لماذا يعاقب عباس الأسرى بدلاً من دعمهم؟

في خطوة مفاجئة، أعلن رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، عن قرار يشمل إلغاء مخصصات الأسرى والشهداء والجرحى، وهو القرار الذي تم تنفيذه بشكل فوري ودون سابق إنذار. وقد جاء هذا القرار بتحويل المخصصات إلى "المؤسسة الوطنية للتمكين الاقتصادي" تحت ما وصفته السلطة بـ"المصلحة الوطنية العليا".
وأثار القرار غضب الشارع الفلسطيني بشكل واسع، وخاصة في صفوف الأسرى وذويهم، الذين اعتبروا هذا القرار بمثابة "طعنة في الظهر"، وهو ما يعكس تدهوراً في العلاقات بين القيادة الفلسطينية والفئات التي كانت تمثل لها رمزاً للمقاومة والصمود في وجه الاحتلال.
القرار والتوقيت
يأتي قرار عباس في وقت بالغ الحساسية، إذ تزامن مع موجات من الاحتجاجات الشعبية ضد العديد من السياسات التي تتبناها السلطة، بالإضافة إلى تصاعد الضغوط الدولية على السلطة الفلسطينية في أكثر من ملف. ما يثير التساؤلات حول دوافع هذا القرار هو توقيته، وخاصة في ظل الأوضاع السياسية والأمنية التي تمر بها الأراضي الفلسطينية. في الوقت الذي يعاني فيه الفلسطينيون من احتلال مستمر وعدوان صهيوني مستمر على قطاع غزة، وجدت السلطة الفلسطينية نفسها في موقف صعب، ربما حاولت فيه "الاستجابة" للضغوط الدولية، وتحديداً الإملاءات الأمريكية والصهيونية التي تطالب بإلغاء مخصصات الأسرى.
إذ اتهمت السلطة بتنفيذ سياسات متوافقة مع الأهداف الصهيونية والأمريكية، حيث طالبت حكومات الاحتلال مراراً وتكراراً بضرورة إلغاء هذه المخصصات بحجة أنها تشجع على "العنف" و"الإرهاب". هذه الضغوط الخارجية انعكست بشكل واضح على القرار الفلسطيني، ما يعزز القناعة لدى البعض بأن عباس قرر أن يتماشى مع هذه التوجهات، في خطوة تهدف إلى كسب رضا الإدارة الأمريكية الجديدة، وخاصة في ظل سعيه لاستعادة المساعدات الأمريكية التي تم تجميدها في فترات سابقة.
وحسب ما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن خطوة عباس في إلغاء المخصصات جاءت بهدف استرضاء الإدارة الأمريكية الجديدة، والتماهي مع السياسات الأمريكية، وخاصة مع رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب، في محاولة لاستجداء المساعدات المالية المجمدة.
المقاومة الفلسطينية وملف الأسرى
وفي الوقت الذي يعاني فيه الشعب الفلسطيني من سياسة الإبادة والاحتلال المستمر، تواصل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة معركتها لتحرير الأسرى، إذ تمكنت من إطلاق سراح مئات الأسرى الفلسطينيين في عمليات نوعية نفذتها المقاومة.
وكان من المفترض أن تجد السلطة الفلسطينية نفسها في صلب هذا الحدث، حيث يُنتظر منها دعم الأسرى وتعزيز موقفهم من خلال توفير الدعم المالي والمعنوي. لكن قرار السلطة الفلسطينية جاء عكس هذا التوقع، حيث خذلت السلطة الأسرى، بل واعتبرت أن "المصلحة الوطنية العليا" تقتضي اتخاذ هذا القرار الذي وضعها في مواجهة مباشرة مع المقاومين في غزة وذوي الأسرى.
إن تحرر مئات الأسرى في غزة على يد المقاومة أثار العديد من الأسئلة حول موقف السلطة الفلسطينية من هذه الانتصارات. في وقت كانت السلطة مطالبة فيه بتعزيز موقف الأسرى وتوحيد الصف الفلسطيني خلف قضية الأسرى، جاءت مواقفها لتؤكد أنها تخضع للضغوط الخارجية على حساب الأولويات الوطنية.
إحالة رئيس هيئة شؤون الأسرى إلى التقاعد الإجباري
لم تقتصر الإجراءات على إلغاء المخصصات فقط، بل ذهب رئيس السلطة إلى أبعد من ذلك، حيث قرر إحالة رئيس هيئة شؤون الأسرى، التي كانت تمثل الجهة الرسمية المدافعة عن حقوق الأسرى، إلى التقاعد الإجباري بعد احتجاجه العلني على القرار ورفضه له. هذه الخطوة مثّلت صدمة كبيرة للأوساط الفلسطينية، التي رأت فيها محاولة لتصفية أي معارضة للقرارات الرئاسية.
وفي ضوء هذا التصعيد، يمكن قراءة الرسالة التي أراد عباس توجيهها: "من لا يقف في صفي، يجب أن يُصفى". هذه الرسالة ربما تعكس حالة من التفرد في اتخاذ القرارات وعدم قبول أي معارضة، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي الفلسطيني الداخلي.
هل سيصمد عباس أمام الضغوط الشعبية؟
إزاء التصعيد في الاحتجاجات الشعبية والرفض العارم للقرار، يبقى السؤال الأهم: هل سيصمد محمود عباس أمام هذه العاصفة الشعبية؟ أم ستدفعه الضغوط الداخلية إلى التراجع عن قراره؟ لا شك أن قرار عباس يضعه في موقف حرج، خاصة مع تصاعد الاستياء في مختلف أرجاء الضفة الغربية وقطاع غزة. وإذا كانت السلطة قد تعهدت بحماية حقوق الأسرى في الماضي، فإن مواقفها الحالية قد تؤدي إلى تصدع كبير في علاقاتها مع الشعب الفلسطيني.
وفي ظل هذه الضغوط، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إذا كانت السلطة الفلسطينية قد اختارت هذا الطريق مع الأسرى، فكيف ستتعامل مع المشهد في غزة؟ هل ستستمر في سياسة التهميش والتجاهل، أم ستعمل على إعادة النظر في موقفها من المقاومة والأسرى في ظل الضغط الشعبي والسياسي؟