التكتيك الطائفي القديم في أسلوب جديد لزرع الفتنة في الهند

في عصر
التواصل الاجتماعي، أصبحت المعلومات تنتشر بسرعة فائقة عبر الإنترنت، وأصبح من
السهل على أي شخص نشر ادعاءات أو تهديدات يمكن أن تؤدي إلى تصعيد التوترات
الاجتماعية والسياسية، في الآونة الأخيرة، شهدت الهند العديد من الحالات التي
استخدم فيها أفراد تهديدات عبر البريد الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر
الكراهية والفوضى.
التكتيك
القديم بأسلوب جديد
من
الواضح أن هناك تكتيكًا قديمًا يتم إعادة استخدامه ولكن بأسلوب مختلف. ففي السابق،
كانت هناك محاولات لخلق الفوضى في المجتمعات من خلال بعض الحوادث مثل إلقاء جثث أو
لحوم أمام المعابد الهندوسية لتشويه سمعة المسلمين. لكن مع تطور وسائل التواصل
الاجتماعي وانتشار الأخبار عبر الإنترنت، أصبح هذا التكتيك أسهل وأسرع في الوصول إلى
أكبر عدد ممكن من الأشخاص. فمن خلال البريد الإلكتروني أو المنشورات على
"تويتر" أو "فيسبوك"، يمكن نشر التهديدات الكاذبة أو
المعلومات الملفقة التي تهدف إلى زرع الفتنة وإثارة الخوف.
هذه
التهديدات، التي قد تبدو غير جدية أو كاذبة في البداية، تؤدي إلى نتائج كارثية على
المدى البعيد. حيث يتسبب الانتشار السريع للأخبار الزائفة في نشر الخوف والكراهية
بين الأفراد، مما يساهم في زيادة الانقسامات الطائفية في المجتمع. ومن خلال تصوير
المسلمين على أنهم المسببين الرئيسيين لهذه الأحداث، يتم تقويض أي جهود للتعايش
السلمي بين الأديان.
التهديدات
عبر الإنترنت: أمثلة بارزة
تهديد
مهرجان كومبه
في
ديسمبر، انتشر تهديد عبر الإنترنت يستهدف مهرجان "كومبه" الهندوسي. جاء
التهديد من حساب يحمل اسم "ناصر باتان"، وتضمن رسائل تهدد بتفجير
المهرجان وقتل الآلاف من المشاركين. بعد تحقيق الشرطة، تم اكتشاف أن الحساب زائف،
وأن الشخص المسؤول عن الرسائل شاب يدعى "آيش كومار جيسوال"، طالب يبلغ
من العمر 17 عامًا.
أوضحت
التحقيقات أن الشاب استخدم اسمًا مسلمًا مزيفًا لإرسال التهديدات بدافع
"المزاح"، في محاولة لتوريط المسلمين وتشويه سمعتهم. وقد أثارت هذه
الحادثة تساؤلات واسعة حول كيفية استخدام التكنولوجيا لإحداث انقسامات طائفية في
المجتمع.
الحالة
الثانية: تهديد معبد رام
في 27
ديسمبر 2023، تلقى ديفيندرا تيواري، أحد سكان لكناو، رسالة تهديد عبر البريد
الإلكتروني من حساب مزعوم يحمل اسم "زبير خان". تضمنت الرسالة تهديدات بتفجير
معبد "رام" وقتل مسؤولين حكوميين بارزين، من بينهم رئيس وزراء ولاية
أوتار براديش "يوغي آدتياناث".
لكن بعد
تحقيقات معمقة، تبين أن البريد الإلكتروني قد أُرسل من قبل شخصين هندوسيين يدعيان
اللذين استُخدما لإرسال التهديدات بأسماء إسلامية مزيفة بهدف نشر الكراهية وتعزيز
الصور النمطية السلبية عن المسلمين.
وظهرت
تحليلات تشير إلى أن هذا النوع من التهديدات ليس إلا لعبة سياسية تهدف إلى زيادة
الكراهية تجاه المسلمين من خلال تصويرهم كخطر يهدد الأمن الداخلي للبلاد. وكذلك
تبين أنه كان يحاول في الواقع إساءة استخدام انتمائه الوهمي لخلق حالة من العداء
بين المجتمعات. هذا يثير التساؤلات حول كيفية انتشار الشائعات والأكاذيب في عصر
وسائل التواصل الاجتماعي، وكيف يمكن لأي شخص أن يستغل منصات الإنترنت لنشر
الكراهية.
التكتيك
السياسي والتلاعب بالهوية:
هذه
الحوادث ليست جديدة. ففي كثير من الأحيان، يواجه المجتمع المسلم في الهند نوعًا من
التلاعب المتعمد لتشويه صورته في الإعلام والمجتمع. التكتيك الأكثر شيوعًا هو نشر
تهديدات كاذبة تُنسب إلى أفراد ينتمون إلى الديانات الإسلامية، بهدف تعزيز الصور
النمطية السلبية عن المسلمين في المجتمع. ولكن مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي،
أصبح هذا الأسلوب أكثر قوة وأوسع انتشارًا.
يشير الأستاذ
في جامعة دلهي أبورفاناند، ، إلى أن هذه
الحيل قد تم استخدامها في الماضي في عدة مناسبات لتشويه سمعة المسلمين. فإلقاء
اللوم على "الآخرين" في مواقف عدائية وتهديدات كاذبة يمكن أن يؤدي إلى
زيادة الفتنة بين الطوائف. هذه التكتيكات لا تستهدف مجرد الأفراد، بل تسعى إلى
إضفاء الطابع الديني على الحوادث اليومية، مما يخلق بيئة مليئة بالشكوك وعدم الثقة
بين المجتمعات.
التأثير
على المجتمعات:
من
الواضح أن هذه الحوادث تؤثر بشكل مباشر على المجتمع المسلم، حيث يتم تحميلهم
المسؤولية عن أفعال لم يرتكبوها. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه التهديدات الكاذبة
تساهم في تعزيز الانقسامات الطائفية، مما يؤدي إلى المزيد من العنف والصراعات بين
الأفراد والمجتمعات. من خلال استغلال الهوية الدينية بشكل كاذب، يتم خلق حالة من
الاستقطاب والتوتر الذي يصعب تجاوزه.
أيضًا،
تساهم هذه الحوادث في تعزيز الإسلاموفوبيا، حيث يُنظر إلى المسلمين على أنهم
"أعداء" أو "تهديدات" للأمن القومي. يتم استخدام هذه الحيل
لإشاعة الخوف وتعزيز الانقسامات بين الفئات المختلفة في المجتمع، مما يجعل من الصعب
بناء الثقة المتبادلة بين الطوائف.
الجانب
السياسي للتهديدات
هناك
جانب سياسي قوي يرتبط بتلك التهديدات الإلكترونية. فعلى الرغم من أن بعض الأفراد
قد ينفذون هذه الهجمات بدافع شخصي أو بدافع الانتماء إلى جماعات معينة، إلا أن
الهدف الأكبر هو خلق حالة من الاستقطاب السياسي وزيادة الاستفادة من الانقسامات
الطائفية. على سبيل المثال، كان "ديفيندرا تيواري"، الذي تورط في العديد
من الحالات المماثلة، يهدف إلى الحصول على مكاسب سياسية من خلال تأجيج التوترات
الطائفية واستخدامها كأداة لتحقيق أهدافه.
لقد أصبح
من الواضح أن هذه التهديدات لا تنبع فقط من أفراد عاديين، بل أيضًا من شخصيات
سياسية تسعى للاستفادة من هذه الفتن لزيادة شعبيتها أو تحقيق مكاسب انتخابية. ومع
تكرار هذه الحوادث، يبقى السؤال المطروح: هل توجد نية سياسية لزيادة العداء
الطائفي في المجتمع؟
الدور
الذي تلعبه وسائل الإعلام
تلعب
وسائل الإعلام دورًا مهمًا في تشكيل الرأي العام ونقل الأخبار بشكل موضوعي، لكنها
قد تكون أحيانًا طرفًا في تعزيز الصور النمطية السلبية. ففي حالات مثل هذه، تميل
بعض وسائل الإعلام إلى تصوير المسلمين على أنهم مصدر كل تهديد، مما يسهم في تنمية
الإسلاموفوبيا في المجتمع.
إن
انتشار الفيديوهات المغلوطة أو المعلومات الخاطئة عبر منصات مثل "إكس"
(تويتر سابقًا) يجعل من الصعب التمييز بين الحقيقة والخداع. في كثير من الحالات،
يتم استغلال هذه الوسائل لتحويل الأنظار عن الجناة الحقيقيين والضغط على فئة معينة
في المجتمع لتشويه سمعتها.
خاتمة
التهديدات الطائفية عبر الإنترنت تعد من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة. فهي لا تقتصر فقط على تدمير حياة الأفراد المستهدفين، بل تهدد أيضًا النسيج الاجتماعي والإنساني للمجتمعات. ويجب أن يكون هناك وعي أكبر لدى الجميع، سواء الأفراد أو المؤسسات، للحد من انتشار هذه الأنماط السلبية والتصدي لها بشكل حاسم. وفي الوقت ذاته، يجب أن تتضافر جهود الحكومات والمجتمع المدني لمكافحة الإسلاموفوبيا والحد من التأثيرات السلبية لهذه الحوادث، لضمان مجتمع أكثر تسامحًا وتعايشًا.