إنجازات وتحديات العدالة والتنمية في تركيا بعد ربع قرن من الحكم
في 14 أغسطس 2026م، احتفل حزب العدالة والتنمية في تركيا بمرور 25 عاماً على تأسيسه باحتفالية خاصة، إذ إنه إضافة للبعد الرمزي لعدد السنوات، ربع القرن، فإن الحزب يحتفل من جهة أخرى بمسيرة سياسية طويلة لم يصلها أي من الأحزاب السياسية الأخرى بعدد سنين الحكم، باستثناء حزب الشعب الجمهوري في حقبة حكم الحزب الواحد، فضلاً عن الإنجازات والأثر الذي تركه في الحياة السياسية التركية.
على مدى هذه
السنوات، ترك العدالة والتنمية برئاسة أردوغان وقيادته بصمات عديدة في جملة من
الملفات الداخلية والخارجية، أهمها:
المفتاح: الاقتصاد
وصل العدالة
والتنمية للحكم في تركيا عقب أزمة اقتصادية خانقة أوصلت البلاد للاستدانة من صندوق
النقد الدولي وإلى حافة الإفلاس، خلال سنوات قليلة، حسّن الحزب معظم المؤشرات
الاقتصادية من متوسط دخل الفرد للتضخم ومن نسبة البطالة لسداد قرض صندوق النقد
الدولي.
ورغم أن مسار
التعافي الاقتصادي لم يستمر بنفس الوتيرة، ودخلت تركيا في أزمات اقتصادية في
السنوات اللاحقة لأسباب داخلية وخارجية بعضها ذاتي وبعضها الآخر موضوعي، فإن ذلك
لا يلغي حقيقة أن البصمة الأهم التي ثبتت شعبية الحزب وأبقته في حكم تركيا –لا
سيما في السنوات الأولى- كانت أداؤه الاقتصادي.
القيد: نظم الوصاية
كانت الانقلابات
العسكرية الميزة الأكثر وضوحاً للحياة السياسية في تركيا، بيد أن نظم الوصاية لم
تكن مقتصرة على المؤسسة العسكرية، بل شملت القضاء والإعلام وغير ذلك، وقد فكّك
العدالة والتنمية كل أنظمة الوصاية هذه عبر السنين.
الوصاية
العسكرية كانت الأصعب بطبيعة الحال، حيث كانت المؤسسة العسكرية تعدُّ نفسها
مؤسِّسة الدولة والحامية لها، وقد استعان الحزب بمعايير وشروط الانضمام للاتحاد
الأوروبي كأداة فاعلة في تقليم أظافر الجيش ومنع تدخله في السياسة، وكانت أبرز
المحطات تعديل مجلس الأمن القومي لتكون بُنيته مدنية (تمثل المؤسسات والوزارات) في
معظمها وقراراته لتكون استشارية لا ملزمة.
وبالمثل، فقد
أصبح مجلس الشورى العسكري الأعلى، الهيئة المخوّلة بقرارات الترفيع والإحالة على
التقاعد فضلاً عن الثقافة والتعبئة في القوات المسلحة أقرب لمزيج من المدنيين مع
القيادات العسكرية، وبالنتيجة أصبحت المؤسسة العسكرية تبعاً للقيادة السياسية
المنتخبة من الشعب، لا العكس.
ويمكن قول مثل
ذلك عن الوصاية القضائية التي طالما حظرت أحزاباً سياسية بدعوى تناقضها مع علمانية
الدولة و/أو مخالفتها للدستور، بما في ذلك العدالة والتنمية الذي نجا بصعوبة من
قرار بالحظر عام 2008م، قبل أن ينهي حالة الوصاية هذه عبر عدة حزم من الإصلاحات
والتعديلات الدستورية.
الاستنزاف: مشكلة الإرهاب
شكلت المسألة
الكردية التي تفرعت عنها معضلة الإرهاب المتمثل بمنظمة العمال الكردستاني
الانفصالية ملف استنزاف كبير لتركيا بشرياً واقتصادياً وأمنياً فضلاً عن فتح ثغرات
للتدخلات والضغوط الخارجية.
وقد أوشك
العدالة والتنمية مؤخراً على حل هذه المعضلة العميقة والمعقدة بشكل نهائي، من خلال
مشروع «تركيا بلا إرهاب»، الذي شمل وقف عمليات الكردستاني ثم حلّ نفسه مع بعض
التعديلات الدستورية المرتبطة بالملف، بعد سنوات من سياسة مكافحة الإرهاب في
الداخل والخارج (سورية والعراق تحديداً)، التي نتج عنها تقويض إمكانات الكردستاني
إلى حد كبير؛ وبالتالي المساهمة في إقناعه بالمسار السياسي والتخلي عن العمليات
الإرهابية ومشروع الانفصال عن تركيا.
علامة مسجلة: الصناعات الدفاعية
طالما عانت
تركيا من حاجتها للسلاح؛ شراء وصيانة وتطويراً، على الخارج،والذي تخلله في عدة
محطات حظر بيع السلاح لها، ما قيّد إمكاناتها في مواجهة المنظمات الانفصالية
وقدرات قواتها المسلحة عموماً.
بيد أن السنوات
الأخيرة تحديداً شهدت طفرة كبيرة على صعيد التصنيع المحلي؛ ما موضَعَ تركيا ضمن
نادي الدول المصدّرة للسلاح، ولا سيما المسيّرات (الطائرات من دون طيار) التي باتت
علامة مسجلة لتركيا في المنطقة والعالم، هذا فضلاً عن أن العمليات العسكرية
التركية باتت تُنفذ بما يزيد على 80% من السلاح المصنّع محلياً، وهو أمر بقدر ما
زاد من فعالية القوات المسلحة التركية، أتاح لأنقرة مزيداً من المرونة والمناورة
والاستقلالية في السياسة الخارجية، وزاد من نفوذها الإقليمي، فضلاً عن منافعه
الاقتصادية المعروفة.
السمعة: السياسة الخارجية والنفوذ الإقليمي
ساهم كل ما سبق
في تعزيز الاستقلالية النسبية لتركيا في سياستها الخارجية، بحيث استطاعت أن تنوع
في محاور سياستها الخارجية، ولا تبقى محصورة في محور واحد كما كانت عليه خلال
الحرب الباردة، وكان المثال الأبرز على ذلك الحرب الروسية – الأوكرانية التي
استطاعت فيها أنقرة أن تتمايز عن موقف حلف «الناتو» نسبياً فلا تشترك في العقوبات
على روسيا على سبيل المثال، محافظة على علاقاتها مع الجانبين، الأمر الذي أهّلها لممارسة
دور الوساطة بينهما.
من جهة أخرى،
انتقلت تركيا في عهد العدالة والتنمية من دولة هامشية ومجرد ترس متقدم في آلة حلف «الناتو»،
لأنْ تكون دولة إقليمية رائدة تضطلع بأدوار عديدة في المنطقة، ولاعباً أساسياً
يشارك في رسم السياسات والمحاور والتحالفات، وكان آخر تلك المحطات اتفاق مكة
الدفاعي الثلاثي مع كل من السعودية والباكستان، والإطار التنسيقي الرباعي الذي يضم
مصر إلى جانب هذه الدول الثلاث.
الاستمرارية: الهيمنة السياسية
طول مدة الحكم
تُحسب كذلك للعدالة والتنمية من زاوية ما، إذ إن الأحزاب التي تحكم طويلاً، لا
سيما في دولة مثل تركيا، تتعرض عادة للترهل والتراجع وتخسر الحكم، بينما استمر
الحزب على سدّة الحياة السياسية في البلاد لكل هذه المدة دون انقطاع.
بل إن الشهور
الأخيرة شهدت أزمات كبيرة تعاني منها أحزاب المعارضة، مثل انشقاق «الحزب الجديد»
عن حزب «الشعب الجمهوري» أكبر أحزاب المعارضة، وإعلان رئيس الوزراء الأسبق أحمد
داود أوغلو حلَّ حزبه «المستقبل» واعتزال السياسة الحزبية، بالتزامن مع ضمِّ
العدالة والتنمية لصفوفه عدداً من النواب ورؤساء البلديات من الأحزاب الأخرى.
التحديات
هذه الهيمنة على
الحياة السياسية نفسها، وبقدر ما هي إنجاز ومؤشر نجاح للعدالة والتنمية من زاوية،
فهي كذلك مدار نقد وهجوم من أحزاب المعارضة وشخصيات سياسية في البلاد له، وخصوصاً
فكرة التفرد في الحكم والقرار، والقصد هنا تفرد الرئيس أردوغان بقيادة العدالة
والتنمية –دون الكثير من رفاق دربه السابقين– وتفرد الأخير في حكم البلاد.
يقترن هذا النقد
بآخر يرتبط بالترهل وتراجع منسوب الأداء والإنجاز لدى الحزب في السنوات الأخيرة
بالفارق عن سنوات التأسيس والانطلاق التي تميزت بقفزات كبيرة في مختلف المجالات
كما سلف تفصيله، كما أن أحزاب المعارضة ترى أن هذه الهيمنة تلقي بظلالها على
الحريات السياسية في البلاد وحرية الرأي والتعبير وغير ذلك.
يتبدى تراجع
الأداء والإنجاز أكثر ما يتبدى في الملف الاقتصادي، الذي شهد نجاحات بارزة في
السنوات الأولى، لكنه يعاني منذ عقد على الأقل من تراجع في الأداء وخصوصاً لجهة
مكافحة التضخم وتراجع القوة الشرائية للمواطنين، تأثراً ببنية الاقتصاد من جهة
والتطورات الساخنة في المنطقة والعالم (الحروب والأزمات الاقتصادية وجائحة كوفيد
وغيرها) من جهة أخرى.
بيد أن التحدي
الأكبر أمام العدالة والتنمية، فيما نظن، يبقى المتعلق بسؤال المستقبل ومصير
المشروع على المدى البعيد، ذلك أن التطورات في المنطقة والعالم لا تترك رفاهية
لدولة مثل تركيا بأن تغفل أو تتراجع، كما أن ما تعرض له الحزب من تغيرات على مدار
25 عاماً من الحكم وإن كان أكسبه الكثير من الخبرة والقوة غير أنه أفقده بعض
الأوراق والأدوات.
ولعل سؤال خلافة
أردوغان على المدى البعيد سيبقى التحدي الغائب الحاضر غير المُفكّر فيه حالياً، إذ
يمثل الأخير ما هو أكثر وأهم من مجرد رئيس للحزب، بعد كل هذه السنوات من العمل
والقيادة والإنجاز والالتفاف الحزبي والجماهيري حوله، فضلاً عن مركزيته الملحوظة
في الحكم والإدارة في الحزب والدولة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً