«الانتداب الأمريكي» على غزة.. فصل جديد من الاستعمار!
إذا شئنا
توصيفًا دقيقًا لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن غزة، ثم ما أعقبها من
اعتماد مجلس الأمن لها في نوفمبر الماضي، فيمكن القول: إن هذه الخطة وما يتمخض
عنها من هيئات طبقًا للرؤية الأمريكية، و«الإسرائيلية» بطبيعة الحال، هي نوع من الانتداب
تدشن به أمريكا فصلاً جديدًا من الاستعمار بغزة.
واللافت أن هذا الانتداب
الأمريكي، الذي يعود تحت شعارات براقة من تحقيق السلام وتوفير الاستقرار وإعادة
الإعمار والتنمية، ينطلق من الأكذوبة ذاتها التي انطلق منها المشروع الصهيوني
الاستيطاني بالمنطقة، وهي أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.
فالموقف
الأمريكي، ابتداء من طرح المبادرة ذات العشرين نقطة، إلى ما قيل عن تعيين نيكولا
ملادينوف بدلاً من توني بلير، يتعامل مع قضية غزة وكأنه لا طرف فلسطينيًّا بها،
وينظر إليها باعتبارها أرض فراغ أصابتها كارثة طبيعية وتبحث عن إعمار، ولا بأس أن
تتحول إلى مشاريع استثمارية بما لها من موقع طبيعي متميز.
ولهذا،
فالمشاورات تجري تحت الطاولة وبغيبة من أصحاب القضية، بل وثمة قصد لتغييبهم
وحصارهم ونزع ما تبقى لديهم من أوراق قوة، كما أن المبادرات تُطرح ودون اتصالات
كافية بحيث تكون معبرة عن توافق أكثر وتراعي مصالح مختلف الأطراف ولو بنسبة
مقبولة؛ بل هناك انقلاب على ما كان محل اتفاق مع قادة الدول العربية والإسلامية
قبل إعلان المبادرة، ثم لا يزال الغموض سيد الموقف في كل ما تلاها.
سياق الانتداب وإنقاذ الكيان الصهيوني
من المهم أن
ننظر في السياق الذي تولدت فيه أفكار وسياسات هذا الانتداب الأمريكي الجديد، حتى
تتضح الأمور أكثر عن طبيعة الخطط غير المعلنة، بل وغير الجاهزة أيضًا بشكل نهائي،
وما زالت تتشكل بحسب المواقف على الأرض وتفاعل مختلف الأطراف.
لقد جاءت
المبادرة الأمريكية بعد عامين من إبادة صهيونية بحق غزة، غير مسبوقة في التاريخ
الحديث؛ ما أثار الرأي العام العالمي وخاصة الغربي على هذا الكيان، الذي ظهر بوضوح
متلبسًا بموقف المجرم والمعتدي، بعد أن كان يحرص على أن يظهر بموقف الضحية
والمعتدى عليه، ولم يعد بالإمكان الاستمرار في بث الأكاذيب أو الانخداع بها، حتى
قالها الرئيس ترمب صراحة: لقد قلت لنتنياهو: لن تستطيعوا محاربة العالم!
بل وذهب إلى ما
هو أبعد من ذلك فيما يتصل بالرأي العام الداخلي الأمريكي، واعترف ترمب بالانقلاب
الهائل الذي حدث نتيجة إبادة غزة، فأصبح مدح رجل السياسة لـ«إسرائيل» يخصم من
رصيده، بعد أن كان ذلك في السابق شرطًا لازمًا.
أمام هذه
التطورات الكبرى، لم يجد ترمب إلا أن يكبح جماح الكيان الصهيوني الذي ينشب أظافره
في غزة بلا رقيب ولا حسيب، إضافة أيضًا إلى أن صمود غزة أفشل المخطط الصهيوني رغم
ما توافر له من دعم غير محدود.
فكان لا بد أن
تظهر المبادرات، ويكثر الحديث عن السلام والتنمية، وعن حق الفلسطينيين في الحياة
الكريمة، وعن توافر فرص الاستثمار وإمكانية التحول إلى ريفيرا الشرق، وأين كان هذا
طوال عامين من الإبادة ومحاولات التهجير؟!
ولهذا، فإن سقف
المبادرة الأمريكية ضمان أمن «إسرائيل»، وإخراجها من العزلة الدولية، وإنقاذها من
نفسها وسياساتها الخرقاء، وأما الطرف الذي مورست عليه الإبادة فتكفيه بضع شاحنات
من الأغذية، وحديث معسول عن إعادة الإعمار لو رضي بنزع ورقة قوته، أي سلاح المقاومة.
وبل وتطمح
المبادرة الأمريكية، وبما سيتمخض عنها من قوة الاستقرار ومجلس السلام، لأن تكون
ذات ارتكاز واختصاص في كل ما يجري بالمنطقة، مما هو مشتبك مع الكيان الصهيوني، أو
بالأدق مما يشتبك معهم الكيان الصهيوني ويعتدي عليهم طول الوقت، في لبنان وسورية
واليمن وغيرهم!
المواقف على الأرض وانكشاف المخططات
أمام هذا السياق
والطموحات للانتداب الأمريكي، فإن المواقف على الأرض ليست بهذه السذاجة التي يراد
لها أن تكون غطاءً لتمرير التغول الأمريكي والصهيوني؛ وذلك بفضل أمرين مهمين:
الأول: صمود
ووعي المقاومة الفلسطينية، التي هي ليست أبدًا في موقف المهزوم والمستسلم، حتى
يمرَّر هذا الانتداب.
الثاني: تبلور
موقف الدول العربية والإسلامية تبعًا لاتضاح الرؤية أمامهم يومًا بعد آخر،
وإدراكهم أن المراد أن يكونوا مجرد غطاء لتحقيق مكاسب عجز الكيان عن انتزاعها
بالميدان.
فعلى المستوى
الفلسطيني، جددت حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، رفضها لكل أشكال الوصاية
والانتداب على أي بقعة من فلسطين، محذرة من التساوق مع محاولات التهجير وإعادة
هندسة القطاع وفقًا لمخططات العدو، كما أكد رئيس الحركة خليل الحية، وفي ذكرى
انطلاقتها الـ38، أن مهمة مجلس السلام رعاية تطبيق وقف إطلاق النار والتمويل
والإشراف على إعادة إعمار القطاع، وأن مهمة القوات الدولية يجب أن تقتصر على حفظ
وقف إطلاق النار والفصل بين الجانبين على حدود قطاع غزة، دون أن يكون لها أي مهام
داخل القطاع أو التدخل في شؤونه الداخلية.
وأما في الموقف
العربي والإسلامي، فقد صرح وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي، لـ«الجزيرة»، بأن هدف
قوة الاستقرار حفظ السلام وليس فرضه؛ أي ليس التماهي مع خطط نزع سلاح المقاومة،
ونقلت وسائل إعلام أن القاهرة أبلغت واشنطن برسالة حازمة مفادها استحالة إقناع
فصائل المقاومة الفلسطينية بالتخلي عن سلاحها دون وجود ضمانات حقيقية لأمن القطاع،
وربط أي حديث عن السلام بقيام دولة فلسطينية؛ وهو المسار الذي لا يزال غائبًا.
وفي المقابل،
يتواصل الجدل داخل الكيان الصهيوني بشأن الدول التي ستشارك في قوة الاستقرار،
وتحديدًا تركيا ومصر، حيث يريد الكيان تشكيلاً دوليًّا يتماهى مع مخططاته، لا أن
يقف حاجًزا بينه وبين التغول على غزة.
وفي هذا الصدد،
تأتي التصريحات التركية المهمة، حيث قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان: خطة «إسرائيل»
الأصلية تتمثل في إفراغ قطاع غزة من سكانه الفلسطينيين، وما سيحول دون ذلك وجود
قوة دولية تعمل بالقطاع وتنهي احتلال «إسرائيل» وظلمها في غزة، إننا نواجه وقفًا
لإطلاق النار يُنتهك باستمرار، وبيئة وقف إطلاق النار هشة للغاية.
إذن نحن أمام
محاولات استعادة الانتداب الذي كان الظن أنه عهدٌ انقضى، ولا تُخفي المبادرة
الأمريكية تعاملها مع الموقف وكأن المراد، بعد عامين من الإبادة، مكافأة الكيان
الصهيوني بضمان أمنه، بدلاً من عزله ومحاكمته ووقف التطبيع معه!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً