الغَرب الإسلامي الطبعة: الأولى، 1428هـ/ 2007م.
- 16 شرح النووي على مسلم (10/ 227)، طبعة دار إحياء التراث العربي– بيروت، الطبعة: الثانية، 1392.
- 17 رواه البخاري (2387) من حديث أبي هريرة.
- 18 فتح الباري لابن حجر العسقلاني (5/ 54).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً