26 فبراير 2025

|

سبعة دروس من المرأة الغزاوية

عزة مختار

26 فبراير 2025

852

ظلت المرأة المسلمة والعربية مجازا لفترات طويلة من الزمان، تحتاج لمن يطالب بحقوقها، ويتحدث عن أدوارها محاولا إثبات قدرتها على تأدية أدوار غير عادية مثلها في ذلك مثل الرجال، وخاصة حين تتعلق تلك الأدوار بحرية بلادها، والحفاظ على المقدسات الإسلامية.

ولمدة تصل للثلاثمائة سنة الأخيرة ظلت المرأة مجازا وقضايا مطروحة على الساحة أو مغيبة دون أن يشعر بها أحد، حتى يستلزم الأمر وجودها، فتظهر أسماء لامعة مثل زينب الغزالي، وأم نضال خنساء فلسطين وغيرهن، لكنهن يقفن عند حد النماذج الفردية، يقفن كعلامات على جبين الأحداث، حتى أتت حرب طوفان الأقصى، لتتحول نساء غزة كلهن لعلامات على جبين الإنسانية كلها، يلقين دروسا للعالم دون كلمات، ليس لنساء العالم وحدهن، وإنما للنساء والرجال على حد سواء، للإنسانية ككل.

تلك الدروس تحت عنوان بارز، لا شيء يخيف امرأة قررت أن تعيش في سبيل الله، أو تموت في سبيله في حرب إبادة نقلت على مرأى ومسمع من العالم، حتى لو اضطرت للتضحية بروحها وأرواح من تحب، كأم، كزوجة، كابنة، كامرأة تحب بلادها وتجاهد في سبيل تحريرها، لتكون مثلا للصمود وصدق العزم، ثم تترك رسائل ودروس لكافة النساء ليتعلمن كيف يجب أن تكون المرأة حين تنتهك مقدساتها.

أولا: دروس في الصبر والثبات 

علمت المرأة الفلسطينية أن الثبات أساسه الصبر، وأن الصبر قرين النصر والتمكين والعزة والكرامة، فآمنت بقول ربها: " اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " [الأعراف: 128]،  وعملت بقوله سبحانه:" إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ " [يوسف: 90]، وقوله عز وجل: " وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ " [آل عمران: 120].

وقد بدأت دروس الصبر والثبات عند المرأة الغزاوية علي وجه الخصوص، وعند المرأة الفلسطينية عامة منذ وقت مبكر، وربما عبر تاريخ فلسطين كلها، حيث الصراعات التي لا تتوقف حول تلك الأرض المقدسة في محاولات لا تتوقف لفرض الهيمنة عليها عبر العصور، حيث أن الذي يسيطر على المقدسات يكون هو المهيمن على العالم فعليا، ولذلك فقد واجهت المرأة الفلسطينية واقعا مريرا، وظروفا معيشية صعبة، من فقر وبطالة وحصار وغياب للزوج وولي الأمر إما بالجهاد، أو الاعتقال التعسفي من قوات الاحتلال، أو للبحث عن لقمة العيش العزيزة في أزمنة الحروب، ومع كل تلك المعاناة نجد صبرا منقطع النظير، وثباتا غير مسبوق من المرأة الغزاوية، والأمثلة في ذلك لا تنتهي، فبعد أن كانت هناك خنساء واحدة، صارت معظم نسائها خنساوات، وقد تابعنا مؤخرا كيف أن عائلات محيت من السجل المدني، وكيف تقدم الأم أبنائها محتسبة، وكيف تقدم زوجها راضية.

ولا يتوقف الأمر عند الصبر والثبات عند الملمات، بل لقد تحدين تلك الظروف، لتصل نسبة الأمية في غزة أقل نسبة عالميا تبعا للإحصاءات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ففي عام 2021 بلغت نسبة الأمية 2%، وفي عام2022 انخفضت إلى 1.8%، ونجدها متفوقة في مجالات العلم المختلفة ليصرح الكيان المحتل بأن المرأة الفلسطينية تتفوق عليهم في المعمل والإنجاب، حيث أنها المرأة الأعلى خصوبة على مستوى العالم، حيث يبلغ متوسط إنجابها 4.5 مولود لكل امرأة بالرغم من التحديات التي تلاقيها في كل وقت.

ثانيا: الثقة في نصر الله

ومن أهم الدروس التي علمتها المرأة الغزاوية للأمة، تحركها تحت مظلة الثقة في نصر الله، وأنه لا يأس أو استسلام لعالم يجتمع على معاداتهم وإخراجهم من بلادهم، فنرى المرأة التي فقدت ذويها، ثم هي تتحدى ذلك الظلم بالاستمرار والأمل في غد يتحرر فيه كل شبر من الأراضي الفلسطينية، يعتقل الشاب ليقضي في سجون العدو جل عمره، فيخرج ليجدها في انتظاره، تربي أولاده، وتعد بيته لاستقباله رغم مرور السنوات وهي على يقين بعودته، ثم هي مستسلمة لقول ربها تبارك وتعالى: " مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ " [الحج: 15]، ويحركها قوله سبحانه: " وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا " [الأحزاب: 22]، مؤمنة بقوله عز وجل: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ" [فاطر: 5].

ثالثا: القوة الذاتية

وقد يرى المتابعون للوضع الراهن أن المرأة الفلسطينية تعاني البؤس والكرب والاستضعاف دون الالتفات إلى القوة الذاتية الجبارة عند كافة نساء فلسطين، قوة تدفعها لتحمل المشاق التي قد يعجز أمامها الرجال، وقد وقفنا جميعا مشدوهين أمام تلك القوة التي تجعل المرأة تقوم بدفن أبنائها مجتمعين، ثم هي تزأر باسم فلسطين والأقصى والمقدسات والثبات والصمود والموت في سبيل الله وكأنه الأمنية الأسمى لتلك النساء، ويمتد دورها لنقل تلك القوة للأجيال المتتالية، فتتم عمليات توريث أخلاقية لنرى ذلك النتاج التربوي العظيم.

رابعا: التضحية

ومن الدروس الاستثنائية للمرأة الفلسطينية ما رأيناه أثناء الحرب الطاحنة من تضحيات جبارة ، ولا ننسى في ذلك مشهد الطبيبة التي تحايلت وأحنت رأسها وهرولت نحو مصاب كي تنقذه غير مبالية بتعرضها للموت المحقق تحت زخات الرصاص الحي لقوات لا تعرف الرحمة، "أمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ" [البقرة: 214].

 خامسا: التأقلم مع أقسى الظروف

ففي الوقت الذي تعاني فيه البيوت العربية من ارتفاع نسب الطلاق، وعدم قدرة الزوجين على التعايش مع الظروف الاقتصادية السيئة والتي تمر بها المنطقة، نجد أن المرأة الفلسطينية تتحدى كافة الظروف الطارئة من غياب الرجال، وشح كافة مقومات الحياة، تتأقلم وتمر الأزمات المتوالية بأطفالها لتنجو بهم، أو ترقى بهم شهداء، غير شاكية للظروف أو لزوجها الذي اختار أن يعيش كالرجال، أو يموت كالأبطال.

سادسا: التكافل والتعاون 

مجتمع غريب وعجيب ذلك المجتمع الفلسطيني، برجاله ونسائه وأطفاله، مدارس ومستشفيات ومبان تمتلئ بالنساء والأطفال، ولا تجد مشاجرة بين أطفالهم أو نسائهم، يتعاونون فيما بينهم، يتكافلون بالقليل، لا تعرف أم من هذا الطفل أو خالته أو جدته، فكلهم للكل أمهات، وكلهم للكل خالات وعمات، كلهن عون للمحتاج، كلهن مشاريع مساعدة لبعضهن البعض.

سابعا: الإيجابية والطموح

والمسلم متفائل بطبعه حتى في أشق الظروف، فقلبه موصول بالله، وقوته تستند على قوة رب العالمين مستمدة منها، وحركته موكولة لربه يوفقه حيث خطت قدماه، وحاله دائما خير، إما في شدة فيصبر فهو مأجور، أو في رخاء فيشكر فهو مأجور، والمرأة الغزاوية هي المثال الأوضح للمسلم العامل، متطلعة للحياة رغم الموت يحيط بها، إيجابية رغم الدمار والدماء، طالما أنها على قيد التنفس، فهي تعمل وتعمل لقضيتها الكبرى جنبا إلى جنب إخوانها من المجاهدين الصابرين الصامدين، ولقد تحولت الخيام لحلقات تعليم، تجمع الفتية والفتيات وتقوم بدورها كمعلمة تبث فيها القيم والعلم والأخلاق، ترنو دائما إلى المستقبل، وإن كانت لا ترى أو تسمع سوى صوت الزنانات، فليت كل نساء الأمة، نساءً غزاويات.




الرئيسية

مرئيات

العدد

ملفات خاصة

مدونة