إلى أين تقود «عربات جدعون» الكيان الصهيوني؟!‏

د. خالد سعيد

07 مايو 2025

623

«تبدلت الأسماء والهدف واحد».. يمكن لهذا التعبير أو تلك الجملة أن تصبح عنوانًا جيدًا لمقال جديد، ولكنها خلاصة لمقال نشرته صحيفة «معاريف» العبرية، حول إعلان الجيش الصهيوني اسماً جديداً لحملته العسكرية على غزة «عربات جدعون»، التي تتمثل أهدافها في القضاء على حركة «حماس» وإخضاعها، والإفراج عن المحتجزين «الإسرائيليين» لديها في القطاع.

جرت مياه كثيرة في النهر

المقال المنشور في 6 مايو الجاري، للمحلل السياسي آفي إشكنازي، أكد أنه لا توجد سياسة أو إستراتيجية واضحة للكيان الصهيوني في غزة، ولا توجد خطة حقيقية وواضحة المعالم للجيش في القطاع؛ وما بين حرب «السيوف الحديدية» وانتهاء بـ«عربات جدعون» جرت مياه كثيرة في النهر، سواء «حرب القيامة» أو «الجبهات السبع» أو «القوة والسيف»، وهي أسماء أو عمليات أطلقها الجيش «الإسرائيلي» بهدف قتل كل ما هو حي يرزق في غزة، والقضاء على الأخضر قبل اليابس، مع العمل، تواليًا، على إجبار الفلسطينيين للهجرة الطوعية.


ما مسار خطة تهجير الغزيين؟ وهل ينجح الاحتلال في تنفيذها؟ |  Mugtama
ما مسار خطة تهجير الغزيين؟ وهل ينجح الاحتلال في تنفيذها؟ | Mugtama
تقف غزة على أعتاب لحظة عابرة، بل تعيش بكل ما تحمله...
mugtama.com
×


ففي 4 الجاري، أعلن الجيش الصهيوني عزمه القيام بعملية «عربات جدعون» في غزة، ويستهدف منها زيادة القوات العسكرية في القطاع بهدف احتلاله بالكامل، في عملية أُقرت من قبل «الكابينيت»، بعد تأكيد رئيس الأركان الصهيوني الجنرال إيال زامير استدعاء عشرات الآلاف من جنود الاحتياط، بدعوى العمل، وبقوة، على هزيمة «حماس» وتدمير قدراتها العسكرية والحكومية، بشكل كلي، مع ضغوط قوية لإطلاق سراح جميع المحتجزين.

جدعون المصارع أم المسيح المُخلِّص

الثابت أن «عربات جدعون» الاسم الجديد للحرب على غزة يحمل الكثير من الدلالات الدينية والتاريخية العسكرية، فقديمًا، يعود الاسم إلى جدعون بن يوآش، المذكور في «سفر القضاة» بالعهد القديم، الذي وُصف بـالمصارع أو المُنقذ لبني إسرائيل، خلال فترة معاناة اليهود من المديانيين، بحسب العهد القديم.

وتميز جدعون باستخدامه لسلاح العربات وتفوقه عليهم بعدد قليل من اليهود، آنذاك؛ ما يشير إلى أن العملية العسكرية الصهيونية الجديدة على غزة تعني استجلاب الماضي في الحاضر، بدعوى أن جدعون (1162 - 1122 ق.م) المنقذ أو المسيح المُخلِّص للكيان.

ورغم أن العنوان الجديد لا يخلو من ملمح ديني تاريخي يعود إلى عصر المديانيين، بزعم وجوب الوحدة أمام الفلسطينيين في الوقت الحالي، فإنه سبق وأعلن الجيش «الإسرائيلي» على إحدى عملياته في نكبة عام 1948م اسم «عملية جدعون» التي هدفت، حينئذ، إلى السيطرة على منطقة بيسان الفلسطينية وطرد سكانها؛ ليتبين أن الاسم الجديد «عربات جدعون» يرمز إلى السيطرة على كامل قطاع غزة وطرد وتهجير الفلسطينيين منه، في إشارة جديدة لاستجلاب الماضي في الحاضر!

ومن خلال ما أفادت به «هيئة البث الإسرائيلية»، في 5 الجاري، من أن العملية العسكرية الجديدة تقوم على الإخلاء الشامل لسكان غزة بالكامل من مناطق القتال، بما في ذلك شمال غزة، إلى مناطق في جنوب القطاع، أحد المكونات المركزية للخطة، فإنه من المرجح أن تستمر العملية لعدة أشهر، وتشمل عدة مراحل، بدءًا من توسيع العمليات البرية في مناطق محددة، ومن ثم الانتقال إلى مناطق أخرى داخل القطاع.

وزير «إسرائيلي»: قصف مخازن الوقود والغذاء!

الغريب أنه بعد ساعات من هذا الإعلان، طالب عميحاي إلياهو، وزير التراث الصهيوني، بالوقف الفوري للمساعدات الإنسانية في غزة، وقصف مخازن الوقود والغذاء التابعة لـ«حماس» في القطاع، بهدف تجويع الفلسطينيين، وهو ما صرح به لـ«القناة السابعة» العبرية، في لقاء مطوَّل معها؛ ولم يكتف بذلك، بل طالب نتنياهو بالإسراع في برنامج الهجرة الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، زاعمًا أن تهجير عدة آلاف من غزة ليس كافيًا، فنحن بحاجة إلى تهجير أكبر عدد ممكن من الغزاويين.

تلت تلك الساعات تصريحات أكثر فجاجة وفظاظة، من قبل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، حينما أعلن أن غزة ستُدمر بالكامل وغالبية سكانها سيتم تهجيرهم إلى دول أخرى، في مؤشر خطير على النوايا الصهيونية تجاه القطاع؛ سبقها، مساء 4 الجاري، تصريحات مشابهة لنتنياهو نفسه، من أنه لن يكون هناك أي وجود لـ«حماس» في غزة؛ وهي تصريحات في مجملها بمثابة تطور شديد الخطورة خاصة مع التلويح المستمر بـتهجير أهالي غزة.


الإصرار على تهجير غزة.. هل يدفع بالقضية إلى نهايات الطرق؟ |  Mugtama
الإصرار على تهجير غزة.. هل يدفع بالقضية إلى نهايات الطرق؟ | Mugtama
في لقائهما، الإثنين 4 أبريل الجاري، بدا الرئيس الأ...
mugtama.com
×


إحلال وتبديل

بالتوازي مع تلك التصريحات، فإن الجيش «الإسرائيلي» قام بالفعل بتطويق مدينة رفح جنوب غزة، مع توسيع رقعة النشاط العملياتي لقواته لتشمل عدة مواقع وأحياء إضافية، إضافة إلى الحديث عن كون الهدف الأساس من مخطط توزيع المساعدات الإنسانية بغزة التي تروّج له حكومة نتنياهو، هو تسريع إفراغ شمال القطاع من المواطنين الفلسطينيين، ومن قبلها الاستعداد للبقاء لأطول فترة ممكنة في غزة.

من جانبها، أكدت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، في 6 الجاري، أن الجيش «الإسرائيلي» يقوم بعملية إحلال وتبديل بين قواته العسكرية المنتشرة في كل من سورية ولبنان وغزة، خاصة مع استدعاء عشرات آلاف جنود الاحتياط؛ مشيرة إلى تفاصيل عملية «عربات جدعون»، المكونَّة من 3 مراحل؛ الأولى بدأت، فعليًا، عبر تلك الاستدعاءات والاستعدادات للانتشار بريًا في غزة، مع استمرار التصعيد الجوي والبري في القطاع، ونقل جزء كبير من الأهالي الفلسطينيين إلى ما أسمته بـ«ملاجئ آمنة»، وهو ما يمكن استهدافهم بسهولة من خلالها باعتبارها المرحلة الثانية من تلك العملية.

«عربات جدعون».. وزيارة ترمب للمنطقة

فيما رأت الصحيفة العبرية أن المرحلة الثالثة، تتمثل في الحرب البرية التي تقضي في نهايتها باحتلال قطاع غزة، تدريجيًا، والإعداد لوجود عسكري طويل الأمد هناك؛ بينما ذكر الموقع العبري «كيكار هشبات» أن «تل أبيب» تبحث مع دول أخرى لاستيعاب اللاجئين الفلسطينيين في بلادهم، وذلك قبيل زيارة ترمب المرتقبة إلى المنطقة في 13 الجاري، حيث ربط الموقع الإلكتروني تلك الزيارة والمقررة لكل من قطر والسعودية والإمارات، بمحاولة إقناع الجانب القطري بالعمل، وبقوة، على ممارسة الضغوط على «حماس» من أجل إطلاق سراح بقية المحتجزين في غزة، وإلا فإن المقابل هو استكمال الكيان الصهيوني للمراحل التالية من عملية «عربات جدعون»، التي تقضي باحتلال القطاع.

ورأت «القناة 12» العبرية على موقعها الإلكتروني، أن زيارة ترمب لمنطقة الشرق الأوسط ستكون نقطة فاصلة في تنفيذ هذه العملية العسكرية الجديدة، حيث ستسمح «تل أبيب» بفرصة أخرى لحركة «حماس» حتى نهاية زيارة الرئيس الأمريكي للمنطقة، بهدف إتمام صفقة تبادل الأسرى والمحتجزين بالشروط الصهيونية قطعًا، وفي حال إتمامها، فإن العملية ستبدأ في مرحلتها الثانية، على الفور!

ساعر.. بطل روماني!

اسم العملية أثار جدلاً كبيراً بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي داخل الكيان الصهيوني، وهو ما أوضحته صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية، في 6 الجاري، خاصة مع ربطها للعملية العسكرية «عربات جدعون» بوزير الخارجية جدعون ساعر، بزعم أنه مُنقذ نتنياهو، بعد انتشار صورة لساعر وهو يركب على عجلة أطفال صغيرة، وفي صورة أخرى، يتم تصويره كبطل روماني على عربته العسكرية الشهيرة!

ومن هنا، فإن الجيش «الإسرائيلي» يطلق بين فترة وأخرى عناوين لعمليات عسكرية تحمل معاني دينية وتاريخية قديمة، وازدادت هذه التسميات لحرب الإبادة الدائرة على غزة، حاليًا، غير أن كل التسميات تقود إلى هدف واحد، ممثلاً في القضاء على «حماس»، وإعادة المحتجزين، وهي شروط لم تتحقق منذ اليوم الأول لعملية «طوفان الأقصى» التي أعلنت عنها «حماس»، في 7 أكتوبر 2023م، وحتى الآن، ما يمكن قوله: إن «عربات جدعون» ستكون كغيرها؛ عملية لن تحقق أهدافها الصهيونية.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة