قواعد شرعية وأجوبة واقعية عن علاقة «حماس» بإيران

تتكرر أحاديث حول إشكالية التعامل بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وإيران ومن في فلكها، ولعل أكثر ما يعقد الحديث عن هذا الموضوع ويضعفه هو الحديث العاطفي وردود الفعل المشاعرية التي تتزامن مع ضعف الأدلة والموضوعية العلمية، والتناقضات خاصة لمن عندهم قبول أو رضا لجهات ودول معينة، وهذا التوجه هو ما يضع الحجاب حول حقيقة هذه القضية التي يجب أن نتعامل معها وفقاً للقواعد الشرعية والمنطقية في الميزان والضابط، وربط مفاهيم مثل الولاء والبراء والانحراف العقدي والمنهجي؛ لذلك قبل التنظير لهذه القضية يحسن بنا في البداية كما عند أهل العلم والمعرفة وضع القاعدة الجوهرية «الحكم على الشيء فرع عن تصوره» حتى يصبح التطبيق العملي على أساس متين.

أولاً: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»:

1- بمعنى ما يتوقف عليه حصول الواجب الشرعي فيأخذ حكم الواجب، وأوضح العلماء: أن الوسائل تأخذ حكم المقاصد، فإذا كان أداء الواجب يعتمد على تحقيق وسيلة معينة، فإن هذه الوسيلة تصبح واجبة، وأيضاً الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي، في كتابه «المغني»، ناقش هذه القاعدة وأوضح أنها من القواعد الضرورية التي يُبنى عليها كثير من أحكام الفقه، خاصة في الأمور التي تتطلب وسائط لتحقيق الغايات الشرعية، وكذلك فعل علماء الأمة.

حماية ديار الإسلام من المحتل ومقاومته وحماية المسلمين وأرواحهم وأموالهم من الواجبات

2- فلا شك أن حماية ديار الإسلام من المحتل ومقاومته، وحماية أرض المسلمين وأرواحهم وأموالهم من الواجبات، قال تعالى: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: 190)، وقال ابن تيمية: وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب؛ إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة؛ فيتعين الوجوب على أهل الأرض وغيرهم حسب الواقع والحاجة، ولا شك أن الحاجة متحققة.

‏ثانياً: قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»:

‏1- أي تجيز هذه الضرورة والحاجة الملحة فعل المحظور-إن وجد- ففي قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) (البقرة: 173)، فيقول الشيخ عبدالرحمن السعدي: وفي هذه الآية دليل على القاعدة المشهورة: الضرورات تبيح المحظورات؛ فكل محظور اضطر إليه الإنسان فقد أباحه له الملك الرحمن.

‏2- التطبيق على علاقة «حماس» وإيران: «حماس» تعيش تحت حصار كبير، وكذلك لا يخفى أنها تعاني من نقص السلاح والتمويل، وإيران قدمت دعماً عسكرياً كبيراً لمقاومة الاحتلال الصهيوني، وبالمقابل لا تتوفر البدائل التي لها الأولوية مثل البدائل الإسلامية والعربية، فهنا تصبح «حماس» في حالة ضرورة.

ثالثاً: قياس الأولى على «جواز الاستعانة بالكفار والفاسقين عند الحاجة»:

1- فإن كانت الاستعانة بالكفار والفاسقين جائزة، فهي على قاعدة قياس الأولى جائزة أيضاً وأولى، فالأصل في إيران أنها دولة مسلمة كما سيأتي تفصيله.

الضرر الأكبر سقوط المقاومة أمام الاحتلال «الإسرائيلي» أما الضرر الأصغر التعاون مع إيران

2- ومن الأدلة الصريحة من باب قياس الأولى على المشرك أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بالمشركين في بعض المواقف العسكرية، منها: استعان بعبدالله بن أريقط (مشرك) كدليل في طريق الهجرة، رغم خطورة الموقف فقال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: «يجوز الاستعانة بالمشركين إذا كان في ذلك مصلحة راجحة»، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم تحالف مع قبائل مشركة مثل بني خزاعة ضد قريش، رغم كونهم غير مسلمين، وقد جاء في السيرة النبوية أن خزاعة دخلت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية وكانوا حلفاء له في مواجهة قريش، وغيرها من الأدلة.

3- إيران تتبنى المذهب الشيعي، وبعيداً عن جرائمها وأطماعها التوسعية ومشروعها، فهذا لا نقاش في كوارثه، ولكن من ناحية الحكم الشرعي لا يصح الحكم بكفر أي مسلم سواء من السُّنة أو الشيعة مطلقاً حتى تتحقق الشروط وتنتفي الموانع، ومنها إقامة الحجة، والأمر المعلوم من الدين بالضرورة، وعدم التأويل، ولم يكفر الشيعة مطلقاً شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن المعاصرين الشيخ الألباني رحمه الله.

‏رابعاً: قاعدة «ارتكاب أخف الضررين»:

1- ومعناها أنه بوجود أكثر من ضرر فمن الممكن أن يرتكب الإنسان أخفهما، وهي متفرعة من قاعدة الضرورة، فقد قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) (البقرة: 217)، ويبين الإمام ابن القيم، في كتابه «أعلام الموقعين عن رب العالمين»، أن «الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف»، فهو وضح أن الشريعة مبنية على درء المفاسد وجلب المصالح، فإذا تعارضت مفسدتان، تُرتكب الصغرى لدفع الكبرى.

قد يكون التعامل مع إيران غير مقبول بسورية ولكن في فلسطين جائز شرعاً وفقاً للواقع المتغير

2- التطبيق على «حماس» وإيران: الضرر الأكبر هو سقوط المقاومة وضعف موقف الفلسطينيين أمام الاحتلال «الإسرائيلي»، ولكن الضرر الأصغر هو التعاون مع إيران رغم خلافاتها العقائدية والسياسية في سورية والعراق واليمن، وفقاً لهذه القاعدة، يجوز لـ«حماس» التعامل مع إيران لأن المصلحة العظمى (تقوية المقاومة) تفوق المفسدة الأصغر (الاختلافات العقائدية والسياسية التي ستحصل في كل الأحوال).

خامساً: قاعدة «لا ينكر تغيّر الأحكام بتغير الأحوال»:

1- بمعنى أنه قد يتغير الحكم بتغير الحال أو الواقعة، وكذلك إن كانت هناك ضرورة لذلك، فقد قال الإمام العز بن عبدالسلام: «تتغير الأحكام بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال».

2- التطبيق على «حماس» وإيران: فقد يكون التعامل مع إيران غير مقبول في سورية مثلاً بسبب ما قامت به من العدوان المباشر، ولكن في فلسطين بمقابل الصهاينة الكفار ووجود الضرورة ومع الظروف الحالية بوجود حصار دولي، فإن التعامل معها جائز شرعاً وفقاً للواقع المتغير.

‏سادساً: قاعدة «المداراة جائزة بخلاف المداهنة»:

1- وهي التلطف في التعامل مع الخصوم لتحقيق مصلحة شرعية، بخلاف المداهنة التي تعني التنازل عن المبادئ، من ذلك وصف النبي صلى الله عليه وسلم بعض الملوك بكلمة عظيم، وتقبيل عبدالله بن حذافة رضي الله عنه رأس الملك الكافر الظالم من أجل أسرى المسلمين، وغير ذلك.

2- التطبيق على «حماس» وإيران: «حماس» لا تداهن إيران في عقيدتها أو سياساتها، لكنها تدارِيها سياسياً ببعض الخطابات والأفعال لضمان استمرار الدعم العسكري ونجاح المقاومة.

ليست قضية التعامل والتحالف مع المخالف العقدي تعني عدم الولاء والبراء منه

3- التعامل مع إيران لا يعني تبنّي مواقفها في سورية أو العراق أو اليمن، بل هو تعاون محدود ضمن أهداف المقاومة الفلسطينية، فكما هو معلوم لم تلتزم «حماس» بدعم إيران في سورية عام 2011م، بل خرجت من هناك، ولا اليمن عام 2015م مع الحوثي، ولا العراق منذ عام 2003م، ولا وقفت مع النظام في مواجهة المعارضة الداخلية في إيران عام 2019م، وغيره، كما حاربت أي دعوى للتشيع أو الولاء لإيران مثل وجود ذراع «حركة الصابرين» فقمعتها «حماس» بقوة، ولم تُعرف أي ظاهرة عقدية شيعية في غزة.

4- لا يعني ذلك الموافقة الكاملة لكل التصريحات والأفعال، فبعضها حصل بشكل فردي أو اجتهاد خاطئ أو خلاف في تقدير الصواب، ولكن نتيجتها لا يترتب عليها حكم شرعي خادش في الولاء أو العقيدة إلا بدليل، ولا يُحكم على الكل بحكم البعض المخطئ، وهذا أمر بدهي، فالخلاف والتقدير موجود منذ جيل الصحابة رضي الله عنهم إلى يومنا هذا عن مسائل وأقوال مختلفة.

سابعاً: هل «حماس» لديها خلل في الولاء والبراء؟

1- الولاء والبراء مبدأ عقدي يقوم على أن يكون ولاء المسلم لله ولرسوله وللمؤمنين، وأن يتبرأ من الكفر وأهله، وكما أشرنا سابقاً بعدم تحقق ذلك في «حماس» وفقاً للقواعد المشار إليها، فالتعريف الشرعي للولاء: الحب والنصرة والقرب من الله ورسوله والمؤمنين، والبراء: البعد والعداوة للكفر وأهله، مع مراعاة الضوابط الشرعية، فهل هذا مطبق على «حماس» بعد القواعد التي ذكرناها؟!

2- ليست قضية التعامل والتحالف مع المخالف العقدي تعني عدم الولاء والبراء منه، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال عن «حلف الفضول»: «لو كان في الإسلام لأجبته»، وهو تعاون وتحالف مع المشركين.

3- الواقع يبين من حكومات المسلمين التعامل مع الصين الشيوعية التي تجرم في حق المسلمين في جوانب وتقتلهم موجود، وكذلك التعامل مع حكومة الهند التي تقتل المسلمين، وفرنسا كذلك وروسيا وأمريكا، فكل هؤلاء شاركوا في قتل المسلمين أو إباحة ما يضرب عقائدنا ويشجع على هدمها، ومع ذلك نتعاون معهم تجارياً وسياسياً وعسكرياً وبالعبارات الدبلوماسية، ومن أشهر ذلك:

- تحرير أمريكا ودول الغرب والشرق الكافرة للكويت.

- المشاركة في محاربة الحوثي من أمريكا.

- تعاون دول إسلامية مع أمريكا لمحاربة «طالبان» و«القاعدة».

- التعاون مع أمريكا في دعم الأفغان ضد السوفييت.

- دعم السوفييت لثوار الجزائر وتبادل الشكر بين القادة.

- تطبيع بعض الدول مع الصهاينة.

- بناء معابد لأديان مختلفة وحضور فعالياتها والثناء عليها في بعض الدول.

‏فهل هذا جائز؟ والمشكلة هي «حماس» مع إيران فقط؟!

4- صدرت عبارات وأقوال من قادة دولنا كثيرة في حسن التعامل مع إيران وقادتها وأذرعها في حالات كثيرة.

«حماس» حركة سُنية تأسست وفيها نخبة من العلماء والمشايخ والمتخصصين وحفظة القرآن

‏ولا شك أن حالة الضرورة في فلسطين لا تقل عن هذه الحالات وربما تتجاوزها من ناحية الحاجة، وأيضاً فضل الأرض في بيت المقدس وأكنافها في الرواية التي صححها الإمام أحمد؛ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: «بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ».

ثامناً: هل «حماس» منحرفة عقائدياً؟

‏حركة «حماس» هي حركة سُنية تأسست وفيها نخبة من العلماء والمشايخ والمتخصصين وحفظة القرآن، ومنهم:

‏1- الشيخ د. عمر الأشقر يرحمه الله، أستاذ الشريعة بالأردن، وصاحب سلسلة العقيدة.

2- الشيخ د. نزار ريان، أستاذ الشريعة بكلية أصول الدين بغزة، والمتخرج في السعودية.

3- الشيخ د. صالح الرقب، أستاذ العقيدة في الجامعة الإسلامية بغزة.

‏وغيرهم كثير من الدعاة والمشايخ وحفظة القرآن.

‏وبوجود الجامعة الإسلامية في غزة وما تخرجه من أكاديميين وبحوث ودراسات عقدية رصينة ومعروفة، ومراكز شرعية وحلقات كثيرة، ‏ومع ثناء كبير من أهل العلم عليهم والتواصل معهم، في قليل أو كثير.. ‏فهل يصح أن نقول عن عقيدتهم منحرفة؟!






______________________

باحث في الفكر الإسلامي.


الرئيسية

مرئيات

العدد

ملفات خاصة

مدونة