ظاهرة الطلاق في المجتمع الخليجي.. محاولة للفهم
ظاهرة الطلاق
واحدة من الظواهر الاجتماعية المقلقة التي طرأت مؤخراً على المجتمع الخليجي، وهي
ثمرة مجتمعات الوفرة والرفاه، وعلى الرغم من كونها ظاهرة عالمية، فإنها أشد وقعاً
في المجتمع الخليجي لكونه مجتمعاً تقليدياً لا يزال متأثراً ببعض التصورات حول
مركزية الأسرة كمؤسسة اجتماعية والعلاقة التراتبية المفترضة بين الزوجين.
في السطور
التالية، محاولة لفهم واقع ظاهرة الطلاق انطلاقاً من البيانات والإحصاءات والوقوف
على أسبابها وكيفية الحد منها.
واقع الطلاق في دول الخليج
شهدت منطقة
الخليج منذ نهايات القرن الماضي تغيرات بنيوية كان لها أبعد الأثر على منظومة
القيم الاجتماعية، ولعل أهمها التوسع الكبير في تعليم الفتيات والتحاقهن بسوق
العمل، وارتفاع معدلات الدخل بفعل تغير نمط الإنتاج، وقد انعكس ذلك على مؤسسة
الأسرة فلم يعد الزواج المبكر ممكناً بفعل تعليم الإناث، وتغيرت العلاقة بين
الزوجين بفعل التحاق النساء بسوق العمل.
وتؤكد الإحصاءات
الرسمية وغير الرسمية ذلك، إذ يشير تقرير «الزواج والطلاق في دول مجلس التعاون
الخليجي»، الصادر عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون عام 2025م، إلى وجود ضعف
في الإقبال على الزواج، وتصاعد في معدلات الطلاق، وحسب التقرير، فقد بلغ إجمالي عدد
عقود الزواج المسجلة في مجلس التعاون 205.3 آلاف حالة زواج في عام 2022م، بنسبة
انخفاض بلغت 11.7% مقارنة بعام 2014م، التي بلغ فيها إجمالي عقود الزواج نحو 232.6
ألف حالة، وجاءت عمان في مقدمة الدول التي سجلت انخفاضا إذ سجلت نسبة 20.2% تليها
الكويت بنسبة 16.7%.
ويتزامن مع ضعف
الإقبال تزايد في معدلات الطلاق، فيذكر التقرير أن عدد إشهادات الطلاق التي سجلت في
دول مجلس التعاون بلغت 79.7 ألف حالة طلاق في عام 2022م، بنسبة ارتفاع بلغت 70.6%
مقارنة بعام 2010م، التي بلغ فيها إجمالي إشهادات الطلاق نحو 46.7 ألف حالة طلاق،
وجاءت قطر في مقدمة الدول من حيث نسب الطلاق مسجلة زيادة ملحوظة قدرها 9.3%، على
حين سجلت الكويت 3.3%.
وتفصل إحصاءات
وزارة العدل الكويتية ما أجمله تقرير الزواج والطلاق في دول مجلس التعاون الخليجي؛
إذ تشير إلى أن النسبة الكبرى من حالات الطلاق في الكويت -وكذلك دول مجلس التعاون-
هي لمن بلغت مدة زواجهم أقل من سنة واحدة بنسبة تتراوح بين 18 - 20% من إجمالي
حالات الطلاق، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 33.8% عند احتساب الفئة التي استمر
زواجها أقل من 5 سنوات، وأن الفئة العمرية ما بين 20 - 29 سنة هي الأكثر عرضة
للطلاق المبكر.
دواعي الطلاق
وعلى صعيد آخر،
توضح الدراسات الإحصائية بعض دواعي انتشار الطلاق، وضمن هذا السياق يمكن الإشارة
إلى الدراسة التي أعدها مركز الدوحة للأسرة تحت عنوان «تقييم العلاقات الزوجية
خلال السنوات الخمس الأولى من الزواج في العالم العربي» 2024م، التي أشارت إلى
جملة من الأسباب التي تفضي إلى عدم التوافق والطلاق، وهي على التوالي: الخيانة،
وعدم التوافق الجنسي بما يعني عدم الإشباع وفتور العلاقات الجنسية، وعدم التفاهم،
والتشبث بالرأي والعناد، وعدم تفهم كل من الشريكين لشخصية الآخر.
يليها جملة من
الأسباب الأقل أهمية، من مثل: عدم التكافؤ التعليمي والثقافي، والتدخل الخارجي من
الأهل، والأفكار النسوية، ورغبة المرأة في الحرية والاستقلالية، واختلاف التوقعات،
ودور الإعلام ووسائل التواصل في تعزيز صورة نمطية عن حب الرجل للتعدد والرغبة
الجنسية، وعدم تقبل المجتمع للتعدد؛ ما قد يدفع الرجل إلى علاقات محرمة،
والانحرافات الجنسية والشذوذ، وتعاطي الزوج للمسكرات والمواد المخدرة.
وتشير هذه
الدراسة الإحصائية بوضوح إلى مدى التغير الحاصل في بنية الأسرة الخليجية بفعل
الانفتاح على ثقافات العالم والتوسع في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ تأتي
الخيانة الزوجية في مقدمة أسباب الطلاق البالغة 24 سبباً، وهذه النتيجة تؤكدها
دراسات أخرى حديثة.
وإذا كان
التقرير لا يشير إلى ماهية هذه الخيانة، وهل هي مادية أم إلكترونية، إلا أنها تعبر
عن حقيقة؛ وهي أن وسائل التواصل والإعلام قد ساهمت في تفاقمها وانتشارها بتسهيلها
سبل التواصل من جانب، وبما روجت له من نماذج ومعايير مثالية للجسد الإنساني
ولطبيعة العلاقة بين الزوجين، وهي معايير لا تقترب منها معظم النساء من جانب آخر.
وتكشف الدراسة
مدى التحول في تصورات النساء حول أنفسهن وحول طبيعة علاقتهن بأزواجهن التي لم تعد
كما كانت الحال في الماضي علاقة تراتبية، وإنما صارت علاقة ندية بفعل انتشار
الأفكار النسوية بين النساء، وهذه الأفكار تزدهر ليس بفعل وسائل الإعلام أو العمل
كما يشاع، بل بفعل التعليم؛ إذ تتضمن المقررات في المراحل المتقدمة مناهج حول
النسوية وكيفية تعزيز ثقافة النوع الاجتماعي.
وتلقي الدراسة
الضوء على التغيرات الحاصلة على الشخصية الخليجية من حيث تراجع القيم الخلقية،
وانتشار تعاطي المواد المسكرة والانحرافات الجنسية والإيدز، وهي أشياء لم يعرفها
جيل الأجداد فضلاً عن الآباء.
ومع انتشار
حالات الطلاق، بادرت بعض البلدان باتخاذ تدابير تشريعية وإجرائية للحد من انتشاره
عبر تفعيل مبادرات الصلح القضائي، ففي الكويت، أنشأت وزارة العدل إدارة الاستشارات
الأسرية التي تعتبر الأقدم في المنطقة، وهي تعتمد على محاولة تجنب تفاقم الخلافات
قبل وقوع الطلاق الرسمي وتقديم المشورة.
وفي السعودية،
تم إطلاق منصة «تراضي»؛ وهي منصة إلكترونية هدفها محاولة المصالحة قبيل وقوع
الطلاق، وهي تؤدي دوراً في تقليص معدلات الطلاق مثلها مثل دورات تأهيل المقبلين
على الزواج.
ومع هذا، فإن
هناك حاجة ماسة لتفعيل المدخل الشرعي لمواجهة الطلاق الذي يبدأ من مفهوم «الإمساك»؛
أي إمساك الزوج لزوجته، وتفعيل قيم المودة والرحمة والإحسان، والمعاشرة بالمعروف.
اقرأ
أيضاً:
لماذا تنهار
البيوت بعد شهر العسل؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً