كيف تحاول «إسرائيل» تفكيك الحاضنة الجماهيرية للمقاومة؟

منذ نشأتها،
أدركت «إسرائيل» أن السيطرة العسكرية وحدها لا تكفي لضمان بقائها، بل تحتاج إلى إستراتيجية
متكاملة تستهدف وعي الفلسطينيين، وتعمل على زعزعة إيمانهم بقضيتهم، وتقويض دعمهم
للمقاومة الفلسطينية، لذا فإن «إسرائيل» تهدف في هذه الحرب إلى إعادة تشكيل الهوية
الفلسطينية، وزرع الشكوك داخل المجتمع الفلسطيني، وخلق فجوة بين الشعب والمقاومة
من خلال الأدوات الإعلامية، الاقتصادية، والسياسية، فكيف يخوض الكيان الصهيوني هذه
الحرب؟ وما أساليبه؟ وكيف يمكن التصدي لها؟
ماهية
الحاضنة الجماهيرية ودورها في المقاومة
الحاضنة
الجماهيرية هي المجتمع المحلي الذي يدعم المقاومة؛ سياسيًا، واجتماعيًا،
ولوجستيًا، ويمنحها الشرعية وتتكون من الأسر والعائلات التي تقدم الدعم المباشر
للمقاومين، كما التجار ورجال الأعمال الذين يمولون المقاومة أو يوفرون الموارد، إضافة
إلى المثقفين والإعلاميين الذين يدافعون عن الرواية الفلسطينية، والشباب والنشطاء
الذين ينظمون الحراك الشعبي.
استهداف
الحاضنة الجماهيرية للمقاومة
تؤدي الحاضنة
الجماهيرية دورًا محوريًا في استمرار المقاومة عبر توفير الغطاء السياسي والشعبي
الذي يمنع الاحتلال من عزل المقاومة، فإسناد المقاومة ميدانيًا عبر الإضرابات
والمظاهرات والاحتجاجات، ودعم الأسرى وعائلات الشهداء مما يعزز صمود المجتمع في
مواجهة القمع، لتحفيز الهوية الوطنية عبر التعليم والإعلام، فالإستراتيجيات «الإسرائيلية»
لضرب الحاضنة الجماهيرية التي تعتمد عليها«إسرائيل» وترتكز على عدة محاور لتفكيك
الحاضنة الجماهيرية للمقاومة، منها: الحرب النفسية والإعلامية وتشويه صورة
المقاومة، بالإضافة إلى الادعاء بأنها السبب في المعاناة الاقتصادية عبر الحصار
والعقوبات الجماعية، وتصويرها بأنها تخدم مصالح شخصية، لزرع الشك داخل المجتمع
الفلسطيني الداخلي، ووصف المقاومة وكأنها تنظيماً راديكالياً بمعنى ربطها بالإرهاب
عالميًا لتبرير العدوان عليها.
لذا، فهي تستخدم
كافة الوسائل لتحقيق الغايات كاستخدام الإعلام الموجه لترويج الدعاية «الإسرائيلية»
عبر وسائل الإعلام العربية والدولية، وبث الإشاعات عبر منصات التواصل الاجتماعي
لضرب الثقة بين الشعب والمقاومة، ومحاولة اختراق الفضاء الإلكتروني الفلسطيني
بصفحات مزيفة تنشر الأخبار المضللة، لا سيما باستهداف الرموز الوطنية لمحاولة
تشويه صورة القادة السياسيين والميدانيين عبر اتهامهم بالفساد أو الارتباط بأجندات
خارجية، عدا عن اغتيال الشخصيات المؤثرة في الإعلام والسياسة والمقاومة، كما حدث
مع قادة المقاومة سواء من حركة «حماس» والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية.
الضغط
الاقتصادي والعقوبات الجماعية
تعمدت دولة
الاحتلال «الإسرائيلي» دوماً وعلى مدار نشأتها على اتباع نهج الحصار الاقتصادي على
الحاضنة الجماهيرية للمقاومة الفلسطينية، لا سيما فرض حصار مشدد على غزة، لخلق
ضغوط على السكان لدفعهم للتمرد على المقاومة، وكان ذلك بعدة أوجه وأساليب، منها
تقليل تصاريح العمل للفلسطينيين داخل الخط الأخضر، لزيادة البطالة والفقر، ومن جهة
أخرى منع تحويل الأموال من الخارج إلى المؤسسات الخيرية الداعمة للأسر المحتاجة، إضافة
لذلك فرض عقوبات على عائلات المقاومين كهدم المنازل كإجراء انتقامي ضد عائلات
المقاومين، وسحب الإقامات وتصاريح العمل من أقارب المقاومين، كما العمل على إغلاق
الحسابات البنكية الخاصة بهم ومصادرة الممتلكات.
تعزيز
الانقسام الداخلي
لا شك أن دولة
الاحتلال عملت على استغلال الانقسام بين الفصائل الفلسطينية ودعم طرف على حساب آخر
لضرب الوحدة الوطنية وخلق صراعات داخلية بين القوى السياسية ودعم تيارات فلسطينية
مناهضة للمقاومة وتعزيز شخصيات فلسطينية تدعو للتعايش بدلًا من المقاومة.
علاوةً على ذلك،
تمويل مؤسسات مجتمع مدني تتبنى خطابًا محايدًا أو معاديًا للمقاومة، وجانب آخر
استغلال البعد الإنساني والمساعدات والعمل على ربط المساعدات بالتخلي عن المقاومة؛
وذلك بالضغط على المؤسسات الدولية لمنع تقديم المساعدات للمناطق الداعمة للمقاومة،
كما عملت على دعم مشاريع تنموية بديلة تخضع للرقابة «الإسرائيلية»، كل ذلك هدفه
الأسمى التلاعب بسكان غزة عبر تصاريح العمل، والسماح لآلاف الفلسطينيين بالعمل
داخل دولة الاحتلال «الإسرائيلي»، ثم إغلاق المعابر فجأة لإحداث أزمة معيشية بهدف
استخدام التصاريح كورقة ضغط سياسية ضد المقاومة.
وسائل
التصدي لحرب الوعي «الإسرائيلية»
لا بد من تعزيز
الهوية الوطنية والوعي الشعبي وتدريس التاريخ الفلسطيني الحقيقي في المدارس
الفلسطينية وتعزيز البرامج الثقافية والفنية التي تكرس الهوية الوطنية، ومن جانب
آخر تطوير الإعلام المقاوم وإنتاج محتوى إعلامي مهني وعالمي يواجه الدعاية
والسردية «الإسرائيلية»، كما لا بد من استخدام منصات التواصل الاجتماعي بفعالية
لكشف الأكاذيب «الإسرائيلية»، ولا بد من تعزيز الإعلام الاستقصائي لكشف جرائم
الاحتلال، علاوة على تقوية الاقتصاد المقاوم وذلك بدعم المنتجات الفلسطينية
ومقاطعة المنتجات «الإسرائيلية»، والأهم من ذلك تطوير الزراعة والصناعة الفلسطينية
لتقليل التبعية الاقتصادية التي أنتجتها «اتفاقية باريس الاقتصادية».
توحيد
الصف الفلسطيني
في ظل حرب
الإبادة على الشعب الفلسطيني ومساعي التهجير المستمرة، لا بد من التعالي على
الجراح والعمل على تعزيز الحوار بين الفصائل الفلسطينية لإنهاء الانقسام السياسي
الفلسطيني الداخلي، وذلك بضرورة تشكيل جبهة وطنية موحدة ضد الاحتلال.
تجارب
تاريخية في حروب الوعي
هنالك تجارب عبر
التاريخ لا بد من الاستفادة منها لعلّ أهمها تجربة جنوب أفريقيا ضد الفصل العنصري،
وكيف استخدمت المقاومة في جنوب أفريقيا الإعلام والاقتصاد لكسب الدعم الدولي،
وكذلك الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، وكيف استخدم الفرنسيون الدعاية
والحرب النفسية، وكيف تصدت المقاومة لها، والتجربة الفيتنامية ضد الاحتلال
الأمريكي، وكيف اعتمدت المقاومة الفيتنامية على الإعلام والتعبئة الشعبية لإفشال
الإستراتيجية الأمريكية.
إن حرب الوعي
التي تشنها «إسرائيل» ليست مجرد دعاية إعلامية، بل إستراتيجية ممنهجة تهدف إلى تدمير
الدعم الشعبي للمقاومة وزرع الشك والانقسام داخل المجتمع الفلسطيني، ومع ذلك، فإن
الوعي بهذه الحرب وأساليبها يمكن أن يحصّن المجتمع الفلسطيني، ويعزز صموده في وجه
الاحتلال من خلال الإعلام الوطني الحقيقي، والتربية الواعية، وتعزيز الوحدة
الوطنية، بذلك يمكن التصدي لهذه الحرب، للحفاظ على روح المقاومة التي تشكل جوهر
النضال الفلسطيني.