الذكاء الاصطناعي.. وعبقرية القاضي إياس!
الذكاء وقوته
وبرامجه يقاس وفق وسائل وأدوات كل عصر، والحكم على عصر بأدوات ووسائل غيره، فيه
جور وحَيْف لأذكياء العصر السابق.
لكن عندما نتحدث
عن القاضي إياس الذكي، فإننا نجد نموذجاً فريداً، وصالحاً لكل العصور.
تكمن عبقرية
وذكاء القاضي إياس في جمعه فيما يشبه حالياً الذكاء الاصطناعي بما تحمله الكلمة من
معنى عصري حديث، لكن الشيء الذي يستحق عليه المدح والثناء، رغم أنه كان ذكاء
اصطناعياً يمشي على الأرض، أنه لم تغب عنه القيمة وحضورها ونشرها والحثّ عليها،
وهو ما نفتقده في الذكاء الاصطناعي الحالي، والركض وراء «الترند».
القاضي إياس ذكاء اصطناعي متحرك
ضُرب بذكاء
القاضي إياس المثل، وصار قبلة للناس يجلسون عنده، ويكتبون عنه الفراسة، كما نجلس
الآن أمام«ChatGPT».
القاضي إياس صار
أيقونة للذكاء والعبقرية عند العرب قاطبة، وهو الذي عناه الشاعر أبو تمام، حينما
أراد أن يجمع لممدوحه جوهر الصفات ورؤوسها فقال:
إقدام عمرو في
سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس
وهو يقصد هنا إياس
بن معاوية، المعروف بإياس الذكي؛ الذي عاش في العصر الأموي، وأصبح مضرب الأمثال في
الذكاء والفراسة.
تجلّت عبقريته
في توظيفه لمعطيات البيئة ووسائلها، بطريقة تشبه عملية الخوارزميات والذكاء
الاصطناعي في حياتنا.
استخدام
«جي بي إس» (GPS)
كان للقاضي إياس
حيل ذكية تشبه أجهزة التعقب في وقتنا الحالي، وبهذه الحيل تمكن من معرفة أسرار
الآخرين والوصول إلى كبد الحقيقة، وهي عملية تعتبر مبكرة للغاية في ذلك العصر، لو
قارنّاها بما نعيشه من وسائل الذكاء الاصطناعي، ومن ذلك:
1- أنه نظر إلى
رجل، فقال: هذا غريب، وهو من أهل واسط، وهو معلّم، وهو يطلب عبداً له قد هرب منه،
فوجدوا الأمر كما قال.
فسألوه، فقال:
رأيته يمشي ويلتفت، فعلمت أنه غريب، ورأيته وعلى ثوبه حمرة تربة واسط فعلمت أنه من
أهلها، ورأيته يمرّ بالصبيان فيسلّم عليهم ولا يسلّم على الرجال، فعلمت أنه معلّم،
ورأيته إذا مر بذي هيئة لم يلتفت إليه، وإذا مر بذي أسمال -ثياب بالية- تأمله،
فعلمت أنه يطلب آبقاً.
2- وتحاكم إليه
اثنان فادّعى أحدهما عند الآخر مالاً، وجحده الآخر، فقال إياس للمودع: أين أودعته؟
قال: عند شجرة في بستان.
فقال: انطلق
إليها فقف عندها لعلك تتذكر، فانطلق، وجلس الآخر فجعل إياس يحكم بين الناس
ويلاحظه، ثم استدعاه فقال له: أوصل صاحبك بعد إلى المكان؟ فقال: لا بعد أصلحك
الله، فقال له: قم يا عدو الله فأدِّ إليه حقه، وإلا جعلتك نكالاً.
إياس
الذكي وكلمة المرور «Albasurd»
يمكن أن نقول:
إن القاضي إياس الذكي تمتع بحسّ غير مسبوق في فراسته، حيث وصلت عبقريته في توظيف
عوامل البيئة إلى ما يشبه في عصرنا الحالي فك الشيفرة، أو معرفة كلمة المرور
للوصول إلى حقيقة ما يدور حوله، ومن ذلك:
1- أنه مرّ فسمع
قراءة من مكان مرتفع، فقال: هذه قراءة امرأة حامل بغلام، فسئل، كيف عرفت ذلك؟ فقال
سمعت بصوتها ونفسها مخالطة، فعلمت أنها حامل وسمعت صحلاً -خشونة في صوتها- فعلمت
أن الحمل غلام، ومرّ بعد ذلك بكتاب فيه صبيان، فنظر إلى صبي منهم، فقال: هذا ابن
تلك المرأة فكان كما قال.
2- وكان في موضع
فحدث فيه ما أوجب الخوف، وهناك ثلاث نسوة لا يعرفهن، فقال: هذه ينبغي أن تكون
حاملاً، وهذه مرضعاً، وهذه عذراء، فكشف عن ذلك فكان كما تفرّس، فقيل له: من أين لك
هذا؟
فقال: عند الخوف
لا يضع الإنسان يده إلا على أعزّ ما له ويخاف عليه، ورأيت الحامل قد وضعت يدها على
جوفها، فاستدللت بذلك على حملها، ورأيت المرضع قد وضعت يدها على ثديها، فعلمت أنها
مرضع، والعذراء وضعت يدها على مكان عفّتها، فعلمت أنها بكر.
3- ومرّ يوماً
بمكان فقال: أسمع صوت كلب غريب، فقيل له: كيف عرفت ذلك؟ قال: بخضوع صوته وشدة نباح
غيره من الكلاب، فكشفوا عن ذلك فإذا كلب غريب مربوط والكلاب تنبح عليه.
5- وكان يوماً
في برية فاحتاجوا إلى الماء، فسمع نباح كلب فقال: هذا على رأس بئر، فاستقروا
النباح فوجدوه كما قال، فقيل له في ذلك، فقال: لأني سمعت الصوت كالذي يخرج من بئر.
منظومة القيم في حياة القاضي إياس
رغم أن القاضي
إياس كان ذكاء اصطناعياً متحركاً، فإنه في النهاية إنسان ويتعامل مع غيره من
البشر، فكما كان رائداً في الذكاء، كان كذلك في نشر القيم.
فرغم فراسته
وعبقريته المفرطة، لم ينسَ يوماً والده بل كان في غاية الإحسان والبر إليه، لدرجة
دفعت والده أن يعترف ببرّ ابنه له فقال عنه: «إن الناس ينجبون أبناءً أما أنا فقد
أنجبت أباً»؛ لأن ابنه القاضي إياس الذكي المنشغل بأمر القضاء عامة والفراسة خاصة،
لم ينسَ والده يوماً، ولكن الآن الانشغال بالذكاء الاصطناعي أنسى الشباب عقولهم،
والركض وراء «الترند» أنساهم قيمهم.
ومع عبقريته
وفراسته كان يتمتع بسرعة البديهة في الرد، مع تواضع كامل وهضم لذاته، حيث اكتملت
فيه العبقرية العلمية والقيمية معاً.
فقد حكى عن نفسه
أنه قال: ما غلبني أحد قط سوى رجل واحد، وذلك أني كنت في مجلس القضاء بالبصرة،
فدخل عليَّ رجل شهد عندي أن البستان الفلاني -وذكر حدوده- هو ملك فلان، فقلت له:
كم عدد شجره فسكت، ثم قال: منذ كم يحكم القاضي في هذا المجلس؟ فقلت: منذ كذا،
فقال: كم عدد خشب سقفه؟ فقلت له: الحق معك، وأجزت شهادته.
وقال له رجل:
أيها القاضي، حتى متى يبقى الناس؟ وحتى متى يتوالد الناس ويموتون؟ فقال لجلسائه:
أجيبوه فلم يكن عندهم جواب، فقال إياس: حتى تتكامل عدة أهل الجنة، وعدة أهل النار.
واستودع رجلاً
من أمناء الناس مالاً، ثم رجع فطلبه فجحده، فأتى إياساً فأخبره، فقال له: انصرف
واكتم أمرك، ولا تعلمه أنك أتيتني، ثم عد إليَّ بعد يومين.
فدعا إياس
المودع، فقال: قد حضر مال كثير، وأريد أن أسلمه إليك، أمنزلك محصّن؟ قال: نعم،
قال: فأعد له موضعاً وحمّالين.
وعاد الرجل
الأول إلى إياس، فقال: انطلق إلى صاحبك فاطلب المال، فإن أعطاك فذاك، وإن جحدك فقل
له: إني أخبر القاضي.
فأتى الرجل
صاحبه فقال: مالي، وإلا أتيت القاضي، وشكوت إليه، وأخبرته بأمري، فدفع إليه ماله،
فرجع الرجل إلى إياس، فقال: قد أعطاني المال وجاء الأمين إلى إياس لموعده، فزجره
وانتهره، وقال: لا تقربني يا خائن.
إن المدهش في
وسائل التواصل الاجتماعي اليوم سيكون قديماً في الغد، وكما أدهش القديم أبناء
جيله، فسوف يصبح ما يدهشنا اليوم قديماً للأجيال القادمة، وهكذا حتى تأخذ الأرض
زخرفها وزينتها، فيأتيها أمر الله.
أما المدهش حقاً،
والذي لا يبلى بمرور الزمن، بل هو جديد لكل العصور، ما تحفره وتتركه من قيم وتحافظ
عليها، فكما بقي لإياس الذكي ذكاؤه، بقي له أيضاً بهاء وزهو القيمة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً