«عصا موسى».. التجربة قبل المعجزة

«عصا موسى».. التجربة قبل المعجزة

علم التجربة زائد فوق العلوم النظرية، ولعل هذا الدرس من أعظم دروس رحلة الإسراء والمعراج ولتي جمعت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخيه موسى عليه السلام، حينما كان يسمع منه، ويذهب للقاء ربه يسأله تخفيف الصلاة، حينما قال له كليم الرحمن: «لقد عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فاذهب وسل ربك التخفيف».

كان موسى عليه السلام وسيظل الصديق الأول للأمة المحمدية في القرآن لتجاربه الهائلة مع قومه، التي فصلّها القرآن لتكون لنا عبراً ودروساً لكل الأزمان، ومعالجة قضايا الأمة على مرّ العصور.

لقد سيطرت على أذهاننا عبارة «عصا موسى»، وفُرّغت من مضمونها، وكأن معالجة قضايا الجماهير أمر سهل وتحقيق النجاح يتأتى عبر عصا سحرية.

إن الرسالة تكليف ضخم شاق متعدد الجوانب والتبعات يحتاج صاحبه إلى زاد ضخم من التجارب والإدراك والمعرفة والتذوق في واقع الحياة العملي، إلى جانب هبة الله اللدنّية، ووحيه وتوجيهه للقلب والضمير.

لقد مرّ موسى عليه السلام بالعديد من التجارب منذ طفولته ووعيه المبكر في قصر فرعون؛ إذ مرّ بتجربة الرعاية والحب والتدليل، وتجربة الاندفاع تحت ضغط الغيظ الحبيس، وتجربة الندم والتحرج والاستغفار.

كما مرّ بتجربة الخوف والمطاردة والفزع، وتجربة الغربة والوحدة والجوع، وتجربة الخدمة ورعي الغنم بعد حياة القصور.

وما يتخلل هذه التجارب الضخمة من شتى التجارب الصغيرة، والمشاعر المتباينة، والخوالج والخواطر، والإدراك والمعرفة.. إلى جانب ما آتاه الله حين بلغ أشده من العلم والحكمة.

ضبط الأعصاب

لعل أول ما يجب أن يتحلّى به من يواجه الجماهير عملية ضبط الأعصاب، وهو ما نبهت إليه بلاغة القرآن في تجربة موسى والقبطي، حيث ذكر القرآن ما فيها من بلاغة تكشف الحالة النفسية فيما اكتسبه موسى عليه السلام من ضبط للأعصاب، وأن حالته في التعامل مع القبطي الأول لم تكن مثل حالته في محاولة الإجهاز على القبطي الثاني؛ فقد ذكر القرآن: (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ) (القصص: 19).

فقوله تعالى: (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ) تم تكرار «أَنْ» مرتين دليل على أن موسى عليه السلام لم تكن مسارعته إلى قتل الثاني كما كانت مسارعته إلى قتل الأول، بل كان عنه إبطاء في بسط يده إليه، فعبر القرآن عن ذلك في قوله تعالى: (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ).

وقد نبّه العلامة ابن الأثير في كتابه المثل السائر إلى هذه اللفتة البلاغية فقال: جرت بيني وبين رجل من النحويين مفاوضة في هذه الآية، فقال: إنّ «أَنْ» الأولى زائدة، ولو حذفت فقيل: لما أراد أن يبطش لكان المعنى سواء، ألا ترى إلى قوله تعالى: (فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ) (يوسف: 96).

وقد اتفق النحاة على أنّ «أنْ» الواردة بعد «لما» وقبل الفعل زائدة، فقلت له: النحاة لا فُتْيَا لهم في مواقع الفصاحة والبلاغة، ولا عندهم معرفة بأسرارهما، من حيث إنهم نحاة، ولا شك أنهم وجدوا «أن» ترد بعد «لما» وقبل الفعل في القرآن الكريم، وفي كلام فصحاء العرب، فظنوا أن المعنى بوجودها كالمعنى إذا أسقطت فقالوا: هذه زائدة، وليس الأمر كذلك، بل إذا وردت «لما» وورد الفعل بعدها بإسقاط «أن» دل ذلك على الفور، وإذا لم تسقط لم يدلنا ذلك على أن الفعل كان على الفور، وإنما كان فيه تراخٍ وإبطاء.

فكشف الآية عن الحالة النفسية والمزاجية لنبي الله موسى، وأن ضبطه لأعصابه في المرة الثانية كان أوفر منها في حالته الأولى.

آلام الجماهير

وبعد ضبط الأعصاب، جاءت التجربة الأهم في حياة نبي الله موسى وهي تجربة السنوات العشر، ولعل أجمل ما كتب في ذلك ما كتبه صاحب «الظلال» عن حكمة نزول موسى من القصر إلى المطاردة ورعي الأغنام في الغربة لمدة طال زمانها لعشر سنوات، فيقول: إن لحياة القصور جواً خاصاً، وتقاليد خاصة، وظلالاً خاصة تلقيها على النفس وتطبعها بها مهما تكن هذه النفس من المعرفة والإدراك والشفافية.

والرسالة معاناة لجماهير من الناس فيهم الغني والفقير، والواجد والمحروم، وفيهم النظيف والوسخ، والمهذب والخشن وفيهم الطيب والخبيث والخير والشرير، وفيهم القوي والضعيف، والصابر والجزوع..

وللفقراء عادات خاصة في أكلهم وشربهم ولبسهم ومشيهم، وطريقة فهمهم للأمور، وطريقة تصورهم للحياة، وطريقة حديثهم وحركتهم، وطريقة تعبيرهم عن مشاعرهم.

وهذه العادات تثقل على نفوس المنعمين ومشاعر الذين تربوا في القصور ولا يكادون يطيقون رؤيتها فضلاً على معاناتها وعلاجها، مهما تكن قلوب هؤلاء الفقراء عامرة بالخير مستعدة للصلاح، لأن مظهرهم وطبيعة عاداتهم لا تفسح لهم في قلوب أهل القصور.

فشاءت القدرة التي تنقل خطى موسى عليه السّلام أن تخفض مما اعتادته نفسه من تلك الحياة وأن تزجّ به في مجتمع الرعاة، وأن تجعله يستشعر النعمة في أن يكون راعي غنم يجد القوت والمأوى، بعد الخوف والمطاردة والمشقة والجوع.

كما عودته أن ينزع من حسّه روح الاشمئزاز من الفقر والفقراء، وروح التأفف من عاداتهم وأخلاقهم وخشونتهم وسذاجتهم وروح الاستعلاء على جهلهم وفقرهم ورثاثة هيئتهم ومجموعة عاداتهم وتقاليدهم.. وأن تلقي به في خضم الحياة كبيراً بعد ما ألقت به في خضم الأمواج صغيراً، ليمرن على تكاليف دعوته قبل أن يتلقاها.

المهارة والممارسة

وبعد معرفة أخلاق الجماهير والوقوف على بواطنهم وظواهرهم وما يعتريهم من حزن وقلق وفرح وسرور، لا بد من الممارسة العملية وكسب المهارات الشخصية التي يهزم بها الخصم وليس وفق ما تطلبه الجماهير؛ فكانت تجربة العصا نموذجاً ملهماً في ضرورة الممارسة الجادة وصقل التجربة وسبر أغوار الخصم النفسية.

لقد تكررت الآية الكريمة في حياة موسى ثلاث مرات: «فألقاها فإذا هي حية تسعى»؛ كان ذلك حينما أكرم بالنبوة، فكان إلقاؤها لأول مرة لتعريفه إياها، وكانت الثانية حينما واجه فرعون وسأله عن آياته ومعجزاته، وكانت الثالثة الحاسمة والقاضية على كل سحر وذلك في «يوم الزينة»، حيث كانت المعجزة الكبرى، التي أجهضت كل سحر وباطل.

إن قدرة الله كانت كافية لهزيمة فرعون وملأه من أول مرة ولا تحتاج إلى ثلاث مرات، وهو ما دعا المستشرقين أن يقولوا: إن القرآن فيه تكرار بسبب ذكره لآية العصا في العديد من المرات، دون أن يفطنوا لبلاغة القرآن، وتأكيده ضرورة الممارسة وكسب المهارات وصقل التجر، فلا شك أن موسى عليه السلام كبشر، لم يكن مع حالة العصا في الأولى، كحالته في الثانية، أو الثالثة.

حقّا؛ النبوة جديرة بالانتصار من أول لحظة، لكن جاءت تجربة «عصا موسى» لتبرهن أن المعجزات تأتي بعد استنفاد الجهد البشري والأخذ بكل الأسباب، (وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) (التحريم: 4)، فالملائكة دائماً عوناً للمؤمنين بعد استفراغهم لكافة الأسباب.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة