عدساتٌ تنبضُ بالإنسانية..
"منحة التصوير الإنساني" توثق معاناة غزة وتوصل رسالتها للعالم

الرميان: في غزة التصوير ليس مجرد فن بل فعل مقاومة في وجه التعتيم
العتيبي: نأمل
أن تشكل هذه المنحة نقطة تحول في مسيرة التصوير الإنساني
حين يعجز الحرف عن نقل الحقيقة، تتحدث العدسة بصوتٍ لا يكذب، وتصبح
الصورة أبلغ من ألف كلمة، في عالمٍ يموج بالأحداث والصراعات، تتوارى قصص المعاناة
خلف عناوين الأخبار، لكن هناك من يصرّ على أن تكون هذه القصص مرئية، محسوسة، بلغةٍ
يفهمها الجميع: لغة الصورة.
من هنا، وُلِدت "منحة التصوير الإنساني"، كمشروعٍ ريادي
يمنح المصورين في المناطق المنكوبة فرصةً ليكونوا شهودًا على التاريخ، وحراسًا
لذاكرة الشعوب، انطلقت النسخة الأولى من المنحة من قلب غزة، حيث الألم والصمود
يتعانقان، ومن بين الركام خرجت عشر عدسات فلسطينية، لتنقل للعالم قصصًا لم تُحكَ،
وصورًا تنبض بالحقيقة، شاهدةً على واحدة من أشد المآسي الإنسانية في العصر الحديث.
محطات عالمية.. من غزة إلى واشنطن والشارقة
لم تتوقف المنحة عند دعم المصورين فحسب، بل حملت رسالتهم إلى العالم
من خلال سلسلة معارض بدأت في واشنطن، ثم انتقلت إلى الشارقة، حيث لاقت الصور صدىً
واسعًا في الأوساط الثقافية والإنسانية. وجاءت هذه المعارض كنافذةٍ حقيقية تُطل
منها غزة على العالم، بكاميرات أبنائها، لا بعدسات الغريب.
في هذا السياق، قال سامي الرميان، رئيس المنحة: "في غزة، التصوير ليس
مجرد فن، بل فعل مقاومة في وجه التعتيم. لقد عملنا على تمكين المصورين هناك
ليكونوا مرآة صادقة لما يجري، وليصل صوتهم إلى العالم عبر أعمال تحمل عمق المعاناة
ووهج الصمود".
وأضاف: "نؤمن أن الصورة تحمل رسالة قوية قادرة على إحداث تأثير
واسع، لذا نسعى من خلال هذه المنحة إلى تمكين المصورين من إيصال أصوات من لا صوت
لهم، وتعزيز ثقافة التوثيق البصري للمآسي الإنسانية".
قصص غزة غير المروية
افتتحت منحة التصوير الإنساني معرضها الفوتوغرافي الأول في الولايات
المتحدة الأمريكية تحت عنوان "من خلال عدستهم: قصص غزة غير المروية"،
حيث يجسد هذا المعرض الواقع الإنساني الأليم الذي تعيشه غزة، من خلال أعمال نخبة
من المصورين الفلسطينيين الذين استخدموا عدساتهم لنقل الحقيقة وتوثيق تفاصيل
المعاناة والصمود في واحدة من أشد الإبادات الجماعية عنفًا في العصر الحديث.
ضم المعرض صورًا توثيقية قوية التقطها مصورون محليون في غزة، حيث تروي
كل صورة قصةً منفصلة، تحمل في طياتها معاناة العائلات، صمود الأطفال، تضحيات
النساء، وأحلام الشباب التي لا تذبل رغم الدمار، وتكشف هذه الصور عن الوجه
الإنساني للحرب، والذي غالبًا ما يتوارى خلف العناوين السياسية.
الشارقة تحتضن "عدسات تنبض بالإنسانية"
كانت مشاركة المنحة في مهرجان "إكسبوجر 2025" في الشارقة
بمثابة تتويج لرحلتها، حيث شكل المعرض نافذةً حقيقيةً تُطل منها غزة على العالم، بعدسات
أبنائها، لا بعدسات الغريب، الصور المعروضة لم تكن مجرد لقطات
فوتوغرافية، بل كانت وثائق إنسانية ناطقة، تسرد تفاصيل الحياة والموت، وتروي قصص
الأمل رغم الألم.
من جانبه، قال سعد العتيبي، رئيس مجلس أمناء الجائزة: "هذا
المعرض ليس مجرد مجموعة صور، بل هو شهادة حية، ونبض من أرضٍ تتحدى الموت يوميًا، نحن
لا نقدم للمصورين فرصةً مهنية فقط، بل نمنحهم صوتًا عالميًا يعبر حدود الصمت".
وأشار إلى أن: "الهدف هو إعطاء المصورين في غزة فرصةً حقيقية
ليكونوا صناع روايتهم الخاصة، لينقلوا المشهد بأعين من عاشوه، لا بعيون الراصدين
من بعيد".
وأشار إلى أن مجلس الأمناء سيعمل على ضمان توفير بيئة داعمة للمصورين
المشاركين في المنحة وغيرها من المنح مع الحرص على توجيه أعمالهم نحو القضايا ذات
التأثير الأعمق، وتحفيزهم على إنتاج محتوى بصري مؤثر يسهم في إحداث تغيير إيجابي.
وختم العتيبي حديثه قائلاً: "نأمل أن تشكل هذه المنحة نقطة تحول
في مسيرة التصوير الإنساني، وأن تساهم في إبراز قصص إنسانية ملهمة تعكس صمود
الأفراد والمجتمعات في وجه التحديات".
التمكين عبر الفن.. دور الشراكات الإنسانية
جاءت هذه المنحة بتمكين من جهات إنسانية آمنت بضرورة دعم المصورين في
ظل الظروف القاسية، ومنها "نماء الخيرية" و"الهيئة الخيرية
الإسلامية العالمية" بالكويت، و"كاف الإنسانية" بالبحرين.
في هذا الإطار، شدد العتيبي على أهمية التعاون مع الجهات الداعمة.
التصوير الإنساني.. شهادة بصرية على التاريخ
المصورون الذين شاركوا في هذه المنحة لم يكونوا مجرد محترفين يبحثون
عن لقطات جميلة، بل كانوا شهودًا على الألم والأمل، ورواةً لقصص لا تنقلها
الكلمات.
حسين الموسوي، رئيس تحرير مجلة ناشيونال جيوغرافيك العربية، قال عن
أهمية هذا المعرض: "ما يقدمه هذا المعرض يتجاوز حدود الفن، ليصبح توثيقًا
للتاريخ الإنساني الحي، نحن لا ننظر إلى هذه الصور كأعمال إبداعية فحسب، بل كوثائق
بصرية تحمل رسائل للأجيال القادمة، تسلط الضوء على تفاصيل قد تُنسى، لكنها تبقى
محفورةً في ذاكرة العدسة والإنسان".
ختامًا.. رحلة لم تنتهِ بعد
هذا المعرض هو الأول في سلسلة معارض حول العالم، ستواصل فيها منحة
التصوير الإنساني نقل صوت غزة، لتروي للعالم قصة الأرض التي تنزف صمودًا، والسماء
التي تمطر صرخات الأمل، وكما أكد الرميان: "رحلتنا بدأت، ورسالتنا مستمرة.
هذه ليست مجرد صور، بل نداءٌ للإنسانية كي تستفيق".